اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/21 الساعة 18:07 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/29 هـ

انضم إلينا
لماذا نحب الحوارات الطويلة في "صراع العروش"؟

لماذا نحب الحوارات الطويلة في "صراع العروش"؟

محمد المصري

محرر فن
  • ض
  • ض

في بعضِ كُتب السيناريو/الإخراج، الأقدم منها تحديدا، يتم التقليل دائما من شأنِ الحوار باعتباره "عنصرا غير سينمائي"، "ينتمي لفنونٍ أخرى"، "الوسيلة الأسهل للتعبير"... إلخ. ويرجع هذا التصور لأسبابٍ كثيرة، من ضمنها أن بداية السينما/الفن البصري المتحرك، كانت صامتة، وبالتالي مرّ صُناعها وآبَاؤها القدامى (مثل باستر كيتون وجون فورد وسيرجي آيزنشتاين وغيرهم) بحالة غضب عارمة ضد دخول الصوت إلى الأفلام عام 1927(1)، وأصبحوا في بحث دائم عن "النقاء الوسيطي"(2) كما تسميه الباحثة سارة كوزلوف، وخوفهم من أن يتحوّل الفن الوليد إلى "مسرح مُعلب" يتمحور حول "حوار بين شخصين في غرفة".

 

تغيّر الأمر قليلا لاحقا، مع تطور السينما، وبعض الفلاسفة والمنظرين الذين اعتبروا الحوار جزءًا من "لغة الفيلم"، وفي كتابه الذي يحمل الاسم نفسه، يشير الكاتب الفرنسي كريستيان ميتز إلى أن "التفاعل بين سياق النص وسياق الصورة يُعطي السينما تركيبتها المميزة"(3).


الحديث السابق عن "الأفلام" وعلاقة الصورة بالحوار، يمكن أن ينطبق تماما على المسلسلات الأحدث؛ ففي الوقتِ الحالي، تذوبُ الفوارق (أكثر من أي مرحلة سابقة) بين السينما والتلفزيون، مستوى وجودة وشكل وإنتاج الحلقات أصبح مُقارِبًا جدًّا للسينما، رموز كبرى من أجيال مختلفة مثل ديفيد لينش، مارتن سكورسيزي، ديفيد فينشر ووصولا إلى ريان جونسون، يأتون إلى التلفزيون حاملين أفكارًا عظيمةً، حتى التصوير نفسه حدث على خام سينما 35 مم في مسلسل "التحول للسوء" (Breaking Bad)، أو تبلُغ تكلفة الحلقة الواحدة 10 ملايين دولار، كما يحدث مع "صراع العروش" (Game of Thrones)؛ الذي يُعرض الجزء السابع منه حاليا.

 

 

في هذا الموسم، يتكرر مرة أخرى أمرا معتادا من المواسِم الأسبق، وهو أن تكون عدد المشاهد الأكثر تأثيرا وجودة وشعبية هي في حقيقتها عبارة عن حوار طويل جدا بين شخصين في غرفة، ومع ذلك يكون ذلك أكثر درامية وتأثيرا وجذبا في أحيانٍ كثيرة من لحظات المعارك والحرب ذاتها، وتكون اللحظة المهمة هي الجمل الأخيرة لـ أولينا تايريل -على سبيل المثال- وليس معركة اقتحام "كاستلي روك" أو الـ"هاي-جاردن". وبالمثلِ: حوارات بين "فاريس" و"دانيريس" حول احتمالية ولائه، أو بين "دانيريس" و"جون سنو" بالإرث الذي يحمله كل منهم لـ 6 مواسم كاملة، هذه المشاهد (وعشرات مثلها في المواسم الأسبق) هي جانب أساسي من ثِقل المسلسل. وفي هذا التقرير نسكتشف كيفية تحوِّل "حوار بين شخصين في غرفة" إلى مشهد فِيلمي (له بداية- وسط- نهاية)؛ يحمل كل تلك التقلبات/الحركة/الدراما، وأحيانا الملحمية.

  

العاطفة نحو الشخصيات
في "فيديو مقالي" أصدره محلل الأفلام "سيدج جاردن" على صفحته "جَسْت رايت" (Just Write) في موقع "يوتيوب"، ربط بين الشهرة العريضة التي حصل عليها الكاتب "جورج آر مارتن" وسلسلة رواياته "أغنية الجليد والنار"، ثم المسلسل المأخوذ عنها "صراع العروش"، إلى أنه يعتمد وبشكلٍ بالغ على خلق "التعاطف" مع الشخصيات، "بالتأكيد هو ليس واحدًا من أنجح الكُتاب في عالمنا المعاصر لأنه يقتل الشخصيات فجأة، ولكن بالأحرى لأنه يجعلنا نتعاطف معها"(4). يمكن مَد نظرية "جاردن" إلى نقطة أكثر اتساعا، لها علاقة بأننا "نحمل مشاعر قوية" تجاه أغلب شخصيات المسلسل، إذ أننا نحب ونكره ونحتقر، وغيرها من المشاعر الواضحة جدا، وبالتالي فمُنجز "مارتن" الأكبر هو في شخصياته و"تعلقنا" بها، والذي يتفرع منه اهتمامنا بالمعارك، المنتصرين والمهزومين، من سيحارب الـ"وايت ووكرز" أو من سيجلس على "العرش الحديدي"، ومن هنا أيضا يأتي اهتمامنا بالحوار؛ طاقات الجذب المُتنحارة التي نفهم "منطق" كلٍ منها، وطرفين في صراع ننحاز -غالبا- إلى أحدهما، وأحيانا يتراواح الانحياز بينهما.
 

إن عدد المَشاهد الأكثر تأثيرا وَجودةً وشعبية عبارة عن حوار طويل جدا بين شخصين في غرفة، ويكون أكثر تأثيرا وجذبا في أحيانٍ كثيرة من لحظات المعارك والحرب

آي إم دي بي
  
المشهد الحواري الطويل بين جون سنو ودينيريس تارجريان، في الحلقة الثالثة، يستغرق على الشاشة 10 دقائق و15 ثانية كاملين، ورغم وجود أشخاص آخرين، ولكنهم فقط شخصيات مساندة في تطوير "حوار بين شخصين". يتأسس الحوار تبعاً لـ 8 حركات قصيرة/8 تغيُّرات في المسار، كأنه فيلم بالفعل، كل حركة تشهد تجاذبا وتعميقا للمكان الذي يقف فيه كل منهما. مِحور المشهد الرئيسي هو جملة "دينيريس" (التي تحوّلت إلى "إيفيه" إلكتروني من فرط تكرارها) وهي (Bend the Knee)، كل شيء في المشهد هو عن "الولاء"، بالنسبة لـ دينيريس فهي منذ اللحظة الأولى تُحاول التصرُّف كـ"ملكة"؛ طريقة تقديمها بصفاتها الكثيرة، حديثها عن قوتها (هل رأيت التنانين الثلاثة وجيوش الدوثراكي؟)، انزعاجها من تعامله معها بندية (إنه يدعوني بالطفلة!)، وبالتالي فـ"ركوع جون" هي النقطة المحورية بالنسبة لها في تلك الصلة مع "ملك الشمال"، لا شيء غير الولاء يؤكد لها أنها "الملكة".


في المقابل، يأتي جون بشيءٍ مختلف، "خطر أكبر منّا جميعا"، الركوع والولاء لـ دينيريس ليس فقط خيانة للشمال، ولكن أيضا تشتيتا عن المقصد الأساسي الذي جاء لأجله: جيش الموتى؛ لذلك، فالشدُ والجذب حول تلك النقطة هو في حقيقته حول كل شيء آخر، كأنها لعبة "شطرنج" لكل منهم خطوته المقنعة: في الحركة الثالثة -بعد حركة تعارف أولى، وحركة ثانية فيها مَقصد المشهد كله عن "اركع على ركبتك- تعترف دينريس بأن "أباها كان شريرا" (وبالتالي أنا لست كذلك ويمكن أن تمنحني ولاءك)، في الحركة الرابعة يقول لها جون "أنتِ تحتاجين مساعدتي كما أحتاج مساعدتك لأن العدو أكبر مني ومنك ومن سيرسي" (وبالتالي لن أركع ويجب أن تسمعيني)، في الخامسة تكون "دينريس" مُسْتَفَزّة وغاضبة بمسحة من غرور القوة والسلطة فتتحدث عن أنه حدث لي كذا وكذا ولا أؤمن إلا في نفسي (وبالتالي لا أصدقك ويجب أن تعلن ولاءك غير المشروط)، في السادسة يتدخل سير دافوس (ناطقا بلسان جون سنو) موضحا عن أننا "سنموت لو لم نتحد" (وبالتالي يجب أن تستمعي لجون وللخطِر القادم)، في الحركة السابعة يتدخل تيريون (بلسان دينيريس) عن أن "الركوع لن يأخذ وقتا" فيرد جون بما يعتبر ذروة المشهد: "لماذا أفعل ذلك؟"، "لماذا أصدقها؟"، قبل أن تصل دينريس بعد ذلك للحركة الأخيرة وإغلاق قوس المشهد نحو مرحلة جديدة من علاقتهما: بما إنك لن تركع للملكة فأنت في تمرد مفتوح.


مشهد طويل ومثالي بالنسبة للقاءٍ أول بين شخصين لا يعرفان بعضهما ويتناحران بموقفين مختلفين تماما، مشهد "شطرنجي" بـ 8 حركات تتغير فيه "مواضع القوى" طول الوقت، والنقطة الأهم، ربما، هو استغلال المشهد، لأن المُشاهد "يعرف أكثر مما تعرف الشخصيات الأخرى"، نحن من رأينا مع "جون" الوايت ووكرز، ونحن من شاهدناه يحارب في "هاردهوم"، ويُقتل من أجل التوحد ضد الخطر الأكبر. وبالتالي ففي ذلك المشهد نحن "نتعاطف" معه، ننحاز له تماما. وإن كنا في المقابل نتفهم "دينريس" كذلك لأننا أيضا مَن تابع رحلة النضج العنيفة في 6 مواسم سابقة، ولكن هذا لا يغيِّر من أن "جون سنو" هو حليفنا في تلك الحرب الصغيرة التي دارت داخل الغرفة في 10 دقائق و15 ثانية.

  

  

أمر شبيه، بالحركات المتتابعة، وتغير المنطق، يحدث في افتتاحية الحلقة الثانية؛ حوار طويل بين "دينريس" و"لورد فاريس"، جوهره الرئيسي أيضا هو الولاء: لماذا أصدق ولاءك لي؟ "أي نوع من الخَدم أنت؟"، في ذلك المشهد تكون لـ"دينيريس" الغلبة في البداية، تأخذ حركاتها (لو أكملنا في فرضية لعبة الشطرنج) وراء بعضها: أنت خنت أبي، وانقلبت على روبرت، وكنت تسعى لتتويج أخي (الضعيف القاسي)، والآن أنا، وصولا إلى جوهر المشهد: "لماذا أصدق ولاءك لي؟"، ثم ينتقل الثقل لـ"فاريس"، ينقل حركاته المتتابعة في مونولوج طويل (وفعال جدا رغم أنه مباشر قليلا) عن نشأته وطفولته ونوعية الملوك الذين حكموا المملكة وصولا إلى أنه "اختار دينيريس لأنها لا تشببهم" وسيسعى لأن تجلس على العرش الحديدي. هذا الحوار يملك الفاعيلة نفسها بسبب "تغير مراكزِ الثقل" بامتداده، قوة المنطق في الجانبين، و(الإعجاب) الذي نملكه نحو الشخصيات (فاريس تحديدا لأنه محور المشهد) يجعل (التناحر الحواري) أكثر فاعلية بكثير.

 

من الأقوى فعلا؟
في أوقات أخرى، تُبنى المشاهد الحوارية بطريقة مختلفة، يكون ثقلها الرئيسي أن مَن يملك القوة فعلا هو من يكون ضعيفا في تلك اللحظة، والضعيف يصبح في لحظة واحدة هو المُتسيّد للمشهد/الحوار ويملك قدرة ما على قَلب الطاولة. يمكن أن نذكر في هذا السياق مشهد "محاكمة تيريون" العظيم في الموسم الرابع؛ "جيمي" و"كاتلين" في الموسم الثاني، آريا وجاكين هاجار في الموسم السادس. وفي هذا الموسم، هناك المشهد الحواري الطويل بين أولينا تايريل وجيمي لانستر في نهاية الحلقة الثالثة؛ وهو -على الأغلب- أفضل مشاهد الموسم -حتى الآن- بعد "حقل النار".
 

  

يبدأ المشهد من لحظة هزيمة ساحقة لـ"أولينا تايريل"، لا يوجد شيء باقٍ، الحفيدة والعائلة وحياتها، إنها في النقطة الأسوأ على الإطلاق، واللقطة بالأعلى مثالية تماما للتعبير عن ذلك: المساحات حولها، وجودها في النقطة المظلمة، انحناءة رأسها الخفيفة، يكون ذلك قبل دخول "جيمي لانستر".


يستغرق المشهد مع جيمي 5 دقائق و12 ثانية، أول جملة فيها هو تأكيد منطوق على تلك الهزيمة: (It's Over).. "والآن ستهطِل الأمطار في قاعتنا" (في إشارة لـ (Rains of Castamere 5) أغنية عائلة اللانستيرز. وبعد إعلان الهزيمة هذه، يتحول المشهد بالكامل إلى محاولة سيدة قوية مثل أولينا تايريل توجيه -ولو ضربة أخيرة- لأعدائها، وبما أنها لا تملك في تلك اللحظة غير "عقلها ولسانها"، فهما ما ستسخدمها. تحتفظ بكبرياءٍ كامل طول المشهد، تسأل جيمي "هل قاتلنا بشرف؟"، وحين يخبرها "دائماً تأتي الدروس من الفشل" تجيب -بذكاء وقوة- "لابد أنك حكيم جدا الآن"، تسأله عن سيف جوفري وتخبره أنه "كان قذرا جدا"، تتحكم -رغم موقفها الأضعف- في حركة الحوار، حتى وهي تتراوح بين لحظات القوة السابقة وبين لحظة إعلان هزيمة أخرى عن أن كل ما أرادت هو حماية عائلتها ولكن فشلها الأكبر ضد سيرسي "الفشل في التخيل"، قبل أن تعود لموقع القوة وتسأل جيمي (سؤالا ثالثا): "إنها وحش.. هل تعرف ذلك؟".


في تلك اللحظة، تحاول السيطرة من جديد، أن تتحرك -رغم كونها الطرف الأضعف- من موقع قوة، وحين يجيبها جيمي بأنها "ستنتصر وتبني عالما مُسالما"، تنظر له "أولينا" وتبدأ ضربتيها الأخيرتين، الأولى حين تسأل (سؤالا رابعا): "أنتَ تحبها؟" وتكمل "أنت أحمق، ستكون نهايتك"، يمكن ملاحظة توتر جيمي الشديد مع سيران الحوار في تلك اللحظة، لتضغط عليه "أولينا" أكثر: "الأمر خرج عن سيطرتك".. "إنها مرض، أكره دوري في نشر هذا المرض، وكذلك أنت". عظمة المشهد في أن الشخص المسيطر/الذي انتصر لتوه وامتلك القلعة/الذي يملك سيفا وقدرة على قتلها حالا.. هو في الحقيقة الطرف الأضعف وسط هيمنة كاملة -ومنطقية- من "أولينا"، التي تتلاعب بهواجس "جيمي" (التي رأيناها في آخر لقطة له في الحلقة الأخيرة من الموسم السادس مثلا) اتجاه "سيرسي"، التي "أحرقت المدينة" مثل كابوسه الأعظم، لذلك فهو ينهي الحوار، يخبرها "أننا انتهينا، هذا كافٍ".


يضع "جيمي" السم في الكوب، تسأله "أولينا" السؤال الوحيد المهم بالنسبة لموتها ولحظة كبرياءها الأخيرة: "هل سيكون مؤلما؟"، الجمل الحوارية هنا تأتي بالشكل الوحيد المناسب واللحظة الأدق على الإطلاق، يجيب "جيمي" أن ذلك لن يحدث، تمسك الكوب وتشربه مرة واحدة، قبل أن تقرر أن توجه سهمها الأخير: "أكره أن أموت مثل ابنك، ممسكة برقبتي، والرغوة والعصارة تخرج من فمي، والعيون تزرق والجلد يتقرح للأرجواني، لا بد أن ذلك كان مخيفا بالنسبة لك، كحارس الملك ووالده، كان مريعا بما يكفي لي، كان مشهدا صادما"، خلال ذلك تكون ملامح جيمي أكثر عاطفة عند الحديث عن "جرح جيوفري" والأمور مهيأة لأولينا كي تخبره: "لم يكن كما أردته تماما" (صدمة على وجه جيمي إزاء الاعتراف بقتل ابنه) "كما ترى، لم أرَ طريقة عمل سم من قبل" (ملامح جيمي غاضبة وعينه دامعة) "اخبر سيرسي، أريدها أن تعرف أنني الفاعلة".

 

"صراع العروش" ليس مسلسل معارك وحروب وتنانين وجيوش موتى، بقدر ما يكون ثقله الأكبر فعلا في حوار "شخصين داخل غرفة"

آي إم دي بي
  

مع الجملة الأخيرة، "أريدها أن تعرف أنني الفاعلة"، وهي آخر جملة في المشهد كذلك، يحدث تنَاقلًا بين وجه "أولينا" (القوي الحاد والعين التي لا ترمش) ووجه جيمي (المهتز الغاضب الدامع)، قبل أن يحدث قَطعا للقطة واسعة لكليهما، لقطة بليغة جدا وتختصر كل شيء عن المشهد وجودة بنائه: جيمي واقف وأولينا تجلس.. هو المُسطير الذي يملك السيف وانتصر في المعركة وهي المهزومة التي فقدت كل شيء، ولكن كيف هي نظرات الأعين؟ أولينا تنظر له مباشرةً بينما هو نظرته لأسفل. وبالتالي: من الشخص المنتصر ومن المهزوم في تلك اللحظة؟ هنا تكمن عظمة وقوة المشهد، وخياراته الإخراجية الفعَّالة جدا. ومن هنا أيضا التأكيد على أن "صراع العروش" ليس مسلسل معارك وحروب وتنانين وجيوش موتى، بقدر ما يكون ثقله الأكبر فعلا في حوار "شخصين داخل غرفة".

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك