اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/18 الساعة 12:20 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/29 هـ

انضم إلينا
مارك شجال.. التحليق بالحب بعيدا عن الهولوكوست

مارك شجال.. التحليق بالحب بعيدا عن الهولوكوست

هند مسعد

محررة فنية
  • ض
  • ض

"شعرت فجأة كما لوّ أننا نُقلع. أنت أيضًا كنت تقف على ساقٍ واحدة، وأصبحت الغرفة صغيرة لم قادرة على احتوائنا. كُنّا نرتفع حتى السقف. وأصبح رأسي أسفل رأسك مُباشرة، حلقنا فوق حقول من الزهور، ومنازل مُغلقة وسقوف وساحات وكنائس، فوق المدينَة."[1]

(بيللا شجال)


"فوق المدينة" للرسَّام الروسي مارك شجال. حبيبان يطيران فوق مدينة فيتيبسك في روسيا. الرجل يضُم المرأة إليه فيما مدت هي ذراعها لتستقبل العالم. معظم المُحبين في لوحات شجال في وضع الطيران، ترتفع أجسامهم عن الأرض ولوّ قليلًا، وتميل في اِنسيابيّة تامة. وكأنَّ قواهم خارت تمامًا أمام الحب.

   
الحُبّ هو اللون الأساسيّ الذي تبدأ مِنه كُلّ لوحاتي."[2]

- (مارك شجال)

   
ولد الرسّام الروسي - الفرنسي مارك شجال في 6 (يوليو/تمّوز) 1887، وتوفي في 28 (مارس/آذار) 1985، وهو من أصول يهودية في مدينة ليزونا في إقليم فيتسبكأوبلاست شمالي روسيا البيضاء. كان والده تاجر رنجة وأمه تعمل في محل بقالة وهو الأخ الأكبر لتسعة أطفال غيره.[3] في روسيا في تلك الفترة، لم يكن مسموحا لليهود لا بالالتحاق بالمدارس ولا الجامعات، وعليه، تلقى مارك الصغير تعليمه الابتدائي في مدرسة محلية لليهود، لكن حين بلوغه الثالثة عشر، عرضت أمه رشوة على أحد مديري المدارس الثانوية لقبوله مُستمعًا في المدرسة.[4]

  
كانت المدرسة نقطة انطلاق شجال كرسّام حين لاحظ زميلا له يرسم رسمة بسيطة بالأبيض والأسود وأعجبته لدرجة أنه سأل زميله كيف تعلم الرسم. نصحه زميله بارتياد المكتبة والبدء في شَفّ الرسومات من الكتب، بالفعل، بدأ شجال بنقل الرسومات من الكتب ثم الرسم من خياله ثم قرر أن يصير رسَّامًا.[5]

   


      

عام 1906، التحق شجال بإحدى دورات الرسم في مدينته لتعلم الرسم بشكل أفضل لكن مع الوقت اكتشف أنه لا يستسيغ الرسم الأكاديمي وأنه يبحث عما وراء الواقع الحاضر المرئي. يبحث عن فانتازيا وخيال غير مقيد بشرط.[6] في نفس العام، انتقل شجال إلى سان بطرسبرج التي كانت عاصمة روسيا في ذاك الوقت. وقد استطاع الالتحاق بإحدي مدارس الرسم المُتخصصة، (Léon Bakst at the Zvantseva School of Drawing and Painting)، والتطوير من مهاراته ومتابعة شغفه ونهمه بالرسم.[7] في عام 1910، انتقل شجال إلى باريس، والتي كانت تعوم أواسطها الفنية بالكامل في بحور التكعيبية في تلك الفترة. إلا أن شجال قدم للأواسط الباريسية ولعالم الفن التشكيلي ككل هديته الفنية البسيطة: لوحات فانتازيا شعرية.[8]

      
وهو ما جعل أعماله الفنية محط إطراء من الشعراء والأدباء أكثر من التشكيلين أنفسهم. فاللوحات كانت تحمل استعارات وكنايات ومجازات شعرية عالية معظمها أقرب لحدوتة شعرية قصصية. وفي الوقت الذي كانت تُركّز فيه التكعيبية على الشكل الرياضي لعناصر اللوحة، حتى نرى الشيء من عدة زوايا من النظرة الواحدة، ركزت أعمال شجال التي اعتبرت مدرسة رمزية مستقلة على المحتوى السردي الخيالي الفيّاض وليس بالزوايا الهندسية البحتة للعناصر.

     
ومع ذلك، كان شجال سعيدًا بتنفس هواء باريس الفني. وسعد بصحبة العديدين مِن رسّاميها العظام أمثال: كلود مونيه وإدوارد مانيه وفان جوخ ورينوار وغيرهم. إلا أن اشتياقه لبيلا خطيبته من مدينته الأم جعل هواء فيتسبك أروح لنفسه من هواء باريس فعاد لوطنه في 1914.[9] استمرت حياة شجال على هذا الحال بين باريس وفيتسبك. وقد كان التواجد بين البلدين ذي فائدة كبيرة له حيث نقل طبيعة حياة اليهود في وطنه للأواسط الفنية في باريس كما استطاع خلق سوق جيد يبيع فيه لوحاته.

     

عوالم خيالية بأبسط الألوان
"لقد كان شجال فريدًا في إعطاء انطباع بحركة مُتفجرة باستخدام أبسط الألوان وطوال حياته خلق عوالم نابضة بالحياة من وحي خياله."[10]

- (ريموند كونيات)

   
يرى العديد من النُقّاد، أن لوحات شجال طوال حياته ركزت على المحتوى السردي الخيالي القوي مقابل الالتزام بعدد قليل من الألوان في التعبير عن كافة خيوط وعناصر تلك الحكايات وهو ما كان يُحسب إحدى سمات تفرد شجال. والأمر لا يتوقف عند الألوان والمحتوى السردي فقط. بل أن شجال أيضًا لم ينجرف لأي مدارس تشكيلية معاصرة له ومهيمنة على الأواسط الفنية في باريس بقدر ما كانت خصوصية تجربته كرسام يهودي روسي يهوى الخيال ويهرب به من شبح الواقع هي العامل المهيمن.[11]

   
فنحن نرى أن لوحاته الدينية، بخاصة تلك التي تتناول طبيعة حياة اليهود في بيلاروس / روسيا البيضاء ذات طابع ميلو - درامي حزين. فيما ظهرت مجمل أعماله عن الأحبّة والحب ذي محتوى جنسي إيروتيكي وطابع خيالي قوي. وهو ما أعطى انطباعًا قويًّا أن شجال كان يستخدم الحب ليحلق بعيدا عن شتات اليهود ومحرقتهم. الحب في لوحاته ذو مفعول سحري قوي وقدرة هائلة على انتشال أي شخص من أي حماقات أرضية نحو أفق غيبية سماوية.

  


   

اعتمد شجال في أسلوبه على طيف واسع من مدارس الفن التشكيلي الحديث. لذلك، يستشكل على النُقّاد جعله تابعًا لأي مِن تلك المدارس بشكل كامل. فقد حملت لوحاته طابع رمزي وسريالي مع لمسات تكعيبية وانطباعيّة وأحيانًا تعبيرية، كما صُنفت بعض أعماله على أنها انطباعيّة وبعضها مفاهيميّة والآخر توضيحية (Illustration).

  


   

شكلت الهوية اليهودية لشجال مبحثا مهما ظهر في عدد ضخم من لوحاته، ويمكن وصف الكثير من لوحاته بأنها محاولة للتوفيق بين التقاليد اليهودية القديمة وأساليب الفن الحداثي. وبالرغم مِن أن الميثولوجيا ككل كان لها نصيبا قيما من أعماله، إلا أن محتوى الفانتازيا والرمزية السردي ظل العامل المُسيطر عليه.

    
وقد كانت السردية في اللوحات الدينية يُقابلها سردية أدبية في لوحات الحب وغذاها حُب شجال السرمدي لبيللا شجال حبيبته من وطنه الأم والتي كانت بمثابة مصدر إلهام استلهم منها عدد ضخم من لوحاته الإيروتيكية.

  

   
لذللك، ظلّ تأثير مارك شجال شاسعا على عدد ضخم من اللاحقين له. مرد ذلك أنه لم يلتزم بمدرسة تشكيلية بعينها وطاف بين عدد من المدارس، سريالية - تكعيبية - رمزية - تعبيرية - انطباعية، وقد أضاف لها هو تجربته الجمالية المُتفردّة الخاصة. تلك التجربة هي الهوية اليهودية والنزعة الفلكلورية وخيالات الفانتازيا مع جعله أقرب لساحر مِنه لرسام. أحبّه يتعانقون ويطيرون، حيوانات ترمز لإيروتيكية جنسية أحيانًا ونزعات بشرية أحيانا أخرى. 

    

شجال، مثله مثل عمالقة عصره: بيكاسو ودالي وغيرهم، كان حاله متُفردة ليس فقط في لوحاته بل في كافة أعماله الفنية التي شملت: النحت والخزف وتصميم الأزياء الفلكلورية الرسم على السيراميك والزجاج. فنان يمتطي لوحاته وكأنها سجادة سحرية ويحلق بعيدًا عن حروب عالمية وهولوكوست وشتات يهودي.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار