اغلاق
آخر تحديث: 2017/6/7 الساعة 15:03 (مكة المكرمة) الموافق 1438/9/13 هـ

انضم إلينا
لماذا يعكر الإبداع صفو الطغاة؟

لماذا يعكر الإبداع صفو الطغاة؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
على مر العصور كانت العلاقة متشابكة بين الفنون والسياسة. فإما أن يصير للفن بُعد سياسي أو يصير للسياسة بُعد فنّي. ويرجع السبب في ذلك إلى أن الفنون، مثلها مثل العِلم، تُثري إلى حد كبير الفهم والاستيعاب البشري للواقع. فقيمة الفن، بالإضافة لأنها تكمن في حالة المتعة واللذة التي يُقدمها، نجدها أيضًا في أنه نوع من "اللعب".
 

فعلى حد تصوير الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير (2002-1900م)، تكمن قيمة (الفن/الإبداع) في أنه نوعٌ مِن اللعب. واللعب ليس كالتسلية. فاللعب جانب من الحياة الإنسانية يتسم بالعمق والأهمية، على عكس التسلية التي تكون بلا غرض، حيث يكون اللعب عادة نوع مِن التجربة. التجربة التي نتعلم منها الدرس دون دفع تكلفة حقيقية. وذاك النوع من اللعب -(الفن/الإبداع)- يُرسل رسالة مُفادها أنّه "ذو دلالة". وقد تكون تلك الدلالة سياسية أو دينيّة أو اجتماعية.(1)

 
 في محاضراته المُجمّعة عن الأدب الروسي، يقول الأديب الروسي الأميركي فلاديمير نابوكوف (1899 -1977م) "طوال القرن الثامن عشر، كانت حكومتا القيصرين الروسيين نيكولاس الأول ونيكولاس الثاني، تُدركان أن شيئا فريدا وأصيلا فيما يخص أي فكر إبداعي له دلالة فارقة وخطوة فجّة نحو الثورة."(2) والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا؟ وما مدى خطورة تلك اللعبة التي نسميها فنًّا أو عملًا إبداعيًّا؟

 

"فتاة سورية لاجئة تطلق بالون أحمر" عمل فني من قبل الفنان بانكسي، بعنوان "هناك دائما الأمل"  (رويترز)

 
إن الفن الحقيقي ينتج دائمًا من مشاعر صادقة، كما أنه يحمل رسالة إنسانية واضحة. والفاشيات عادة لا تسمح لهذا النوع مِن المشاعر أو الرسائل أن تنتشر بين الجماهير. ومرد ذلك أنها تقدم نفسها للجماهير في حملات دعائية ضخمة تحمل طابعا شعبويًّا جدا.

 
وعلى الرغم من أنّ الأسلوب الدعائي الذي تعرض به الفاشيات نفسها قد يبدو مبتذلا، لدرجة أنّه يكون في طريقة تقديمه وعرضه محل سخرية في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، إلا أنّه يَصدُر بتلك الصّيَغ مناسبًا لأكثر طبقات الشعب جهلا وفقرًا. وهي بالمناسبة غالبا ما تكون الطبقة الكُبرى التي يكفي تأييدها للفاشية حتى تستمر.

 
فالطبقة المستهدفة هنا ليست رجال علم أو دين. وليست خبراء قانون أو نُقّاد فنيّون، وليست طلّاب جامعات أو مبدعون. بل هم الفقراء والمهمشون، الغارقون في مستنقعات الجهل وبراثن الذُل. وهؤلاء ليس لديهم قريحة (علمية/معلوماتية) تُمكنهم مِن تمييز الصدق مِن الكذب.

 

الطاغية هنا إذ يُخاطب وعيا جمعيا، يستخدم آلته الدعائية بأسلوب بسيط يبدو للنُخب ساذجا. إلا أنّه في حقيقته أسلوب ذكي موجه ومحدد، لذلك نجح. "عشان مصر"! نعم، بتلك البساطة

رويترز
 

لديهم فقط مشاعرهم الشخصية وما يُقنعها. والطغاة إذ يُخاطون تلك الطبقات يكونون على وعيٍّ تامّ بأن المُستهدف شخص لا يحتاج لمصطلحات سياسيّة ولا خطط نهضوية ولا رؤية مستقبلية ولا أي مِن هذا. هو فقط يحتاج لشحن عاطفي مُحدد ضد كذا أو مع كذا.

 
والطاغية هنا إذ يُخاطب وعيا جمعيا، غير ناضج وغير مؤهل للحكم، يستخدم آلته الدعائية بأسلوب بسيط يبدو للنُخب والصفوة المثقفة ساذجا وأحمقا وغبيا. إلا أنّه في حقيقته ذكي وموجه بدقة واختار جمهوره بعناية وحدد هدفه مُسبقًا ونجح في تحقيقه وحكم وبسط سلطانه بالفعل وقُضي الأمر. "عشان مصر"! نعم، بتلك البساطة.

 

الإبداع كخطرٍ مُحدق

في عهد روسيا القيصريّة، أُعتبر بوشكين (1799 - 1837م)، الأديب الروسي العملاق، أحد الأخطار المُحدقة بالنظام لأن أشعاره ورواياته اتخذت منحنى من حرية الفكر والإبداع والنظرة النقدية ما جعله يُمثل خطرا على القيصرية(3). بالتالي، عاش تحت مراقبة صارمة مِن قِبل الشرطة السياسية القيصرية والتي ظّنت أنها بذلك تكبح جماحه، إلا أنها بعزله عن الأواسط الثقافية أعطته فُرصة لكتابة إحدى أعظم مؤلفاته المسرحية "بوريس غودانوف" (Boris Godunov) عام 1825، والتي تناولت القيصرية بشكل درامي ساخر(4).



"الفن هو الدواء للمجتمع مِن أسوأ أمراض العقل ألا وهو فساد الوعي."(5)

(المؤرخ والفيلسوف البريطاني روبن جورج كولنوود، مبادئ الفن، صفحة 336)



إذا كان كل عمل فني أو عمل إبداعي لا محالة يخرج عن المألوف ويكشف الخلل والعوار؛ فإن استيعاب الجماهير النشط للعمل الفني أو تأثرها بالانفعالات النفسية التي يقدمها يُفكك لا محالة الآلة الدعائية للفاشية التي لا تتهاون مع تلك الأعمال باعتبارها خطوة فجّة نحو الثورة.

 

الإدراك ليس مقتصرًا على إدراك الجماهير لمشاعر المُبدع أو مساعدته لهم لإدراك مشاعرهم الشخصية. بل أكثر من ذلك، يتوصل الطرفان بفعل قوة العمل الإبداعي لإدراك أكثر دقة للعالم

الأوروبية

 
فقيمة الإبداع هنا تكمن في مساعدة الجماهير على فعل "الإدراك" الذي يشكل خطرًا على بروباغندا الطغاة. والإدراك هنا ليس مقتصرًا على إدراك الجماهير لمشاعر المُبدع أو مساعدته لهم لإدراك مشاعرهم الشخصية. بل أكثر من ذلك، يتوصل الطرفان بفعل قوة العمل الإبداعي لإدراك أكثر دقة للعالم.

 
فالمُبدع، على حد تعبير كولنغوود في كتابه "مبادئ الفن"، يتنبأ -لا بمعنى أنه يتحدث في أمور الغيب- بل أنه يكشف ويفضح لجمهوره عن حقائق قد لا تُعجبهم. وغالبا، لا تعجب تلك الحقائق آلة الدعاية الفاشية أيضًا!
 

الإبداع ضد ازدراء حقوق الإنسان

بالحديث عن دور الفن والإبداع في تعميق الوعي الجمعي للجماهير بحقيقة الواقع المُحيط بهم، فإننا نجد هنا أن العمل الفني أو الإبداعي لا تنحصر قيمته في كونه "مُمتع" على الجانب البصري أو السمعي أو الكتابي. بل يصبح ذي مكانه في سُلم القيم الإنسانية. 

 

العمل الإبداعي أيا كان نوعه أداة لتعزيز الفهم، لذلك لا تتسامح معه الفاشيات فتقصي وتقضي على كل منبر فني، بل وتقضي على كل ما يعزز من فهم الجماهير (رويترز)
 
إن هذا التوجه الصارم للإبداع بتنقية النفس البشرية مِن أي خلل يشوب رؤيتها للواقع المحيط يتعارض بشكل حاد مع أشد وأعتى توجهات أي فاشية على مر التاريخ؛ ألا وهي: "ازدراء حقوق الإنسان". عندما تكون الفاشيات بصدد ممارسة القمع لكل ما يُخالف توجهاتها؛ تحتاج لكتلة جماهيرية تسوّغ لها ذاك الازدراء العلني لحقوق الإنسان بحجة الحاجة للأمن أو إن البلاد إزاء خطر محكم مُحدق سيقضي على الأخضر واليابس. وتلك الفكرة لا يمكن زرعها في نفوس تستلذ الجمال والحق والخير بحكم قوة ذائقتها الفنية وعُمق وعيها وإدراكها لحقيقة الواقع المُحيط بها.
 
فيصير العمل الإبداعي، أيَّاً كان نوعه؛ أداة خطيرة تُعزز من الفهم، وتعزيز الفهم مؤشر بزوال الجهل، وزوال الجهل أمر لا تتسامح معه الفاشيات، فتُقصي وتقضي على كل منبر فني وإبداعي، بل تقضي على كل ما يتيح للجماهير قدرا أكبر من الفهم أياً كان نوعه.
 
الفن والإبداع وما يتيحانه مِن سعة إدراك واستيعاب للواقع يُمكنا الفرد مِن الانعزال عن غوغائية آلة الدعاية الجماهيرية لأن إحساسه وإدراكه يصير أكثر رهافة وحساسية. وعقل الفرد لا محالة سيعكس ذلك على الأوضاع الاجتماعية والسياقات السياسية التي يُعاصرها.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك