اغلاق
آخر تحديث: 2017/2/21 الساعة 16:32 (مكة المكرمة) الموافق 1438/5/25 هـ

انضم إلينا
فيرمير.. شاعر الحياة الهادئة

فيرمير.. شاعر الحياة الهادئة

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض

 

يُعرف "يوهانِس فيرمير" (1632-1675) بأعماله التي تصور مشاهد شديدة الجمال والشاعرية للحظات الحياة اليومية البسيطة، في احتفاء نادر بالهدوء والسكينة والبطء، وبالضوء...  لقد أسماه النقاد (سيد الضوء) بلا منازع، لشدة رهافة ما خطته فرشاته في مديح غير مسبوق لجزالة وجمالية إيقاعات الضوء التي أسدلها على الشخصيات والأسطح.

 

لقد كان "فيرمير" يرسم ببطء شديد، ودقة بالغة نفس الأشياء باستمرار، مشاهد لسيدات يمارسن بسكينة أعمالا بسيطة داخل المنزل، ستائر ونُسج، كراسي، آلات موسيقية، لوحات على الحائط، مزهريات، مشاهد عائلية مألوفة نراها عادة داخل البيوت في الحجرات والمطابخ، ونوافذ تسمح بدخول الضوء... لقد ألقى "فيرمير" الضوء والبريق على أشياء لا يحتفي بها عالمنا الحالي.

 

في الوقت الذي تعد فيه السيارات حديثة الطراز والشهرة والنجومية وأحدث صيحات الموضة هي الأشياء التي يفتتن بها الناس، كان "فيرمير" منذ ما يزيد عن ثلاثة قرون يرى أن ما يستحق أن نفتن به مختلف كثيرا، وفي متناول أيدي الجميع؛ مقابل حياة التنافسية الطاحنة والاغتراب والانفصال، سُحر "فيرمير" بجمال السكينة والطيبة ونعمة الحياة اليومية الهادئة. تلك الحياة التي تبدو في عصرنا مرادفا للفشل والهزيمة والكسل، وعدم القدرة على تحقيق النجاح، لقد أصبحنا نرى الأشخاص -الذين يعيشون حيواتهم ببساطة دون تحديات ملحمية- أشخاصا مغلوبين على أمرهم، أو مقصرين؛ أو حتى لا يملكون القدرة أو الذكاء الكافي لخوض غمار التحديات وتحقيق النجاحات.

 

نعيش في عصر لا يعترف إلا بالحياة الصاخبة المفعمة بالضجيج والحركة السريعة التي لا تتوقف؛ فمعظم الناس لا يستطيعون تخيل إمكانية رفض عرض عمل براتب أكبر، أو فرصة يمكنها أن تفتح لهم الباب للشهرة؛ فالجميع يعتقدون أن هذه الأشياء -هي بدون أدنى شك- مكاسب لا خلاف عليها؛ رغم ثمنها الذي ندفعه من قلق واكتئاب واغتراب؛ بينما يظل أصحاب خيار الحياة البسيطة الهادئة غرباء بعض الشيء عن هذا العالم.

 

ويبدو أن "فيرمير" أيضا عاش غريبا، لم ينل أي شهرة خلال حياته التي يلفها الغموض، ولا حتى بعد قرنين من موته، لقد نسيه مؤرخو الفن والنقاد طوال مئتين من السنين؛ قبل أن يعيد اكتشافه محام هاوِ للفن، ويكتب عنه عام 1866 عدة مقالات أعادته إلى دائرة الضوء. لقد نُسي "فيرمير" نسيانا يليق بفنان خلدت أعماله لحظات الحياة المنسية والهاربة؛ لكن ترتب على هذا النسيان انطماس سيرته، فنحن الآن لا نكاد نجد عن حياته في أي من المراجع المعروفة أكثر من سطور معدودة.


ولم يعرف عنه أنه سافر إلى أي مكان خارج بلدته "دلفت" في هولندا، التي ولد بها، وتوفي بها، ورسم لها واحدا من أهم وأجمل مشاهد المدن في تاريخ الفن، إن لوحة "مشهد من دلفت"، هي واحدة ضمن لوحتين فقط رسمهما "فيرمير" لمشاهد خارجية، وقد كانت هذه اللوحة هي لوحة "مارسيل بروست" المفضلة، وكان يعتبرها اللوحة الأجمل في العالم، وكتب عنها وعن دلفت في روايته (البحث عن الزمن المفقود).


عندما قرر "فيرمير" أن يرسم موطنه، اختار يوما عاديا من أيام دلفت، لا يوجد أي شيء مميز في ذلك اليوم، لا أعياد ولا احتفالات، ولا يوم مشرق على غير العادة، السماء غائمة، والمياه ساكنة تماما، لا شيء يحدث حقا.  

  

مديح اللحظات الهاربة
يقول الناقد والروائي الفرنسي "أندرو مارلو": "إن ما يعني فيرمير في ميثولوجيا السعادة اليومية هذه، هو أن يصادر خيط الزمن المعلق، الواهي جدا، حركة، أو نظرة، أو ابتسامة عابرة وإطلاقه على طريقة المصور، إنه يحتبس بحنان لحظة حياة هاربة، وعادية، في زخرفة كل ما عداها، وبذلك يترجم إلى الأبد، دوام السلوك البشري".
 

 في لوحة خادمة اللبن، يصور "فيرمير" امرأة تسكب الحليب في وعاء من الفخار؛ في حالة استغراق تام فيما تقوم به، كل شيء في الغرفة حولها ساكن تماما، فيما عدا خيط اللبن الذي تسكبه ببطء في الإناء، تقوم المرأة بعملها دون استعجال، تمسك بكلتا يديها إناء الحليب بحرص، ونظرتها وعيناها المسبلتان بلطف إلى أسفل، وملامح وجهها المطمئنة؛ توحي بأنها سابحة في عالم منفصل، إنها مرتاحة تماما لمكانها الصغير، المطبخ بجدران الجص، وقطع الخبز واللبن.
 

ربما كان "فيرمير" يعتقد أن احتياجاتنا الحقيقية بسيطة كبساطة المشهد في هذه اللوحة، الحليب وبعض قطع الخبز والطمأنينة التي تسبح على وجه المرأة والنور الذي يتسلل بلطف من النافذة، السحر في لحظة عابرة يلتحم فيها العمل الذي لا مفر منه بسكينة الاستسلام لكل الأشياء التي ليس منها بد.


إن لوحاته تقف على الجانب الآخر من المعاني البطولية، إنه يحتفي بالمعتاد واليومي، المألوف والمتوسط، والروتيني، إن معظم ما نقوم به في حياتنا هي أعمال من هذا الطراز، على عكس ما نراه حولنا في وسائل الإعلام والصور الجذابة التي تضفي بريقا كاذبا على أشياء بعيدة عن تلك التي ننخرط فيها يوميا كواجبات أساسية يتطلبها وجودنا الحيوي.

 إن لوحاته ترفض أن تصور الجمال نابعا من شجاعة نادرة، أو انتصارات ضخمة، أو تحقيق نجاحات مميزة؛ بينما أكثر الأشياء أهمية في استمرارنا ليست مثيرة، ولا درامية، ولا مميزة بأي حال؛ بل على العكس، في الحقيقة إن معظم ما نقوم به في حياتنا أشياء مملة للغاية.

 

في لوحته الفتاة النائمة، يجعلنا "فيرمير" ننظر إلى فتاة غلبها النعاس؛ بعد أن أكملت عملها في المنزل، أو ربما أثناء العمل، ما زال مسحورا هو بتلك اللحظات التي تباغتنا أثناء اليومي، تسند الفتاة رأسها على يدها وعيناها مغمضتان، لقد ترك الباب مواربا ليؤكد لنا أن الفتاة تسرق تلك اللحظة من الزمن، وأن أي شخص قد يتمكن من الدخول ليقطع عليها لحظتها تلك، لكن الهدوء الذي يلف المنزل والنور الخافت والألفة التي يتدثر بها المكان تجعلنا نشعر أنها آمنة على لحظتها.



لقد كان "فيرمير" يتمتع بإحساس رائع بالمرأة، لقد أحب المرأة كثيرا ورسمها في كل لوحاته تقريبا؛ لكنه لم يرسمها كموضوع مثير كأغلب الفنانين، لذلك قال عنه "مارسيل بروست": "لا مكان للهوى والجنس في فنه"، لم تظهر أي من نسائه قاسية أو غاضبة، جميعهن تستمتعن بالانخراط في شيء ما بلطف شديد وسكينة.

 

يعتبر بعض النقاد لوحة امرأة مع عقد من اللؤلؤ، واحدة من أكثر لوحاته شاعرية ورقة، اللحظة الهاربة في هذه المرة لامرأة تضع العقد حول رقبتها، لقد التقط هذه الإيماءة لامرأة لا تفعل أي شيء سوى محاولة وضع العقد وإغلاقه.

 

إنها لحظة خاصة جدا بالمرأة تعرفها النساء جيدا وتعشنها باستمرار؛ لحظة متكررة في حياة كل امرأة؛ لكنها رغم ذلك هي لحظة منسية، رغم أنها لحظة احتفاء مكثف بالجمال، إن شاعرية لحظة كهذه لا يمكن كتابتها، لا يمكن لكاتب أن يكتب هذه اللحظة، اللغة هنا قاصرة، ولا يمكن أن يعوضها سوى الرسم أو لوحة كهذه اللوحة على وجه التحديد.


يرسم "فيرمير" بالضوء الطبيعي، فجميع لوحاته تقريبا بها نوافذ مفتوحة بشكل كامل أو جزئي؛ ومنها تأتي إضاءة اللوحة، ومن طريف ما يروى عن الأنوار الفياضة في لوحات "فيرمير"، أن أحد رواد المتاحف وقف مرة يتأمل إحدى تلك اللوحات، وفجأة التفت حوله كأنه يبحث عن شيء فقده، وكان ذلك الشيء هو الضوء الذي تألقت به اللوحة، فقد بدا له وكأنه منصب عليها من خارجها، فراح يبحث عن مصدر ذلك الضوء خارج تلك اللوحة.

 

إن أفضل النسخ من لوحة "امرأة شابة مع إبريق ماء" لا يمكنها أن تنقل لنا الإيقاع الدقيق لضوئها الأزرق والأبيض الجميل، اللوحة مضاءة بنور أبيض وأزرق بارد قليلا، يثير فينا مشاعر نسمات الصباح الرائقة، في محبة صافية لكل العادات والأفعال البسيطة التي نحتاج القيام بها يوميا.

 

إن ما يميز هذا العمل هو الجمال النادر للحظة عادية كلحظة فتح النافذة، التي تم الإمساك بها ورفعها إلى مستوى الفن، وهذا تحديدا ما يواصل "فيرمير" القيام به لوحة تلو الأخرى، يستبدل تلك الصور المبهرة لما اعتاد الفنانون رسمه بلحظات شديدة الاعتيادية؛ ليخلد تلك اللحظات المنثورة بإهمال في الحياة إلى شعر خالد في اللوحة.

 


وفي لوحة "امرأة تحمل ميزانا"، تقف المرأة بهدوء وتمسك بيدها ميزانا صغيرا، تزن به مجوهراتها، وتنتظر على مهل حتى يستقر الميزان، وراء المرأة توجد لوحة يبدو أنها تحمل دلالة دينية حول يوم الحساب؛ لذا يعتبر البعض الميزان في يد المرأة يرمز للحساب الأخير؛ حيث يقع تحديدا في منتصف اللوحة.
 


يقول "ثيموني بروك" في كتابه (قبعة فيرمير): "عندما نتجول بأعيننا فوق لوحات فيرمير نكون وكأننا ندخل عالما حيا يزخر بالبشر الحقيقيين، هؤلاء الذين تحيط بهم الأشياء التي تضفي معنى خاصا على وجودهم، في بيوتهم أو في موطنهم الأليف، وتحمل تلك الشخصيات، وكذلك الأشكال الملغزة الغامضة في اللوحات، أسرارا لن نستطيع أبدا معرفتها؛ لأن ذلك هو عالمهم وليس عالمنا، لكن فيرمير قد رسم هذه الشخصيات بطريقة تبدو معها وكأنها تمنحنا ذلك الإحساس، أننا دخلنا مكانا حميما، حيث كل شيئ "يبدو" وكأنه كذلك".

 

ربما تلك الحميمية هي السبب في جاذبية هذه اللوحات المستمرة، ويبدو أن "فيرمير" لا يوجد له منافس في قدرته على استدعاء السكينة والألفة والوقت البطيء في مشاهده التي تشعرنا ببعض التوازن النفسي؛ مقابل الحياة الصاخبة التي نحياها جميعا، إن عملية إعادة التوازن هذه هي واحدة من الوظائف السيكولوجية التي يقدمها لنا كل فن عظيم.
 

في لوحته "صانعة الدانتيل"، تنهمك المرأة بلف البكرات الصغيرة بكل انتباه، ويبدو النور الذي يغمرها مسلطا من نافذة مرتفعة؛ مثلما يفعل نور السماء عندما يدخل دور العبادة عبر الزجاجيات، لقد ظل الرسام ينظر إليها بصمت، منشغلا بتعليق حركتها الرقيقة في لحظة زمن خالدة.

 


ربما "فيرمير" هو الفنان الوحيد الذي أعطى لبساطة المشهد المنزلي اليومي أهمية فنية، ولم يكن يرسم ليبيع لوحاته، فقد كان والده يعمل في تجارة اللوحات، واستمر هو في عمل والده إلى جانب بعض الأعمال الأخرى، كان يرسم ببطء شديد، فلم ينجز أكثر من ثلاث لوحات في العام، وصلنا منهم فقط 35 لوحة، ولم يقدم على بيع أي من لوحاته؛ إلا عندما تعرض لظروف مادية سيئة اضطرته لبيع بعضها.

 

على الأرجح، عاش "فيرمير" في بيت غاصِ بالصخب والحركة والصراخ، فكان لديه أحد عشر طفلا من زوجته "كاترينا" وكانت والدتها وأخوها يعيشان معهم في نفس المنزل؛ لكن لم يكن شيء يعكر صفو "فيرمير"، رغم أن المنزل في الغالب لم يكن هادئا؛ إلا أنه ظل يرسم لوحاته الرائقة تلك، ويقبض بحرص على لحظات الهدوء.

 

توفي "فيرمير" عن عمر يناهز 43 عاما، ولم يترك لأولاده أي شيء سوى مجموعة من اللوحات، التي سددوا بها ديونه، فعقب موته قالت زوجته إن الخباز حصل على لوحتين من لوحاته مقابل الديون، وكل منهما تساوي اليوم أكثر من 100 مليون دولار. لقد قضت هموم الحياة على سيد الضوء، رسام الهدوء واللحظات الهاربة، وودع العالم دون أن يترك وراءه أي أثر يدل على طريقة رسمه، لم يترك سوى لوحات شديدة الرقة والغموض.

أكثر الأفلام ترشيحا للأوسكار

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك