اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/4 الساعة 15:09 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/13 هـ

انضم إلينا
"عالم الغرب".. عصر الروبوتات الواعية والإنسان التائه

"عالم الغرب".. عصر الروبوتات الواعية والإنسان التائه

حمزة عامر

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

مسلسل عالم الغرب (Westworld) هو مسلسل من إنتاج شبكة إتش بي أو، بدأ عرضه في 2016، ولاقى المسلسل صدىً ونجاحا كبيرين. المسلسل عن فكرة جوناثان نولان وليزا جوي، وهو مستوحى من فيلم يحمل نفس العنوان صدر عام 1973. يتناول الفيلم أفكار الهوية والوعي بالذات والعواطف من خلال تصويرها في مجموعة من الروبوتات التي تحاول القيام بثورة لاكتساب استقلالها الذاتي.

 

نص التقرير

(الغريب/المثير للتوجس)* هو مصطلح نألفه جميعا، ولكننا ربما يشوب فهمنا لمعنى هذه الكلمة بعضٌ من الغلط. في العادة، عندما نلمس تشابها بين شيءٍ وشيء آخر أو شخصٍ مع شيءٍ أو شخصٍ آخر، فنقول إن التشابه بينهما مثير للتوجس، وخصوصا إذا ما كان هناك شخصٌ ما يحاول تقليد شخصٍ آخر. وعلى عديد الأوجه، يعدّ استخدامها في هذا السياق استخداما دقيقا، ولكنها، في هذه الحالة، تحمل معنىً إيجابيا.

 

وربما قد تستخدم الكلمة أيضا، وينطبق هذا بصورة أكبر في اللغة الإنجليزية، للتعبير عن الدهشة. ولكن إذا كان الأمر مثيرا للتوجس حقا، فهو ينطوي على بعض الجوانب المقلِقة.

 

تناول العديد مفهوم "المثير للتوجس" على مرّ السنين، ولكن الكلمة أصبحت في دائرة التداول بعدما عنوَنها إيرنست جينتش في مقالته "في فلسفة المثير للتوجس"، ومن ثم جاء بعده سيغموند فرويد في مقالته "المثير للتوجس". وتدلّل الكلمة على وصفِ شيءٍ مألوف إلا أنه لا يتماهى بالكلية مع الشيء ذاته.

 

وتعود أصول الكلمة إلى المفردة الأنجلوسكسكونية (ken) -لا تزال الكلمة تستخدم في اللهجات الإسكتلندية- والتي تعني "الفهم أو المعرفة"، وبهذا تكون (uncanny)، وهي الكلمة نفسها، الشيء الذي لا يقع ضمن دائرة الفهم. فبإيجاز، تعني الكلمة أيَّ شيءٍ لا نستطيع فهمه.

 

النفور الذي نَشعر به إزاء كلّ ما هو مثير للتوجس هو جزءٌ من وعينا بما يحيط بنا في هذا العالم، وهو جزءٌ من إدراكنا، ذات الشيء الذي يشكّل كينونتنا (مواقع التواصل)

 

كلنا نلمس مفهوم المثير للتوجس عندما يخالجنا شعور أن شيئا أو شخصا يضمر أمرًا غير سليم. فقد أقرّ الناس بشعورهم بهذا الأمر عندما يكونون في حضرة المختلين نفسيا الذين يتصرفون على نحوٍ مقبولٍ اجتماعيا، ولكن غرائز هؤلاء تخبرهم بأن ما يرونه أمامهم من سلوكٍ مقبول هو مجرّد ادعاء. فهذا التضارب غير مريح، وهذا يتسق أيضا مع فكرةٍ تقضي بأن حسّنا بالمثير للتوجس قد تطوَر لمساعدتنا على تجنب مخاطر تلك الأشياء التي نشعر بأنها "ليست على سويةٍ سليمة"، بما في ذلك اختيار رفيقٍ أفضل. وحاجَّ البعض بأن هذا أيضا يرتبط بتأنفنا من رؤية الجثث -شيءٌ له منظر الآدمي ولكن لا روح فيه.

 

هذا شعورٌ نتلمسّه كلنا، بغض النظر عن كيفية نشأته أو سببه: شعور الافتتان الذي يشوبه الإحساس بالحذر. والنفور الذي نَشعر به إزاء كلّ ما هو مثير للتوجس هو جزءٌ من وعينا بما يحيط بنا في هذا العالم، وهو جزءٌ من إدراكنا، ذات الشيء الذي يشكّل كينونتنا. وبكلمات الفيلسوف هيجل، فإن المثير للتوجس هو تحطم أو ضبابية الخطوط بين ذواتنا والآخر، بَين ما نفهمه وما لا نفهمه.

 

وعلى جميع اِتساقاته التطورية، يطرح "مفهوم التوجس" أسئلةً صعبة، فهذا الموضوع يُبرزُ جانبا غير مريح ومخزٍ للغاية من السلوك البشري: كيف نَقوم غالبا بصد بعض من يقعون ضمن دائرة ما نراه نحن "مثيرا للتوجس". فغالبا ما نتعامل بشيءٍ من الإقصائية أو الاستعلائية مع الذين يعانون من إعاقاتٍ نفسيةٍ أو جسدية، أو كيف ننظر لنفس هذه الفئة من الناس بدهشةٍ وقحة.

 

وعلى سبيل المثال، ينزع المصابين بالتوحد إلى تعلم أنماطٍ سلوكية يستخدمونها ربما في الوقت غير المناسب -وتُعدّ غير صحيحةٍ بالمفهوم العام-، وقد تجعل البعض يشعر بشيءٍ من عدم الراحة. أرى هذا الأمر في ابن أخي الذي يعاني من مرض طيف التوحد، والذي وعلى نحوٍ يثير الدهشة، يقوم بمعانقة أيّ شخصٍ يقابله. ويمكن أيضا أن نفسّر العنصرية، إلى حدٍّ ما، بهذا الشعور، فأنت ترى شخصا آخر، ولكن طابع حديثه يختلف عمّا تعرفه، وترى عليه معالمَ غير مألوفةً لك، وسرعان ما تجد أنك أقمت حاجزا غير مريح، ولكنه مستأنَس، بينك وبينه، ولربما يُصيّر ذلك الحاجز شعورَ عدم ثقة أو كراهية.

 

ثقافة "الغريب"

يُعدُّ أشهر وصفٍ لهذه الظاهرة في العصر الحديث ما يُطلق عليه "وادي الغريب". استقيَ هذا المصطلح من رسمٍ بياني رسمه عَالم الروبوتيكس ماساهيرو موري في السبعينيات لتفسير الشعور الغريب، الذي يعرف تقنيا باسم "التأنف"، والذي يتملّك الناس بصورةٍ متزايدة -ضِمن حدودٍ معيّنة- حيث نشعر بنفورٍ متنامٍ كلما أصبح منظر الروبوت أكثر تمايزا أو أقرب إلى منظر مخلوقٍ آدمي.

 

 "uncanny valley" "وادي الغريب" (مواقع التواصل)

 

فنحن نتقبّل منظر الروبوت أو شخصية الأنميشن إذا ما كان منظرهم يتمايزُ بصورةٍ واضحة عن صورة الإنسان، وإن كان من الواضح أنهم ليسوا بشرا، ولكن كلما زادت واقعية الشخصية، يصبح تقبلنا، وحبّنا للآلة، أقلّ بصورةٍ مضطردة.. ونلاحظ أن القطع الذي يمثّل هذا النوع من إثارة التوجس أقرب إلى شكل وادي في الرسم الذي يقارب بين التشابه الآدمي والتقبل.

 

يستخدم مفهوم إثارة التوجس كثيرا في الأعمال الروائية، سواء الأدبية منها أو السينمائية، وغالبا، وبصورةٍ خاصة، في لون أفلام الرعب، وعلى وجه التحديد أولئك الذين نصفهم بأنهم "غرباء الأطوار" أو "مروّعون". فلك أن تتذكّر كل القتلة الذين يرتدون أقنعةً، أو الذين تختبئ وجوههم خلف شعرهم، أو الأطفال الذين لهم سلوكٌ غير مفهوم أو النساء معقوفات الظهر، أو اللواتي يتحركّن بطريقةٍ مستفزة، والتحديق المطول غير المريح، وهلم جرا.

 

فكل هذه أمثلةُ رائعةٌ على (إثارة التوجس/ الغرابة)؛ شيءٌ فيه بعضٌ من آدمية، أو أنشأه إِنسان، ولكن من الواضح أنه ليس سويا. وتتلمّس وجود هذا بصورةٍ خاصة في أفلام الرعب اليابانية، فمن المثير للاهتمام الانتشار المستشري  للتوجس في الثقافة اليابانية، واستخدامها في التقاليد هناك، فقد ترى العين الغربية استخدامهم الأقنعة في بعض الرقصات الطقوسية الدينية أو المسرح غريبا تماما، وكذلك الأمر لمكياج الجيشا (نوع من أنواع الفن التقليدي في اليابان).

 

من المثير للاهتمام أيضا أنك تتلمّس أن تأثيرات الرعب في أفلام الرعب اليابانية تكون أشد هزالةً وأقل إخافةً عندما تترجَم إلى أعمالٍ موجّهةٍ للجمهور الغربي، وذلك عادةً لأن الريميك (العمل المعاد تصنيعه) قد فقد الحسّ الغريب الذي ارتَكز عليه العمل الأصلي.

 

وبحسّهم الأكثر تطورا لما هو مثير للتوجس، نجح صناع الأفلام اليابانيون في خلق ارتباطٍ أعمق بكثير عبر أعمالهم الفنية: فَتوظيفهم للانفصام والتَأنف يجعل ارتباطهم وقربهم من العالم الحقيقي محسوسا بصورةٍ أكبر.

 

إذا ما كنت تريد أن ترى ردة فعل الناس على شيءٍ مثير للتوجس، فكلّ ما عليك هو أن ترتدي قناعا يحمل شيئا من معالم آدمية ومن ثم حاول أن تجتمع بهم في مواقف يومية. وستتَفاجأ بِردود الفعل الغربية التي سيَستثيرها هذا الموقف، خصوصا إن كنت ترتدي قناع كاجورا الياباني، والذي يعد مثيرا للتوجس في ذاته.

 

هل تصدّق؟

كان في مسلسل شبكة (إتش بي أو) الرائع، "عالم الغرب"، أحد الأمثلة الجيدة في الآونة الأخيرة على التوجس، حيث أن المسلسل على الغالب كان على درايةٍ بالمعنى السيكولوجي الحقيقي الكامن في فكرة التوجس.

 

 

لقد كان "عالم الغرب" في الأصل كتابا قبل أن يتحوّل إلى فيلمٍ كتبه وأخرجه الراحل مايكل كرَيتشون عام 1973. يروي الفيلم قصة متنزّهٍ تقطنه الروبوتات، ولكن تبزغ ميولٌ دموية في هذه الروبوتات. نرى في الفيلم يول برينر يلعب دور روبوتٍ قاتل يسقط وجهه في النهاية، ليكشف لنا، على نحوٍ مروّع، عما يكمن في أعماق هذا الروبوت. (وبالتأكيد لم تكن مصادفةً أن مقالة ريتشاردت وموري بعنوان "وادي الغريب" قد نُشرت في العقد نفسه).

 

أما المسلسل التلفزيوني الجديد فهو يبدأ من سيناريو الروبوتات القاتلة، ولكنه يوظّفه كنقطة انطلاق ليتناول سؤالا أكثر عمقا: ما الذي يجعل منّا بشرا؟ ولنا أن نعدّ هذا السؤال سؤالا فلسفيا تجريديا، ولكن المسلسل يُضفي على هذا السؤال عمقا أكثر واقعية وقربا من خلال المقارنة والمباينة بين الآدميين والروبوتات الذي يُسميهم "مُضيفون". وبين المفارقة بين البشر والمضيفين يكمن أحد جوانب ما يجعلنا بشرا. كما أن لنا أيضا أن نتناول مفهوم التوجس عبر هذه الفكرة.

 

يقدم مسلسل "عالم الغرب" أداءاتٍ ممتازة، وعلى وجه التحديد الممثّلون الذين أدّوا أدوار الروبوتات، فَالتفاصيل الدقيقة في تجسيد هذه "الفروق البسيطة" هي ما تخلق في صدر المشاهد هذا الإدراك غير المريح باختلاف المضيفين عن البشر. ولكن تكمن الصدمة الأكبر تكون عندما يهدم المسلسل هذا الإدراك ليترك المشاهد في حيرةٍ لا يعرف فيها الحد الفاصل بين الآدمي وغير الآدمي.

 

لم أرَ أن المشاهد الأكثر رعبا واضطرابا بالنسبة لي كمُشاهد هي المشاهد الدموية أو العَنيفة، بل كانت المشاهد التي نرى فيها أحد المضيفين وقد أصابه عطلٌ ما وتراه مسجى على الأرض يرتعش، ويحدّق، ومن ثم يتوّقف فجأة تماما عن الحركة، أو تراه يصرخ دون أن يعتلي وجهه أية تعابير. إن المشاهد التي تبعث على القشعريرة لا حصر لها في هذا المسلسل.

 

كان مسلسل "عالم الغرب" دقيقا في مقاربته لما هو أنفسنا وليس أنفسنا في نفس الوقت، ليتركنا غارقين في أفكارنا التي تشكّل مَلكة تقبّلنا لما هو حقيقي أو حتى آدمي

مواقع التواصل

أكثرُ ما يجعل سريتنا تضطرب، في حالة أفلام الرعب، هي فكرة بأن الاحتمالات التي قدّمها العمل قد تصبح واقعا في عالمنا، وربما، ونحن الآن في عصر تطوّر فيه الذكاء الاصطناعي والروبوتات، أصبح هذا ذا صلةٍ وثيقةٍ بالواقع أكثر من أيّ وقتٍ مضى. ولهذا السبب بالذات كان مسلسل "عالم الغرب" دقيقا في مقاربته لما هو أنفسنا وليس أنفسنا في نفس الوقت، ليتركنا غارقين في أفكارنا التي تشكّل مَلكة تقبّلنا لما هو حقيقي أو حتى آدمي. يوبّخ مالك المتنزّه -أنثوني هوبكنز- الطاقم المسؤول عن بناء المضيفين وإصلاحهم على تغطية المضيفين بأغطيةٍ قماشية، وربما كان هذا من باب الحشمة، ولكن هل المقصود هنا هو احتشام الروبوتات أم اِحتشامنا نحن في ضوء عدم راحتنا عند نظرنا إلى منظر الآدمي العاري؟

 

هناك اقتباسٌ من روميو وجولييت تسمعه أكثر من مرة في المسلسل "هذه اللذات الشديدة ستكون لها نهايةٌ قاسية". وقد يكون من المثير للاهتمام أن فَريار لورنس، وفي نفس الخطاب، يكمل حديثه متطرّقا إلى التوجس "أعذب أنواع العسل -لا تطاق لذتها- ومذاقها يحيّر شهية الجائع".

 

انعكاسات غريبة

يستخدم التوجس خطا عريضا، مرساما يشكّل واقعنا وفهمنا لهذا العالم، ولكنه لا يلائم هذا الشكل، ولهذا كان غريبا ومشوِّشا لأذهاننا. والتَأنف هو رد فعلنا. لقد علّمنا التاريخ بأن نخاف ما لا نفهمه، ولكن، إن كان لي أن أقول، لكي نحوز على فهمٍ أفضل لذواتنا، علينا أن نتقبّل ونَدرس ما نعدّه نشازا بصورةٍ أفضل. فعلى سبيل المثال، يخبرك علماء علم النفس أن أفضل طريقةٍ لدراسة العقل الإنساني الطبيعي وفهمه هي دراسة علم النفس اللاقياسي.

 

يشقّ الروبوتات في هذا المسلسل طريقهم نحو مملكة الوعي بالذات، ولكن البشر أنفسهم لا يعرفون إلى اليوم ما هو الوعي بالذات. وربما يكون جزءٌ من سعينا إلى فهم ذلك هو ما أسماه دِيفد تشالمرز بـ "المشكلة الصعبة": كيف يمكن أن يكون هناك تجربةٌ ذاتية؟ ولكن خطوتنا الأولى نحو فهم ذواتنا هي مواجهة الخوف القابع والكَامن فينا ورفضنا لما لا نفهمه - رفضنا وخوفنا من الغريب. وربما تكون هذه هي أصعب مشكلةٍ على الإطلاق.

 

حتى الآن، نحن لا نعرف فعلا ماهيتنا، ولكننا نعرف بالتأكيد ما هو ليس من ماهيتنا.

 

===========================================

 *المصطلح الإنجليزي هو (Uncanny) وتعني حرفيا خارق للطبيعة أو غريب.

مترجم عن: "فيلوسوفي ناو"

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك