اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/6 الساعة 14:46 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/12 هـ

انضم إلينا
"لا تطفئ الشمس".. عن الفارق بين المسلسل والرواية

"لا تطفئ الشمس".. عن الفارق بين المسلسل والرواية

محمد المصري

محرر فن
  • ض
  • ض
لماذا يتحمس واحد من أنجح المؤلفين خلال السنوات الأخيرة مثل تامر حبيب لتبني رواية كلاسيكية كتبها إحسان عبد القدوس في نهاية الخمسينيات ليقتبسها في مسلسل تلفزيوني عام 2017؟ خصوصا حين تكون الرواية ذات أبعاد قومية وسياسية مرتبطة بوقت كتابتها؟ الإجابة البديهية الأولى والواضحة هي أن عالم شخصيات الرواية وأزماتهم هي البيئة الخصبة التي يحبها المؤلف تامر حبيب منذ أول أفلامه "سهر الليالي" ومرورا بكل الأعمال التي قدمها بعد ذلك مثل "حب البنات" و"عن العشق والهوى"، وحتى في مسلسلاته السابقة -التمصيرية لمسلسلات أجنبية- "طريقي" و"جراند أوتيل"، فدائما هناك الانشغال بالعلاقات العاطفية بين رجل وامرأة، وتناولها كمحور أساسي تدور حوله الحياة. وفي رواية "لا تطفئ الشمس" -التي صدرت في 1350 صفحة!- هناك 6 شخصيات بـ6 عوالم وعلاقات عاطفية كاملة، فما الذي سيريده أكثر من ذلك؟

 
يرى تامر حبيب أن التعاون بينه كمؤلف وبين إحدى روايات إحسان عبد القدوس كان سيحدث آجلا أو عاجلا، "فمنذ بدايتي والجمهور يقارن بيننا بسبب اهتمامنا بالعلاقات العاطفية"، قبل أن يشير إلى أن السؤال الحقيقي الذي شغله عند استقراره على رواية "لا تطفئ الشمس" هو الكيفية التي يمكن نقل الأحداث بها لعالمنا الحالي؟ "ما هو الفارق بين 1959 وبين 2017؟ كيف ستتصرف الشخصيات في عالم أكثر واقعية وأقل رومانسية مما كان عليه من قبل؟(1) ومن تلك النقطة تبدأ عشرات التفاصيل في التغير بين العالم الروائي الذي بناه "عبد القدوس" وبين النسخة التلفزيونية التي كتبها "حبيب" وأخرجها محمد شاكر خضير. وفي هذا التقرير نتناول أهم الاختلافات والفوارق المؤثرة في العالمين.

  

نصف أول ينتمي لعالم "عبد القدوس"
 
خلال النصف الأول من المسلسل، تتشابه الأحداث بنسبة كبيرة مع عالم الرواية، بينما تكون الإضافة في جانبين، الأول منهما هو توسيع عالم "لا تطفئ الشمس" ليحمل في بعض جوانبه عوالم وروايات أخرى من أدب "عبد القدوس"، والتفصيلة الأبرز هي تغيير أسماء كل شخصيات العائلة في الرواية إلى أسماء تبدأ بحرف "الألف": "إقبال، آية، إنجي، آدم... إلخ"، وذلك بهدف صنع مقاربة مع رواية "إمبراطورية ميم" لتصبح العائلة هنا "إمبراطورية ألف"، ويتجاوز تامر حبيب التشابه الشكلي في الأسماء، ويذهب لأمر أبعد له علاقة بشخصية الأم التي تكون هنا أقرب لشخصية "منى" في "إمبراطورية ميم" منها إلى "عنايات" في "لا تطفئ الشمس"، حيث السيدة الجميلة التي لا تزال مهتمة بحياتها ومظهرها وتحتفظ برونقها، وتعيش هي الأخرى قصة مع حب شبابها الذي يعود بعد وفاة زوجها، ويمتد الأمر إلى قرارها في النهاية بالزواج منه، على عكس روايتي "عبد القدوس" اللتين ترفض الأم فيهما -بقرار محافظ- أن تتزوج من تحب من أجل رعاية أبنائها.

 
الاستعانة الأخرى بأدب "عبد القدوس" لتكوين شخصية رئيسة تكون من "دمي ودموعي وابتساماتي"، وهي القصة التي كتبها للسينما أولا في فيلم يحمل نفس الاسم وعرض عام 1973، ثم قدمها في مجموعة قصصية مع 3 حكايات أخرى عام 1974، وحاول فيها أن يجرب عكس الأمر، فبدلا من رواية تتحول إلى فيلم فهنا فيلم يتحول إلى أدب. ويستعين "حبيب" بالعمل لتكوين شخصية وعالم "إنجي"، حيث ينتهي تماما من خطوط شخصيتها في الرواية (تسمى نبيلة في الأصل الأدبي) في الحلقات الخمس الأولى، وبدلا من انتصار الرواية لعلاقتها مع زميلها "محمود" الأفقر كثيرا منها (وهو انتصار يحدث في عصر دولة يوليو والشعارات الاشتراكية وذوبان الطبقات)(2) فإن العلاقة هنا تنتهي لأكثر من سبب على رأسها تلك الفوارق الاجتماعية، لتقبل بعدها الزواج من "يوسف" الذي يحاول استغلالها لتسهيل جوانب تخص حياته العملية مع رجل أعمال غني، في خط قصصي مشابه جدا لـ"دمي ودموعي وابتساماتي".

 
خلاف ذلك، فإن شخصيات العمل تحمل نفس الصفات والعالم في الرواية، والإضافة الحقيقية تكون في التفاصيل، ومحاولة صنع صورة أكثر عمقا (أو معاصرة) من الكتابة الكلاسيكية لـ"عبد القدوس"، فآدم هنا (الأخ الأصغر ممدوح في الرواية) أكثر إدراكا لما يريده، يعمل سائقا في "أوبر" و"دي جي" في الأفراح و"ستاند أب كوميدي" لبعض العروض، ويسعى للارتباط من حبيبته (وهي شخصية جديدة تم إضافتها بشكل جيد) رغم الفوارق الاجتماعية. و"أحمد" لا يكون نموذجا متسلطا للأخ الأكبر (ينادونه "أبيه أحمد" في الرواية) بقدر ما يدور الأمر أكثر عن ارتباكه وعدم معرفته بنفسه وحبه لشخصية "شهيرة" (الموجودة بكل تفاصيلها كما هي)، وكذلك الأخت الصغرى "آية" (ليلى في الرواية) التي تحتفظ بأغلب تفاصيل حكايتها من العلاقة مع أستاذها الموسيقار التي تتوقف بسبب زوجته ثم تستمر في السر عند زواجها من آخر.
   

 
وبخلاف شخصية "الأم" و"إنجي" فإن التغيرات المتعلقة بالخيوط الدرامية الأخرى طفيفة وتناسب أكثر العصر الحالي، مثل تحويل المشكلة بين الأخت الصغرى وزوجها من عنفه وحدته معها وعدم حبها له إلى مشكلة أجرأ لها علاقة بميوله الجنسية، أو تعميق شخصية الأخت الكبرى "أفنان" لتصبح فاعلة وشريرة في بعض الأحيان حين يمس أحد كرامتها، أو إضافة شخصية المربية بسيمة وعائلة الخال وهي إضافات لا تغير كثيرا في مسار الرواية طوال الـ15 حلقة الأولى، والتي كانت اقتباسا رصينا وبسيطا ومقبولا جدا للأصل.

 

مقاطعة الرواية في النصف الثاني وفجوة حذف الجزء السياسي
في الرواية والمسلسل، تكون نقطة التحول المحورية هي وفاة الأخ الأصغر، ولكن مع فارق كبير، حيث يقرر تامر حبيب إعادته للحياة في معالجته التلفزيونية! منذ تلك اللحظة (الحلقة السادسة عشر) ينقطع تقريبا أي خط رابط بين رواية إحسان عبد القدوس وبين العمل، تحديدا مع حذف كل ما يخص الحرب.

 
"كان منطلقا بخياله وراء المعركة التي اشترك فيها، المعركة التي قادها، هل صحيح أنه استطاع أن يقود معركة؟ أن يقتل؟ وأن ينتصر على دورية فرنسية تفوقهم عددا وسلاحا؟ نعم.. لقد استطاع أن يقود معركة.. أي نوع من المعارك، ولكنه لم يكن يدري أنه يستطيع، وأحس كأن في داخله إنسانا آخر ينظر له بدهشة وإعجاب، لم يكن يحس بالغرور، ولكنه كان يحس بالدهشة، كأنه اكتشف نفسه، اكتشف الشيء الذي كان يحاول أن يكتشفه طوال حياته، الشيء الذي كان يرى بريقه ولا يدري أين هو من نفسه، ولا ما هي طبيعته، كأنه جوهرة ثمينة في منجم عميق مظلم، لقد حفرت المعركة في المنجم المظلم إلى أن وصلت إلى الشيء الذي يبرق"(3)
 
على الأغلب فإن المشكلة التي واجهها "حبيب" هي أن أن كل تتابعات النهاية في النصف الثاني من رواية "عبد القدوس" ترتبط بعصرها، "لا تطفئ الشمس" هو اسم مرتبط أصلا بالاشتراكية والثورة التي لن تنهيهما الحرب والعدوان، والحدث المحوري الذي يغير شخصية "أحمد" -بعد مروره بمرحلة ترنح قصيرة نتيجة لوفاة أخيه وقناعته أنه السبب في ذلك- هو تطوعه للقتال في حرب 1956، وتغير شخصيته بناء على ذلك، كما يظهر من الفقرة السابقة، بل ومقابلته لمحمود حبيب أخته الفقير بعد "أن ساوت الحرب بينهما" (تبعا لتعبير عبد القدوس) وعودته به من أجل أن يتزوجها، وعلى هذا المنوال ترتبط كل الحلول بالبعد السياسي والقومي والحربي الذي حذفه تامر حبيب بالكامل بسبب نقل الحكاية للعالم المعاصر، وعدم رغبته أبدا في إدخال أبعاد سياسية في حكاياته العاطفية، ولكن ماذا كان البديل عن ذلك؟
 

  
الحقيقة أن "حبيب" لم يمتلك أي بديل إلا الكثير من المط والتطويل خلال النصف الثاني من أحداث المسلسل، تحولت الصدمة التي عانى منها "أحمد" وتعافى منها سريعا في الرواية إلى الأمر المحوري الذي ظل يحرك الشخصية والأحداث لـ15 حلقة كاملة! لا تغيرات أو تحولات أو تأثيرات، فقط الكثير من مشاهد الضياع (المقدمة بصورة باهتة وقديمة) التي استمرت حتى آخر حلقتين. كذلك شخصية الأخ الأصغر، فبعد عودته من الموت (انتحار زائف في المسلسل) تتغير روح الشخصية تماما، حتى أن أداء الممثل أحمد مالك (الرائع جدا في النصف الأول) يصيبه الكثير من البهتان نتيجة لانعدام الدراما والاكتفاء فقط بمشكلاته مع زوجته وافتعال علاقة أخرى غريبة يدخل فيها.

 

الأخت الكبرى تظل في دوامة مكررة من ترك خطيبها ثم العودة إليه -في مَط جديد لما يحدث في الرواية-، والأخت الصغرى تنفصل عن أستاذها الموسيقار بعد رحيل زوجته (بشكل مشابه للرواية) وبعد ذلك تظل لحلقات طويلة دون دراما أو أحداث، الأم تتزوج حبيبها وتختفي تقريبا بعد أن كانت دراما الرواية وخاتمتها هي الصراع ثم القرار بعدم الزواج. الشخصية الوحيدة التي احتفظت ببعض الأحداث (وليس بالضرورة قوية ولكن على الأقل هناك شيء يحدث) هي شخصية "إنجي" وعلاقتها بزوجها والرجل الآخر الذي يحبها.
 
حذف مقتطع كامل ومحوري -بل وربما يكون الجزء الأهم لكاتبها- من أحداث رواية "عبد القدوس" لم يوازه أبدا تخطيط جيد لمسار الدراما وبناء الأحداث، ليعاني المسلسل من فراغ واضح وانعدام مطلق للحلول الدرامية من أجل تسيير الحلقات، ويسير الأمر بمنطق التعبئة من أجل إنهاء 30 حلقة، للدرجة التي وصلت فيها المدة الزمنية لبعض حلقات العمل إلى 15 دقيقة فقط! قبل أن تستمر المعاناة في الحلقتين الأخيرتين التي قرر فيهما المؤلف فجأة حل كل المشكلات والوصول لنقطة مرضية تصلح لغلق الأقواس، وفي الوقت الذي كانت أحداث الحرب والاقتتال والجندي الذي يكتشف نفسه في المعركة و"بروباجندا الشعارات الاشتراكية" هي حل "عبد القدوس" لتجميع شتات الشخصيات والعوالم وصولا لنهاية يجتمع فيها كل أفراد الأسرة بمنزل العائلة في سعادة، فإن "حبيب" يجعل الشخصيات تقرر دون مقدمات أن تتغير وتتحسن وفي ظرف حلقتين فقط ليصل إلى نفس النهاية ولكن عن طريق درامي أضعف كثيرا، وبعد مجهود كبير بذله في النصف الأول يضيع كل شيء في النصف الثاني.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك