هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"يوم الدين".. هل يوجد بهذه الحياة أشخاص طيبون حقا؟

"يوم الدين".. هل يوجد بهذه الحياة أشخاص طيبون حقا؟

رامي عبد الرازق

ناقد سينمائي
  • ض
  • ض

 

من بين أربعة أفلام عربية شاركت في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة لمهرجان الجونة السينمائي (20-28 سبتمبر/أيلول) يأتي الفيلم المصري "يوم الدين" للمخرج الشاب أبو بكر شوقي ممثلا للمشاركة المصرية ضمن فعاليات المسابقة التي ضمّت خمسة عشر فيلما من أكثر من عشرين دولة.

      

سبقت "يوم الدين" سمعة دولية براقة، على اعتبار أنه جاء مباشرة إلى مهرجان الجونة كعرض مصري وعربي أول، عقب مشاركته قبل شهور قليلة في التنافس على السعفة الذهبية في الدورة الأخيرة من مهرجان كان -والعمل الأول الوحيد في تلك المسابقة الأكثر شهرة في العالم-، هذه السمعة رفعت كثيرا من سقف التوقعات الخاص بتلقي الفيلم، وجعلت من مشاهدته عملية تنقيبية عن العناصر التي أهلته للقفز فوق جدران "الكروازيت" العالية، بينما تناسى المنقبون عن المزايا أن الفيلم في النهاية هو تجربة جمالية لمخرجه، وأنه مثل كل الأعمال الأولى يحتوي على مساحات مكشوفة للعين المجردة من نقص الخبرة وضعف القدرة الإيهامية في العديد من المواضع السردية وسياقات الحكي.

 

ثلاث طبقات من العالم

تأتي اللقطة الأولى في أي سياق سردي ناضج تحمل جينات الحكاية الأساسية التي سوف يقدمها الفيلم، بل والخلايا الجذعية التي يمكن التوقف أمامها في أي لحظة خلال حركة الصورة والدراما فنجدها متطابقة مع الفكرة العامة ومعبرة عنها في الوقت نفسه.

    

أبو بكر شوقي (مواقع التواصل)

  

يفتتح المخرج فيلمه بلقطة واسعة لساحة من ساحات فرز القمامة بلا أي بشر، يتركنا ثواني لنتأمل في هذه الساحة الثابتة أمامنا والمكتظة بفضلات العالم وبقاياه، نحن إذن أمام لحظة ديستوبيا جلية، كأنه يقول لنا نحن فيما بعد العالم، بعد النهاية، بعد أن ذهب البشر وتركوا فقط فضلاتهم وقمامتهم، ثم في اللقطات التالية نتعرف على واحد من الذين تبقوا بعد أن انتهى العالم، في أول لقاء بصري معه نشعر أنه إحدى ضحايا الحرب النووية أو الكيميائية التي أفنت الجنس البشري، وتركت لنا القمامة، ثم تدريجيا نكتشف أنه شخص مصاب بالجذام وأن أطرافه المتآكلة وملامحه ذات الجلد الذائب هي هويته الشكلية التي لا تعكس بالضرورة ملامحه الداخلية التي تتسم بقدر هائل من الطيبة والتسامح والرغبة في الشعور بأنه ليس منبوذا أو منقطع الصلة عن جذوره الإنسانية مثل أي شخص عادي.

 

يحمل "يوم الدين" بصمة مثيولوجية واضحة ذات عناصر تراثية واضحة، ربما أبرزها فكرة الرحلة إلى العالم الآخر التي يقوم بها البطل بصحبة صديق أو دليل انطلاقا من أزمة شخصية أو عاطفية أو عائلية، وفي هذه الرحلة يعيد البطل اكتشاف ذاته والعالم اللذين في لحظة وجوده يتطابقان وينعكسان على وجدان وعقل المتلقي، فيتوحّد مع البطل وتصبح همومهم أثناء الرحلة ووصولا إلى ذورتها هموما مشتركة أو واحدة.

 

ينطلق بشاي في رحلة إلى العالم السفلي نزولا من مستعمرة الجذام التي قضى بها ثلثي عمره لكي يبحث عن والده الذي تهوم في رأسه ذكرى تخص تركه إياه على باب المستعمرة قبل سنوات، تقع المستعمرة في جبل بعيد بينما يهبط بشاي مثل قائد مهزوم على عربته الكارو المتآكلة التي هي التطور الحداثي للعربة الحربية المثيولوجية الشهيرة، وذلك بعد أن يتعرض لمأساة عائلية تخص فقدانه لزوجته وانقطاع آخر أمل له في أن يمتد نسله أو يحمل أحدهم اسمه بدلا من أن يمشي إلى النسيان.

   

  

يتأكد عنصر الرحلة إلى العالم السفلي عندما يستوقفه أحد زملائه في المستعمرة ويرسم له المسار الذي عليه اتباعه على الأرض، ويقول له إن عليك الوصول إلى النيل ثم النزول جنوبا بمحاذاته حتى تصل إلى قريتك في أقصى الصعيد، هنا يبدو الحوار تأكيدا على فكرة النزول من الجبل نحو العالم التحتي رغم أن الصعيد جغرافيا أكثر ارتفاعا من الوجه البحري والقاهرة، ولكن القيمة الإيهامية بفكرة النزول إلى أسفل تتجلى في إشارة الصديق إلى فكرة النزول جنوبا.

 

لدينا إذن تمهيد جيد خلال الفصل الأول من الفيلم يخص طبيعة الأنواع التي اختارها المخرج لكي تصبغ الحكاية باللون الأكثر تعبيرا عن الفكرة، ففي مستوى من المستويات لدينا مشهد القمامة الافتتاحي الذي سوف تتحول معه الفضلات والأطلال وأكوام (الزبالة) موتيفة سردية وبصرية مهمة جدا لضمان استمرار شعور المتلقي أننا أمام عالم منتهٍ.

 

ولدينا المستوى المثيولوجي الذي يخص فكرة الرحلة بحثا عن هدف أو وصولا إلى شخص من أجل تحقيق غرض، وبالطبع فإن فكرة البحث عن الأب عبر رحلة متقلبة السياقات بكل ما تحمله شخصية الأب من دلالات فلسفية ومعنوية ومادية هي واحدة من أشهر رحلات البحث في تاريخ الفن والأدب -ويكفينا مثالا رواية "الطريق" لنجيب محفوظ-، وهناك أيضا ذلك المستوى من الميلودراما الاجتماعية التي ترتبط بالإشارة إلى طبيعة الوعي الجمعي والضمير العام للمجتمع المصري في مواجهة الآخر المختلف أيا كان هذا الاختلاف.

 

ولأن بشاي مختلف شكليا -ناهينا طبعا بأنه مختلف في الدين عن الأغلبية ومختلف في الحالة المادية عن الكثيرين- فإن صدامه مع المشهد الجمعي للمجتمع المصري عبر رحلته جنوبا -نحو الجذور- له الكثير من دلالات النقد الاجتماعي الواضحة خاصة في مشاهد السباحة في النيل مع رفيق رحلته الطفل اليتيم أوباما ونفور النساء اللائي يملأن المياه منه وخوفهم من نقله العدوى لهم، مرورا بدخوله إلى المستوصف بعد إصابه أوباما ثم القبض عليه وهو يجري عاريا في الشارع كي يحضر نقود العلاج وصولا إلى محاولة سرقته من قبل أحد قطاع الطرق أو طرده بعنف من القطار الذي يحمله نحو مصب رحلته الأخير عند قدمي الأب.

 

أوباما.. الطبقة الرابعة 

  

ومثل كل الرحلات الملحمية يقتني البطل صديقا أو رفيق درب أو دليلا يعينه على فهم إشارات الرحلة والسعي نحو استخلاص خبراتها، هنا يأتي دور أوباما الصغير، الطفل اليتيم الذي يقيم في ملجأ مجاور للمستعمرة والذي تربطه ببشاي علاقة صداقة أقرب للأبوة المتبادلة. وهي علاقة جمالية شديدة الحساسية والصعوبة في صياغتها، لأنها تحمل مشاعر ذات سهم برأسين، ففي ظاهرها تبدو العلاقة أبوية بالأساس ما بين بشاي الذي يبلغ من العمر أربعين عاما -وهو سن النبوة في التراث الإسلامي بالمناسبة- وبين أوباما اليتيم النوبي -وهي إشارة إلى اختلافه العرقي واللوني تضاف إلى اختلافات بشاي في الشكل والدين أيضا عن الغالبية- ولكن خلال سياقات الرحلة التي تتحرك ما بين كل وسائل المواصلات تقريبا (بداية من العربة الكارو مرورا بالسيارة والموتوسيكل والقارب والقطار).

 

تتبدل الأدوار بينهم فيُضفي أوباما قدرا من الأبوية والرعاية على بشاي، بل ويتحول حسب عناصر المثيولوجيا اليونانية إلى ما يُعرف بالمنتور أو الدليل الروحي والمادي للبطل الذي يقوده عبر تهويمات الرحلة والشكوك الكثيرة في جدواها أو الخوف من مشهدها الأخير.

 

إن العلاقة بين بشاي وأوباما هي الطبقة الرابعة أو المستوى الرابع من الفيلم فيما يخص النوع الإنساني، بل إن هذه العلاقة هي الداعم الأساسي من دعائم التعبير عن الفكرة الأساسية القائمة على سؤال مفتوح حول علاقتنا مع العالم والآخر المختلف ونظرتنا نحو المستقبل حتى لو كنا نعيش أحداث النهاية أو وسط ركام الحياة التي لم يبق منها سوى صناديق القمامة الملطخة بكفوف دموية كثيرة كما في اللقطة الأكثر قوة وتكثيفا وتعبيرا عن مستويات الفيلم مجتمعة، وهي اللقطة التي يجلس فيها بشاي في الشارع منهكا من قسوة الرحلة مستندا بظهره إلى صندوق حديدي ضخم للقمامة ملطخ بالكفوف الدموية، بينما أوباما الصغير ينام أرضا واضعا رأسه على ساق بشاي، والعالم أو ما تبقى منه يمرق سريعا من حولهم متمثلا في السيارات والمواصلات الكثيرة التي تفرز عليهم غبارا أصفر كئيبا، هذه اللقطة لم تكن لتعطي كل دلالاتها الكثيفة لولا التمهيد البصري والدرامي الذي صاغه الفيلم بداية من اللقطة الأولى ومرورا بكل اللقطات التي احتوت على أكوام القمامة والركام والفضلات عبر طرق متعرجة أو بجانب شريط القطار في مناطق مهجورة أو في خلفية محطات القطار الشبحية التي يبدو أن القطارات لم تعد تمر عليها.

   

وتكتمل دلالة وكثافة تلك اللقطة عندما تصل إلى ذروتها حين يمر عليهم الشحاذ مقطوع القدمين ليصطحبهم معه لكي يقضوا الليلة في واحدة من بؤر تجمع الكائنات التي تشبههم أسفل أحد الكباري.

  

كائنات أسفل "الكباري"

 

حين ينوي بشاي القيام بالرحلة، وكما في كل البدايات الشهيرة، يظهر له من يحاول تثبيط عزمه عن المضي، يقول له أحد زملائه إن العالم في الخارج قاسٍ وغير محتمل وأن من يعيشون فيه أقرب للوحوش، وأن مصيره لن يكون العثور على الأب ولكن العثور عليه هو نفسه ميتا وجثته ملقاة أسفل أحد الكباري.

 

من مزايا الحكاية في "يوم الدين" قدرتها على الإتيان بالموتيفة التراثية أو الاجتماعية وتوظيفها داخل سياق الفيلم دون افتعال، وهي إشارة تنم عن موهبة الصانع، ولكن من عيوب الأسلوبية لنفس هذا الصانع والتي لم تدعمها الخبرات أو استشارة من لديهم التراكم الشعوري والمعرفي هو الخوف من أن تصبح الصورة قصيرة اليد على مستوى التعبير، فيقرر أن يمد أقدام الحوار الطويلة في وجه المتلقي دون أن يدرك أن في هذا إساءة لوعي المشهد وذكائه وقدرته على فهم العمل من ناحية، وفي الوقت نفسه يعكس هذا غياب الثقة في القدرة على التعبير البصري عبر عناصر السينما الأساسية التي يأتي الحوار في ذيل الأهمية بالنسبة لها.

 

يلتقي بشاي خلال رحلته بعدد من الشخصيات المصابة باختلاف شكلي أو نوعي، وتتجلى تلك المجموعة الأهم من الشخصيات في تلك الجماعة الغريبة التي تقيم أسفل أحد الكباري والتي تضم قزما أسود ونصف رجل (بلا ساقين) وآخر مكسور الرقبة، هذه الجماعة هي تجسيد بصري رائع -خاصة مع زاوية التصوير السفلية التي نرى منها الكوبري شاهق الارتفاع بعيدا فوق رؤوسهم- لعنصر كائنات ما بعد نهاية العالم والتي نجت بأرواحها ولكن تشوهت أشكالها نتيجة قسوة ما حدث.

 

وفي الوقت نفسه هي تمجيد للأرواح الطيبة التي تسكن في أشكال تراها العين العادية منفرة ومشوهة بينما هي أكثر أصالة وتسامحا وتقبلا للآخر من كل الآخرين الذين يملكون أشكالا سوية وعادية ومتينة المنظر لكن أرواحهم تحتوي على خبث الدنيا وحقارة العالم.

    

  

الملاحظ في "يوم الدين" أن أغلب الشخصيات السوية والعادية شكليا هي الشخصيات التي تفرز قسوة ونفورا، بينما كل الشخصيات ذات الأشكال الغريبة الأقرب في نظر العاديين إلى المسوخ هم أطيب القلوب وأكثر النفوس شفافية، وهو عنصر درامي وبصري مقصود ومهم. وتأخذنا هذه الإشارة إلى الوقوف عند مشكلات التجربة الأولى والتي أشرنا إليها في بداية حديثنا، والتي يمكن تلخيصها في نقاط سريعة أبرزها:

 

- غياب الثقة في الصورة السينمائية بشكل يدفع المخرج إلى تفتيت فكرته حواريا من أجل شرحها للجمهور، وبالتالي الخوض غير الناضج في أرض المباشرة البور التي لا تشرق عليها شمس التأويلات المفتوحة، هذا الغياب يتجلى واضحا في مشهد اجتماع كائنات أسفل الكوبري الذي يرتكب فيه كاتب الحوار خطيئة كبرى وهي الزج باسم الفيلم في "الديالوج" رغم أن مصطلح "يوم الدين" ليس مصطلحا شائعا في اللهجة المصرية (عادة ما يستخدم المصريون تعبير يوم القيامة أو الآخرة)، كما أن شرح مغزى المشهد وأن مجموعة أسفل الكوبري هي من المنبوذين -وهو تعبير مثقف جدا بالنسبة لقزم شارع- تنضم أيضا إلى عملية الشرح الحواري المفسد للصورة، وتأتي الطامة الحوارية الكبرى في "مونولوج" الأب الأخير الذي جاء مفسدا بشدة لشريط الصورة المصاحب له، والذي كان كافيا جدا للتعبير عن لحظة التنوير الخاصة بنهاية رحلة بشاي ووصولها إلى ذروتها، لكن حديث الأب عن أصل قراره التخلي عن بشاي صغيرا جاء أشبه بتقديم كبسولة تعليمية لمن فاته الشرح البصري.

   

- إفساد الإيهام -وليس كسره- عبر غياب التدقيق في عناصر مثل اللهجات المختلفة -الصعيدي بشكل محدد لأن البطل من أصل صعيدي-، فعدم التدقيق في اللهجة يفسد على المتلقي عملية الإقناع والتوحد مع الحكاية، ويضاف إلى هذا أن الكثير من جمل الحوار جاءت غير متقنة فيما يخص مخيلة الشخصيات الناطقة بها، كأن تقول فلاحة على النيل لبشاي: "اخرج من الماء كي لا (تلوثه)"، وهو لسان كاتب الحوار وليس مخيلة الشخصية التي لا تعرف بحكم خلفيتها ما هو التلوث ولكن ثمة مصطلحات أخرى كان يمكن أن تعبر عن مخيلتها.

 

- غياب السلاسة الحوارية بشكل يوحي أن الحوار مكتوب بلغة أخرى غير المصرية ثم تمت ترجمته، وهو ما يضر كثيرا بإيقاع المشهد العام وانسيابية اللحظات الشعورية في عملية أشبه بالسير على طريق تحده الأشجار لكنه غير ممهد مما يفسد متعة التأمل.

   

  

أخيرا، يمكن القول إن "يوم الدين" فيلم يستحق نوعا من المشاهدة المتجردة من الأغراض الخاصة، مثل الاتهامات بأنه يشوه صورة المجتمع المصري وما إلى ذلك من تفاهات التلقي الأخرق لتجربة مهمة، فقليل جدا من الأفلام المصرية التي قدمت خلال العقود الأخيرة عبر سياق رحلة الطريق الملحمية ذات الأغراض التأملية والذروة المتفائلة البراقة.

 

فنهاية الفيلم تُوحي بأن الحياة يمكن أن لا تتوقف حتى بعد نهاية العالم نفسه، لسبب بسيط وهو أن وجود أرواح قليلة طيبة كفيل بأن يعيد ترميم الزمن والعالم، وأنه مهما حاوطنا نفور الآخرين وغياب الضمير الجمعي بسبب التردي الحضاري والإنساني فإن هذا لا يعني موت الوجود البشري، ولكن سوف يظل هناك من يريد للحياة أن تستمر بصورة طيبة وعادية حتى لو لم يكن محسوبا من ضمن هؤلاء العاديين.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار