اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/29 الساعة 20:28 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/11 هـ

انضم إلينا
رغم ضعف السرد.. هل يستحق فيلم "فوتوكوبي" المشاهدة؟

رغم ضعف السرد.. هل يستحق فيلم "فوتوكوبي" المشاهدة؟

رامي عبد الرازق

ناقد سينمائي
  • ض
  • ض

يبدو فوتوكوبي واحد من الأفلام التي تحمل حكاية هادئة بلا عمق شعوري حقيقي رغم كل الجهد الذي بذله صنّاعه في محاولة أن يبدو كذلك، ثمة حكاية دافئة يمررها السيناريو عبر قصة الحب التي تبدأ من طرف محمود فوتوكوبي (محمود حميدة) تجاه جارته الخمسينية الجميلة والمريضة (شيرين رضا) وذلك بالتوازي مع شعوره بأنه يشبه الديناصورات التي انقرضت قبل ملايين السنين لكنه لا يريد أن ينقرض مثلهم، بل يجد في قصة الحب الصامتة تلك مساحة النجاة من خطر الانقراض والتلاشي في النسيان مثل كل الزمن الذي ينتمي إليه.

 

منذ أن أعلن اسم الفيلم الفائز بجائزة نجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم عربي (فوتوكوبي) إخراج تامر عشري أثناء حفل ختام مهرجان الجونة في دورته الأولى (21-30 (سبتمبر/أيلول) انطلقت حالة من الجدل المتنامي حول أحقية الفيلم -الأول لمخرجه الشاب- في الفوز بالجائزة رغم وجود أفلام عربية ومصرية ذات مستوى تنافسي حقيقي في نفس مضمار المسابقة مع الفيلم الفائز، البعض اعتبر أن "شيخ جاكسون" إخراج عمرو سلامة كان أولى بالجائزة لاعتبارات تخص السياق الفكري والقضية التي يتناولها الفيلم، طالما أن الجائزة التي تمنح لأول مرة ذهبت لفيلم مصري، والبعض الآخر اعتبر أن في الأمر شبهة مجاملة بدليل تجاوز (فوتوكوبي) لأفلام مثل "القضية رقم 23" لزياد دويري وهو فيلم سياسي مؤدلج شديد المباشرة استطاع بالفعل الحصول على جائزة نجمة الجونة الفضية في المسابقة الدولية، أو الفيلم المغربي "وليلي" لفوزي بن سعيدي والتي فازت بطلة نادية كوندا بجائزة أفضل ممثلة.

 

قد تبدو فرضية الإجابة على سؤال الجائزة هي أن مستوى الأفلام المصرية لم يكن تنافسيًا بالمقام الأول مع أفلام المسابقة، سواء العربية أو غيرها من الجنسيات، ولأنها دورة المهرجان المصري الأولى والتي لا يصح معها أن تخرج مصر خالية الوفاض بلا أية جائزة، ولأن جزءا من سياسة المهرجان المعلنة هو تشجيع السينما المصرية بصناعها وأفلامها، كان من السهل إذن على اللجنة أن تمنح جائزة أفضل فيلم عربي إلى "فوتوكوبي" ليصبح لمصر مكانا وسط طاولة جوائز المهرجان.  

  

 
يؤمن الكثيرون أن الفن في مجمله -والسينما في خاصتها- ليس مجالا للتنافس بشكله وصورته التي يمكن أن تتجلى على سبيل المثال في أنشطة إنسانية أخرى كالتجارة أو الرياضة، لأن الفنون قائمة في جزء أساسي من تلقيها على عنصر الأذواق في اتفاقها واختلافها، وعلى عناصر أخرى كالمستوى الثقافي ودرجة الحساسية والرهافة الوجدانية التي تختلف من متلق لآخر، صحيح أن ثمة شرائح متشابهة الأذواق وقريبة في درجات الحساسية، لكن ثمة دوما اختلاف واضح بين طبقات المتلقين، حيث أن بعضهم يجعل من فكرة التنافسية في حضورها المجرد غير واردة بل وغير منطقية، سواء في تقييم العمل الفني أو بمقارنته بعمل آخر من نفس النوع.

 

ومهما تعددت مجالات التنافس أو التسابق بين الأفلام في مختلف مسابقات المهرجانات السينمائية يظل عامل اختلاف الأذواق وحساسية التلقي هو المعيار الأساسي بالنسبة للمشاهد سواء فاز الفيلم الذي حاز إعجابه بجائزة أو خرج خالي الوفاض. من هنا يمكن القول إنه سواء كانت جائزة فوتوكوبي مستحقة أو غير مستحقة فإن هذا لن يعني سوى بعض شرائح الجمهور الذي حرص على مشاهدة الفيلم ضمن فعاليات بانوراما السينما المصرية التي أصبحت إحدى التظاهرات الهامة لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي (21-30 (نوفمبر/تشرين الثاني) في دورته الـ 3، حيث تمنح البانوراما فرصة جيدة لمشاهدة الأفلام المصرية التي عرضت أو لم تعرض تجاريا خلال العام الحالي وذلك سواء للجمهور المصري أو لجمهور المهرجان من الصحافة وصناع السينما الدولية.

 

جدلية البساطة والعمق..

قد تحتوي الحكايات البسيطة التي لا تدعي أي شيء على الكثير من العمق ومستويات التأويل التي تجعل منها حالة جذابة ومؤثرة في خيال ومشاعر المتلقي، وقد لا تحتوي على أكثر مما يبدو على سطحها الهادئ دون أن يكون ثمة عُمق حقيقي أو باطن مثير يقلق بال المتلقي ويجعله يحمل الفيلم إلى خارج قاعة العرض.

  

 

لا يجعلنا فوتوكوبي نشعر بالقلق تجاه أي شيء أو ضد أي شيء، فهو فيلم مرتب جدا حتى في أزمات شخصياته فمحمود فوتوكوبي يبدو مطمئنا إلى حد كبير إلى تأثيره الشخصي والذكوري على جارته المريضة حتى أنه يذهب إليها مهندما يطلب منها الزواج، بل ويطلب من رئيس اتحاد الملاك الشرس (بيومي فؤاد) أن يتخلى له عن رئاسة اتحاد ملاك العمارة لمجرد أن يصبح هذا هو نوع التمرد ضد الانقراض الذي يزحف عليه، بينما الجارة الجميلة التي سبق وأزالت صدرها نتيجة سرطان الثدي تبدو هادئة بالمقارنة لامرأة تجري تحليلا دوريا للتأكد من عدم عودة المرض.

 

حتى شخصيات الشارع (شارع عبده باشا في حي العباسية بمدينة القاهرة) تبدو هي الأخرى شخصيات هادئة لا تعاني من قلق درامي يستحق حماس المتابعة، كالشاب صاحب محل الإنترنت (السايبر) الذي يعاني كل فترة من هجوم مباحث المصنفات عليه لمصادرة الأجهزة الخاصة به مما يضطره أن يدفع مبلغا (كرشوة) لضباط المباحث كي يسترد أجهزته مرة أخرى.

 
أزمة غياب القلق الخاص بالشخصيات هي أزمة سردية بالأساس، سواء على مستوى السيناريو أو الإخراج، فعلى سبيل المثال يدخل محمود إلى سايبر الإنترنت في مشهد طريف ومتسق مع رغبته في البحث عن أسباب انقراض الديناصورات. وبعد أن يجلس على أحد الأجهزة، وقبل أن يبدأ في البحث ينتهي المشهد فجأة، ثم بعد عدة مشاهد يجلس محمود مع الشاب صاحب السايبر ليبدأ كلاهما في استدعاء تفاصيل المشهد المنتهي في السايبر وسخرية الشباب من محمود وموضوع بحثه -انقراض الديناصورات- وفي مشهد آخر نعرف من حكي محمود أن البواب المراهق ( أحمد داش) أبلغه أن الشاب الأفريقي الذي يحادث صديقته من جهاز الكمبيوتر الخاص بمحمود فوتوكوبي هو جاسوس مما يجعل محمود يطلب من الشاب الأفريقي أن يترجم له المحادثات التي يقوم بها مع حبيبته البعيدة.

  
 
هذان المشهدان تحديدا يكشفان مدى تواضع السرد في طريقة تعامله مع أحداث الفيلم وشخصياته، فبدلا من أن نرى مشهد بحث محمود على الإنترنت وسخرية الشباب منه، وبدلا من أن نشاهد حالة الشك في الشاب الإفريقي ومحاولة محمود التأكد من أنه ليس جاسوسا فإننا نسمع عن هذه المواقف والأحداث من خلال الحوار وليس من خلال الصورة والأداء التمثيلي -رغم وجود طاقة تمثيلية هائلة بالفيلم تدعى محمود حميدة- وينسحب هذا التشوش السردي على الكثير من مشاهد الفيلم التي تخص حتى شخصيات أخرى مثل شخصية الجارة المريضة التي نتعرف على كونها مريضة بسرطان الثدي في لقطة معبرة جدا وهي سقوط الثدي الصناعي الذي يعوض ثديها الحقيقي المبتور، لكن السيناريو والإخراج لا يكتفيان بذلك، بل يستمران في طرح مسألة المرض والسكر والضعف الجسدي في الكثير من المواضيع بشكل حواري ومباشر وفج جدا.

 
وعندما يعلم ابن الجارة المسافر بأنها على وشك الزواج من محمود ويعود ليطردها من شقتها -بشكل ميلودرامي غير مبرر- يعود السيناريو والإخراج إلى مسألة الحكي عن الحدث بعد وقوعه رغم ما يتسم به الحدث أو الموقف الدرامي من انفعال وسخونة وقوة مؤثرة تستحق أن نراها وليس أن يتم إخبارنا عنها حواريا فقط !

 
على عكس ما قد يظنه صناع الأفلام من أن وجود ممثلين ذوي طاقات انفعالية وشكلية عالية كفيل بأن يكون معبرا أو كافيا للحكي البصري أو التمثيلي فإن الممثلين مهما كانت درجات موهبتهم أو سحر حضورهم على الشاشة يحتاجون إلى مواقف وأحداث درامية بمحتوى انفعالي جيد ومتقن كي يطلقون طاقاتهم التشخيصية في وجه الجمهور ولكن أن يكتفي صناع الفيلم -أي فيلم- بأن يحكي الممثلون عبر الحوار -الذي يحتوي أيضا بالمناسبة على قدر كبير من الكلاشيهات اللفظية التي تعكس ثقافة الكاتب القادمة من أفلام الأبيض والأسود- فهذا دليل على تواضع مستوى النضج وغياب عناصر الخبرة التي تجعل الثقة حاضرة في غير موضعها وغائبة حيث يجب أن تكون.

  

 

أقدمت شيرين رضا على مغامرة جيدة في قبولها دور المرأة العجوز المريضة رغم ما اتسم به أداؤها من نمطية خاصة في مشاهد استجداء عطف الابن المسافر عبر الهاتف -وجفائه غير المبرر في الرد عليها- والتي ربما كانت نمطية المشاهد شديدة الاستهلاك هي السبب في نمطية أدائها. كانت شخصية الجارة العجوز المريضة تحتاج إلى ممثلة أخرى في سن مناسب، فليس هناك ما يستدعي أن تقوم ممثلة لا تزال تحمل الكثير من ملامح الجمال والفحولة الأنثوية بدور امرأة عجوز  وهو خيار إنتاجي على ما يبدو كنتيجة طبيعية لاعتذار عدد من الممثلات عن أداء الشخصية.

 
يشعرك فوتوكوبي أنه فيلم ينتمي لسينما مندثرة انتهت قبل عشرين عاما سواء على مستوى سياق السرد أو الصورة الخافتة التي لا تحتوي على حكي بصري طازج أو مختلف، هو نموذج للتجربة الأولى التي يمكن تقبلها في سياق قياس الأدوات والبحث عن أسلوب لا يزال في طور التشكل لكنه بلا شك أكثر بساطة ونمطية من اللازم، خاصة مع مشاهد الأغنيات القديمة التي تستمع إليها شخصية الجارة أو العلاقة المحكوم عليها سلفا بالنجاح والزواج بينها وبين محمود بل وتحول محمود من تمسكه بنمط العمل التقليدي إلى مشاركة جاره الشاب وضم محل الفوتوكوبي إلى السايبر كي لا ينقرض مثل الديناصورات، كل هذه التفاصيل الدرامية والسردية أفقدت الفيلم كثيرا من قوته الشعورية ودفئه المفترض في التعاطي مع حكايته الهادئة.

 

وأخيرا يمكن أن نطرح سؤالا هامًّا: هل يستحق فوتوكوبي أن يأخذ حظه من المشاهدة أم لا؟ بكل وضوح، فإن كل فيلم يلتزم الحد الأدنى من الجودة الفنية يستحق بشكل أو بآخر بأن ينال حظه من المشاهدة وهو ما سبق وأشرنا إليه في بداية حديثنا عن مسألة التنافس في الفن واختلاف حساسيات التذوق، فرغم مشاكل السرد الواضحة في الفيلم وبساطة الفكرة وهدوئها الدرامي والشعوري حد الخمول في بعض المشاهد، إلا أن الفيلم يعرض تجربة قد تناسب أذواق وحساسيات شرائح من الجمهور الذي لا يحتاج قدرا من العمق أو الكثافة الفكرية بل مجرد حكاية بسيطة حتى ولو محكية بشكل غير منمق. 

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار