اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/17 الساعة 12:36 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/21 هـ

انضم إلينا
إيفان إيفازوفسكي.. رسام الواقع الخيالي

إيفان إيفازوفسكي.. رسام الواقع الخيالي

هند مسعد

محررة فنية
  • ض
  • ض


"جميلٌ ويكأنّه مِن رسم إيفازوفسكِي."[1]  هكذا صار الأديب الروسي أنطون تشيخوف يصف الأشياء بالغة الجّمال. وهكذا صار دارجًا وصف الأشياء الجميلة في روسيا في القرن التاسع عشر. بأنّ تُشبَّه بأعمال الرسّام الروسي إيفان إيفازوفسكي (1817 - 1900).

فيودور دوستويفسكي، والذي كان مُعاصرًا لإيفازوفسكي، كتبه عنه: "أنّ لوحاتَه مطلوبة بشدّة."[2] على نفس المنوال، وصَفته موسوعة إيفرون وبروكاهاوس الروسيّة، عام 1890، بأنّه: "أفضل رسّام بحار روسي."[3] حتى صار أسطورة فنيّة خلال حياته وبعد وفاته.

ولد الرسّام الروسي إيفان إيفازوفسكي في مدينة فيودوسيا بشبه جزيرة القرم في الإمبراطورية الروسية، 29 يوليو1817، وكان مِن عائلة فقيرة أرمينية انتقلت إلى شبه جزيرة القرم. التحق بالأكاديمية الروسية للفنون، عام 1833، حيث درس فيها رسم المناظر الطبيعية. ثم تزوج من جوليا غرافس، وهي مربية إنجليزية، في سانت بطرسبرغ وأنجب منها أربع بنات؛ إلا أنه طلقها لاحقًا. وفي سن الخامسة والسّتين، تزوج من أنا بورنازيان وهي أرملة شابه من الأرمن المتواجدين في فيودوسيا.[4]
 

بين مدرستين

لقد كان للانتقال من الرومانسيّة للواقعيّة في منتصف القرن التاسع عشر أثرًا شديدًا على تطوّر مدارس الفنّ التشكيلي. إلا أنّ آخرين، أمثال إيفازوفسكي، وجدوا الانتقال شاقًا ففضّلوا التلحُّف بتقاليدهم الرومانسيّة الحالمة؛ وإن شرعوا في رسم الواقع جعلوه رومانسيًّا أسطوريًّا. 


والرومانسية هي توجه فنّي ظهر في أواخر القرن الثامن عشر كرد فعل ضد الثورة الصناعية وعقلنة الطبيعة والأرستقراطية الاجتماعية التي قسمت المجتمع طبقات. تبنت الحركة موقفًا أكد على أنّ الروح والخيال هُما المصدر الأصيل والرئيسي للحس الجمالي والتجربة الإبداعية؛ فمجدت الماضي والطبيعة والمشاعر الفردية الخيالية.[5]

فيما عمدت الواقعيّة لنقل أحداث واقعية بصدق دون تصنع أو مبالغة؛ بالتالي؛ لا تتناول الواقعية أي مواضيع خيالية أو شخصيات خرافية. بل تُركّز على أحداث الحياة اليومية للعمال والفلاحين وكل ما يجري في الهواء الطلق ببساطة وواقعية وصدق. وقد اشتمل ذلك على رسم المناظر الطبيعية.[6]
 

الواقع الخيالي والخيال الواقعي
تظهر لوحات إيفازوفسكي وكأنها تجولٌ في عالمٍ عظيمٍ مِن البحار الأسطوريّة والأسرار الإلهيّة. وصحيح أنّ لوحاته هي في النهاية مشاهد واقعيّة. لكنّها حملت في طياتها مِن السحر والخيال ما جعل الواقع أسطوريًّا. هناك دائمًا تصوير للواقع بحسّ رومانسي وألوان دراميّة.
 



خلال مسيرته الفنيّة رسم إيفازوفسكي ما يُقارب الست آلاف لوحة.[7] صوّر مُعظمها البحار والمحيطات. ومع ذلك، كان له عدد مِن اللوحات التي تناولت أرمينية الشرقية وطن أجداده والتي زارها عام 1868.[8] وقد رسم في تلك الفترة لوحات عدة لجبل أرارات[9] ووادي أرارات وهبوط النبي نوح عن جبل أرارات مع سلالته.
 



عددٌ آخر مِن لوحات إيفازوفسكي أخذت منحنى استشراقي. فقد زار مصر عام 1869،[10] حيث كان في خضم سلسلة طويلة من المعارض وتلقي الجوائز. وقد تناولت لوحاته عن مصر مشاهد للهرم وقت الغروب؛ أُخريَات تناولن مشاهد الحياة اليوميّة للمصريّن في القرن التاسع عشر. وكالعادة، تظهر جميع اللوحات بحسّ شديد الرومانسيّة والخيال.

 

ملحميّة الظّل والضوء
تُصَوّر لوحات إيفازوفسكي المَشَاهد على تعددها بملحميّة رومانسيّة. يوظّف فيها إيفازوفسكي الظّل والنّور بشكل درامي ليُخضّب المشاهد بحالة الملحمة. فهناك رغبة مُلحة داخله بأنّ تظهر اللوحات مُتجاوزة المشهد الواقعي ماضية إلى ما هو أبعد؛ إلى الما بعد واقعي؛ إلى الميتافزيقي المتجاوز.


المياه تتحرك. نكاد نسمع صوتها. ضوء الشمس أو القمر ينفذ مِن إطار اللوحة. المشهد يدبّ بالحياة. لكنّها ليست حياة كالحياة؛ بل الصراع؛ ذاك الصراع الأبدي بين الإنسان والطبيعة. والذي ينْصُر فيهِ إفازوفسكي الطبيعة على الإنسان. فالطبيعة، الأم، تظهر عملاقة في اللوحات مقارنة بالوجود الإنساني الهشّ.
 



توفى إيفازوفسكي في 2 مايو عام 1900، ودُفن في كنيسة أرمينية بناء على وصيته.[11] وقد خلَّف إرثًا فنيًّا هائًلا مِن حيث عدد وجودة اللوحات. ويظهر البحر فيها سيّدًا. يخلق فيه إيفازوفسكي لحظة من الدراما المكثفة. ولا يحسم تلك الدراما بشكل مأساوي كثيرًا. بل يجمع في بحاره الموت والعيش الجميل.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك