اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/22 الساعة 17:15 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/26 هـ

انضم إلينا
إرث بوكاهانتس.. أثر السينما في تغيير الواقع

إرث بوكاهانتس.. أثر السينما في تغيير الواقع

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

بوكاهانتس هي أشهر رموز سكان أميركا الأصليين، ويرجع الفضل في ذلك إلى فيلم الرسوم المتحركة الذي حمل اسمها. لكن القصة الحقيقية تختلف كثيرا عما عرضته ديزني. نتعرف في هذا التقرير على أوجه هذا الاختلاف، وتطور موقف السكان الأصليين من الصورة التي تبنتها السينما، وأثرها على حياتهم اليوم، ومحاولاتهم لتغييرها.

 

إرث بوكاهانتس

بعد مرور أربعمائة عام على وفاتها، ما تزال التصورات الخاطئة عن أحد رموز الأميركيين الأصليين مستمرة في رسم الصورة الثقافية للشعوب الأصلية، وإن كان هذا بدأ يتغير.

 

في 21 (مارس/آذار) 1617، توفيت امرأة تبلغ 21 عاما، من قبيلة بامونكي بفرجينيا، في مدينة غريفسيند بإنجلترا. عرفت هذه المرأة بأسماء عدة، مثل ماتوكا، وأمونوت، وحين وفاتها كانت تدعى ريبيكا، إلا أنها تشتهر اليوم باسم بوكاهانتس. كانت وفاتها مفاجئة: وصلت بوكاهانتس إلى إنجلترا في (يونيو/حزيران) من العام الذي سبق عام وفاتها، وقضت شهورا في رحلة سياحية حول البلاد، مع احتفاء خاص من الصحافة باعتبارها "أميرة هندية". أصبحت قصة عبور بوكاهانتس للأطلسي، وزواجها من الإنجليزي جون رولف، وتحولها المزعوم إلى المسيحية، جميعها أجزاء في سردية ثقافية ساعدت على الترويج للمصالح الاستعمارية البيضاء، خاصة ما يتعلق منها بشركة فرجينيا.1

 

 فيلم أسطورة بوكاهانتس عام 1995 (مواقع التواصل)

 

رغم حياتها القصيرة، والغموض الذي أحاط بوفاتها، ظلت بوكاهانتس إحدى أكثر السكان الأصليين شهرة في الثقافة الأميركية، حتى اليوم. قدمتها أفلام هوليوود في صورة امرأة نبيلة -أو "السيدة بوكاهانتس"، مثلما وصفها سميث في خطابه إلى الملكة آن عام 1616-2 أنقذت تضحيتها الدرامية بنفسها، حياة سميث وسكان مستوطنة جيمستاون بفرجينيا. لقد شكلت قصة البطولة الرومانسية هذه -وهي قصة من الطراز الأسطوري- صورة بوكاهانتس على مدى قرون. كما أسس هذا الوصف الذي يعود إلى أوائل القرن السابع عشر، الخاص بهذه المرأة البامونكية الصغيرة، للقالب الثقافي الذي استخدمه الأوروبيون والأميركيون البيض لتصوير سكان أميركا الأصليين، بشكل حاسم. لقد قُدِّمَ السكان الأصليون، في مختلف صور الإنتاج الثقافي، بصورة مجرد معاونين، في سياق دراما كولونيالية أكبر، تدور في أميركا الشمالية، سواء كان ذلك في حالة بوكاهانتس، أو الرفيق المثالي تونتو3، أو ساكاجاويا مرشدة لويس وكلارك الأمينة4.

 

واليوم، ما يزال الكُتَّاب وصُنَّاع الأفلام من ذوي الأصول المهاجرة، بنسبة كبيرة، هم الذين يقدمون السكان الأصليين، بصور تثير ردود أفعال5 متباينة6، في مسلسلات مثل فارغو7، وكيمي شميت الصلبة8، ولونغماير9، وفي أفلام مثل العائد10، والسخفاء الستة11، والحارس الوحيد12. لكن الأمور بدأت في التغير. فخلال الجيل الأخير، بدأ صناع الأفلام الأصليون، في اكتشاف طرق لسرد قصصهم الخاصة، غالبا عن طريق السينما المستقلة، وتنظيم المهرجانات السينمائية الخاصة بهم، مثل "المهرجان السينمائي لإعادة تقديم بوكاهانتس"، الذي ينتظر إقامته في (نوفمبر/تشرين الثاني) القادم. ومثلما يفهم من عنوان المهرجان، فإن أي جهد يهدف إلى إصلاح الصورة الثقافية لسكان أميركا الأصليين، لا بد أن يشتبك مع الإرث البالغ من العمر أربعمائة عام، الخاص بأسطورة بوكاهانتس العنيدة. 

 

على الأغلب، سوف يزعم أميركيون كثر امتلاك قدر من المعرفة عن حياة بوكاهانتس، رغم افتقار بعض أكثر تفاصيل قصتها شهرة، إلى أي دليل. فبداية، ليس هناك دليل واضح على لقاء بوكاهانتس بسميث من الأصل، ناهيك عن إنقاذها حياته. خلال القرن السابع عشر، كان بوكاهانتس اسما شائعا بين نساء بامونكي، أكبر قبائل بوهاتان وأقواها. لم يأت سميث نفسه على ذكر بوكاهانتس في حكاياته الأولى عن هنود بوهاتان. بل لم يبدأ في السرد الرومانتيكي للقائه بها، إلا بعد رحلتها السياحية حول إنجلترا، وهو السرد الذي أسهب في تفاصيله، في كتابه "تاريخ فرجينيا العام" المنشور في 1624. في هذا الكتاب، قام سميث، الذي اختلف13 المؤرخون14 على مصداقيته منذ أيامه الأولى، بزرع بذرة الأسطورة التي لم يتوقف نموها حتى اليوم.

 

لوحة فنية من عام 1830 يعتقد أنها لبوكاهانتس وابنها توماس رولف (مواقع التواصل)

 

صحيح أن بوكاهانتس تزوجت رولف، الكولونيالي، وأنجبت منه طفلا يدعى توماس، لكن ليس هناك أي دليل أرشيفي على تحولها إلى المسيحية، أو على تعميدها. ولو أن بوكاهانتس قد عبرت عن اهتمامها بالقيم المسيحية، فسيكون دافع هذا التعبير -على الأغلب- هو طبيعة دورها الدبلوماسي باعتبارها ممثلة عن قومها، وكذلك السعي إلى ربط الإنجليز بشبكات تجارية تهيمن عليها البوهاتان، على عكس السردية التنويرية بامتياز، التي روجت لها الصحافة البريطانية آنذاك.

 

تزامن ارتباط بوكاهانتس الدبلوماسي بالإنجليز، مع فترة اتسمت فيها العلاقات الأنجلوسكسونية-الهندية بسوء الظن والعنف، وهو ما تعرضت له بوكاهانتس نفسها، حينما اختطفها الإنجليز عام 1613. كذلك كانت مستوطنة جيمستاون، مكانا عرف فيه المستوطنون الإنجليز الأوائل، هم أيضا، الحرمان والوحشية الاستثنائية. كان الإنجليز في حاجة إلى كل مساعدة ممكنة، إن كانت المستوطنة لا تأمل فقط في البقاء، بل في نمو أعداد سكانها واستثماراتها المادية أيضا. هكذا، أصبحت بوكاهانتس الأداة التسويقية المثالية، لشركة فرجينيا، وهي المشروع المشترك الذي أسس جيمستاون.

 

اكتسبت قصة بوكاهانتس شهرة وسلطة واسعة، حتى إن ذريتها من قبيلة بامونكي، قد استعانوا بهذه الأسطورة، لفترة قصيرة، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، من أجل التأكيد على هويتهم المحلية. مثلما فعلت "فرقة اللاعبين البامونكيين للتمثيل"، حين أعادت تقديم قصة إنقاذ بوكاهانتس جون سميث، ضمن فعاليات معرض جيمستاون15 عام 1907. وفي 1928، تحدث الزعيم البامونكي جورج كوك16، بحزن، عن إنقاذ سميث، على يد "ريشة ثلج صغيرة، تعرف باسم بوكاهانتس". لكن في النصف الثاني من القرن العشرين، أدركت القبيلة أنها تبنت، دون تفكير، سردية تاريخية روج لها المستعمرون. لقد اعترفت قبيلة بامونكي، في النهاية، بتماديها في الترويج لأسطورة بوكاهانتس، وتأبيدها، وقررت أخيرا "إعادتها إلى الخزانة"، حسبما أخبرني روبرت غراي، الزعيم الحالي للقبيلة.

 

كانت أستوديوهات الأفلام الأميركية، التي تبنت قصة بوكاهانتس منذ أيام هوليوود الأولى، هي الأقل رغبة في الاستغناء عن الأسطورة. ففي مرحلة الأفلام الصامتة، قامت أفلام مثل بوكاهانتس عام 1910، وبوكاهنتس وجون سميث 1924، بتقديم "الأميرة الهندية"، وهي تنقذ أول إنجليزي تراه، وتقع في حبه. عرضت هذه النوعية من الأفلام، المستوطنين في صورة بطولية، مع استخدام ممثلين بيض، يصبغون وجوههم باللون الأحمر، للعب أدوار السكان الأصليين، مثلما كان المؤدون البيض يرتدون أقنعة سوداء وصفراء، للعب أدوار الأميركيين الأفارقة وأدوار الآسيويين.

 

فيلم بوكاهانتس الكرتوني من إنتاج ديزني عام 1995 (أمازون)

 

خلال الحرب الباردة، لعبت كثير من أفلام الغرب الأميركي والمغامرات، مثل الكابتن جون سميث وبوكاهنتس 1953، دورا كبيرا في التأكيد على سذاجة ووحشية سكان أميركا الأصليين. لكن على مدار العقود الأخيرة، لم تنجح سوى قلة من الأفلام، في لعب دور يقترب أثره، من أثر فيلم الرسوم المتحركة بوكاهونتاس، الذي أنتجته ديزني عام 1995، في تأبيد وتعزيز القوالب الثقافية الخاصة بالسكان الأصليين. ففيلم بوكاهنتس، حاله كحال تتمته، بوكاهنتس 2: رحلة إلى عالم جديد 1998، هو إعادة كتابة ماهرة، لواقع أكثر تعقيدا، حَوَّلَ طفلة لعلها كانت بين التاسعة والثانية عشر، إلى كائن مرغوب جنسيا، أشبه بعروسة باربي. إنها حكاية خيالية، تغني فيها بوكاهانتس، وتتحدث إلى النباتات والحيوانات، وتزداد عشقا لسميث، قبل إنقاذه من الموت على يد محاربي بوهاتان. تتولى سردية مشابهة -فيما عدا الغناء وصداقة الحيوانات- تحريك أحداث فيلم تيرينس ماليك الشهير، العالم الجديد 2005، بما يرجح أنه لم يزل بهوليوود مكان لمثل هذه النزعة التحريفية، في هذا القرن.

 

لكن مع ندرة الصور الواقعية الشعبية للسكان الأصليين اليوم، تظل بوكاهانتس متمسكة بمكانتها الرمزية، سواء كداعية إلى السلام أو موضوعا للسخرية. مثل استمرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب17 في الإشارة إلى النائبة إليزابيث وارن، باسم "بوكاهانتس"، في تلميح إلى زعمها امتلاك أصول تعود إلى قبيلة شيروكي، وهو استخدام وجدت فيه بعض الجماعات الأميركية الأصلية18 نبرة سخرية. لقد استخدم الأميركيون والإنجليز أسطورة بوكاهانتس "لتبرير الغزو الإنجليزي -والأميركي لاحقا- لفرجينيا وأميركا الشمالية"، حسبما أخبرتني المؤرخة كاثلين دوفال19. وما تزال نتائج ذلك الغزو ملموسة حتى اليوم، تتمثل آخرها في الجهود القبلية المُتجاهَلة، لمنع مرور خط أنابيب داكوتا عبر الأراضي المقدسة، الواقعة في محمية الصخرة القائمة الهندية.

 

لما كانت أفلام هوليوود لا تقدم أدوار أميركيين أصليين إلا في أقل من واحد بالمئة20 منها، ناهيك عن الوظائف المسندة في الكواليس، لم تكن هيمنة واستمرار صورة بوكاهانتس المفردة بالأمر المفاجئ. لكن هناك فنانون يعملون على ملء الفراغ الناتج عن غياب التصوير الهادف للسكان الأصليين في الثقافة الأميركية، مثل أير، أحد منظمي "المهرجان السينمائي لإعادة تقديم بوكاهنتس". كما أخبرتني منظمة أخرى للمهرجان، هي الممثلة وصانعة الأفلام جورجينا لايتنغ، إحدى أفراد شعوب الكري الأصليين، أنها لم تشاهد خلال طفولتها كلها تقريبا، أي تجسيد للسكان الأصليين يصلح ليكون مثلا أعلى لها، لا في السينما ولا في التلفاز، حيث يقدمون دوما في ثياب من الجلود والريش. ويعتبر فيلمها، الذي أنتج عام 2008، تحت اسم "أقدم من أميركا"21، وتناولت فيه موروث المدارس الداخلية في مجتمعات السكان الأصليين، أحد الأمثلة القوية على السرد القصصي للفنانين الأصليين، بما فيها فيلم الدراما الملحمية، المنتج عام 2001، صاحب النجاح النقدي والتجاري، "أتانارغوات: العداء السريع"، والفيلم الوثائقي "ريل إنغون"، الصادر عام 2009، لصانع الأفلام نيل دياموند، أحد أبناء شعوب الكري الأصليين.

 

فيلم إشارات الدخان 1998 (أمازون)

 

يمكن للمهرجانات المشابهة لـ"مهرجان إعادة تقديم بوكاهانتس"، فعل الكثير لمحاربة الخفاء النسبي للشعوب الأصلية، في مواجهة التقاعس الهوليوودي. وسيعرض "المهرجان السينمائي لإعادة تقديم بوكاهانتس" مشاريع أفلام قصيرة وطويلة، فضلا عن الأفلام الوثائقية، لتنضم بذلك حلقة جديدة إلى سلسلة من المجهودات السابقة، مثل "مهرجان سان فرانسيسكو السينمائي للأفلام الأميركية الهندية"؛ وجدير بالذكر أن المهرجان الأول سيتخذ من مدينة ريتشموند، بفرجينيا، مكانا له، قرب مسقط رأس بوكاهانتس. سيكون ذلك الحدث، مثلما أخبرني زعيم قبيلة بامونكي، فرصة فريدة لصانعي الأفلام ذوي الأصول المحلية، "لسرد قصتنا" على العالم. وبالنسبة إلى أير، الذي يستخدم فريق عمل وممثلين من السكان الأصليين بالكامل، مثلما فعل في إشارات دخان22 (1998)، وجلود23 (2002)، فقد أخبرني أنه يأمل أن تساعد الأعمال المعروضة في المهرجان على كسر احتكار هوليوود الحالي لتصوير الأميركيين الأصليين. أما عن لايتنغ، فقالت إنها تريد للمهرجان أن يصير "أوسكار الشعوب الأصلية".

 

في هذه الأثناء، على الناحية الأخرى من الأطلسي، في المدينة الإنجليزية التي تضم جثمانها، يحتفل ببوكاهانتس بطريقة شديدة الاختلاف. تستضيف مدينة غريفسيند، خلال عام 2017، سلسلة من الفعاليات التي تؤطر قصة بوكاهانتس على ضوء رومانسية ديزني. "كانت بوكاهانتس امرأة شابة استثنائية، سافرت في قارب صغير، عبر بحر تضربه العواصف، لتثبت كيف أننا، رغم الاختلافات، نستطيع العيش، والعمل، والتكيف، متخذين السلام هدفا، عبر التوحد معا"، هكذا قال جوردان ميادي24، عضو مجلس بلدية غريفشام. لكن وسائل إعلام الأميركيين الأصليين، انتقدت25 هذا الاحتفال، لمواصلته الترويج لأكاذيب تاريخية. والحقيقة أن استمرار هذا الانقسام الصارخ، رغم مرور 400 عام، يرجح وجود مهام يتوجب القيام بها أولا، قبل أن تواصل بوكاهانتس تواجدها باعتبارها الرمز الأكثر شهرة في تاريخ الأميركيين الأصليين، دون أن يلزم من ذلك كونها الأكثر تعرضا لسوء الفهم.

===========================================

المقال مترجم عن: هذا الرابط 

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك