اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/7 الساعة 14:40 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/13 هـ

انضم إلينا
العناق بين الرسم والسينما.. إلى أي مدى؟!

العناق بين الرسم والسينما.. إلى أي مدى؟!

هند مسعد

محررة فنية
  • ض
  • ض

هناك عددٌ لا بأس به من روائع اللوحات على مرّ التاريخ تحولت لمشاهد سينمائية تدب فيها الحركة. وبالرغم مِن أن اللوحات لها أسبقية الوجود على الأفلام التي قلدتها إلا أن العلاقة بين الرسم والسينما نفعيّة مُتبادلة. فإن كان عالم الرسم ألهم عالم السينما بمشاهد شديدة الثراء فإن عالم السينما أعطى تلك اللوحات حكايات وسيناريوهات ناطقة تفتح الحدود أمام خيال الرائي ليذهب أينما شاء.

 

ولعل من أبرز الأفلام التي تعكس تلك العلاقة التبادلية هو فيلم الفتاة ذات القرط اللؤلؤي(1) القائم بأكمله على لوحة "فتاة قرط الؤلؤ" الزيتية للرسّام الهولندي يوهانس فيرمير، 1657 - 1632، أحد أشهر رسامي القرن السابع عشر. واللوحة عبارة عن بورتريه لفتاة مُحجبة ترتدي قرطا من اللؤلؤ.

 

صدر الفيلم في ديسمبر 2003، ويتناول اللوحة وحياة فيرمير بشكل أكبر. الفيلم من إخراج البريطاني بيتر ويبر وقامت ببطولته الممثلة الأمريكية سكارليت جوهنسون والتي تقوم بدور فتاة القرط، التي كانت تعمل كخادمة لدى الرسّام الذي استخدمها كموديل للوحة..

  

 

لوحة أخرى هي "أوفيليا" للسير جون إيفرت ميليه، رسام إنجليزي (1829 - 1896)، والتي رسمها ما بين عامي 1851 و1852، والمستوحاة مِن مسرحيّة الأديب الإنجليزي ويليام شكسبير "هاملت". حيث يُصَوِّر ميليه في اللوحة مشهد انتحار "أوفيليا"، حبيبة هاملت، غرقًا. وتظهر اللوحة في فيلم "السوداويّة/Melancholia" والذي صدر عام 2011 في فرنسا.

  

الفيلم من إخراج الدنماركي لارس فون ترايير وبطولة الممثلة الأمريكية كيرستين دانست والمغنية الفرنسية شارلوت جاينسبورج والممثل السويدي ألكسندر  سكارسجارد. يحكي الفيلم قصة ارتطام كوكب الأرض بكوكب آخر يُسمى ميلانكوليا، كوكب السوداوية، ذي اللونين الأزرق والأسود.

 

مأساة أوفيليا التي تناولها السير ميليه في لوحته قريبة في محتواها النفسي من مآسي ميلانكوليا من حيث الكآبة والفقد والموت والغربة وعدم الراحة والانتحار ونهاية العالم. ونرى في بوستر الفيلم، دانست ترتدي فستانًا وتمسك بباقة زهور وتطفو على جدول الماء في مشهد شديد الشبة بمشهد غرق أوفيليا في جدول الماء.

 

 

العناق بين الرسم والسينما ليس حديث عهد بأفلام القرن الحادي والعشرين فقط، بل يكاد يكون موجودًا منذ نشأة السينما في أوائل القرن الماضي خاصة في أفلام المُخرج الأسباني السريالي لويس بونويل (1900 - 1983). يُعتبر لويس بونويل حالة فريدة في عالم السينما، فأفلامه، سواء الصامتة أو الصوتية، عبارة عن حالة شديدة الهجاء، هجاء للواقع ولمغزى الوجود الإنساني، حيث لم يسلم من هجائه شيء، لا المجتمع، ولا السياسية، ولا الدين.

 

في فيلمه فيرديانا يُقدم بونويل مشهد يُحاكي فيه لوحة "العشاء الأخير" للرسّام العبقري ليوناردو دافنشي. فيريديانا، الفتاة التي وهبت نفسها للرهبنة والتي تشبه زوجة عمها المتوفاة، تذهب لتقضي بعض الوقت في قصر عمها بالريف، وقبل يوم من عودتها للدير، يبوح لها عمها بأنه معجب بها ويطلب منها عدم المغادرة. ترفض فيريديانا مشاعره؛ فيقوم عمها بتخديرها وبعد الإفاقة يدعي الكثير من الأكاذيب من ضمنها أنه اغتصبها.

 

تهرب فيريديانا بعد صدمتها لتعود للدير، لكن قبل أن تصل تسمع خبر انتحار عمها شنقًا فتقرر العودة للقصر. يتملك فيرديانا بعد ذلك إحساس بالذنب كونها تسببت بموت عمها، فتقرر عدم العودة للرهبنة، ومواصلة «الطريق إلى الله» لكن بشكل آخر. تجمع فيريديانا العديد من الفقراء والمتسولين في القرية وتهب لهم بيتًا بجوار القصر وتؤمّن لهم العمل وتحاول إرشادهم للصلاة، معتقدة بذلك أنها تنير طريقهم وتفتح لهم بابًا لملكوت السماوات. لكن في مشهد شديد الشبه بلوحة «العشاء الأخير» لدافنشي، يتناول العمال العشاء في القصر أثناء غياب فيريديانا. ووسط تهليل وسكْر وعربدة، يقومون بتكسير مقتنيات القصر.

 

تقابل فيريديانا وابن عمها والخادمة العمال عند عودتهم للقصر. يحاول أحد العمال، وهو مخمور، الاعتداء جنسيًا على فيريديانا بعد أن قيد ابن عمها. تنجو فيريديانا في النهاية من الاغتصاب لكن لا تسمح ببقاء الفقراء في أرضها وتطردهم.

  

 

فيريديانا من البداية كانت تُمثل المسيح بكل ما يحمله من طهارة ونقاء وقدرة على التضحية. المسيح الذي لاقى أشد أنواع الإيذاء من قومه. رمز بونويل لهذا الإيذاء بالعم الذي يشتهي ابنة أخيه. فيما كان القصر هو تفاحة آدم الذي دخله الفقراء بإغواء من نساء القصر ليتم طردهم بعد ذلك من نعيم فيريديانا.

 

هُناك أيضًا، "متاهة بان" وهو فيلم خيال علمي مكسيكي صدر  عام 2006، من تأليف وإخراج المخرج المكسيكي جييرمو ديل تورو. ويحكي الفيلم قصة الأميرة موانا ابنه ملك العالم السفلي. تذهب إلى السطح بدافع الفضول لمعرفة ما يدور على سطح الأرض. لكن ما إن ترى ضوء الشمس حتى تفقد البصر وتمحى ذاكرتها. وتصبح مريضة للغاية وتموت في نهاية المطاف. ولكن الملك يعتقد أن روحها سوف تعود يوما ما إلى العالم السفلي.

 

في إحدى مشاهد الفيلم نرى محاكاه شبه كاملة للوحة "زحل يلتهم ابنه"، للرسام الإسباني فرانشيسكو جويا، عندما يتناول الرجل الشاحب (Pale Man) إحدى الحوريات/Fairies. واللوحة نفسها هي سرد لإحدى الأساطير اليونانية التي تتناول قصص التيتان/العمالقة. وزحل أو كرونوس حسب الأسطورة يلتهم أبناءه عند ولادتهم لأنهم سيطيحون به.

  

 

ربما بدى استلهام لوحة مُرعبة مثل "زحل يلتهم ابنه" خطأ في فيلم خيال علمي يحكي قصة هي أساسا للأطفال. لكن من ناحية أخرى هل تتعارض قصص الأطفال حقًا مع هذا القدر من الرعب. أليست سندريلا قصة عن فتاة يتيمة تُعذبها زوجة أبيها المتوفى؟ وهاري بوتر، أليست قصة فتى يتيم غير محبوب؟ وبياض الثلج، وغيرهم.. أليست كل تلك القصص في جوهرها عن مُعاناه أطفال صاروا أبطال. أليس هذا هو أول درس نعلمه لأبنائنا في الحياة! حتمية المُعناة!

 

والآن، ما أهمية تلك العلاقة التبادلية بين اللوحات والسينما؟ الأهمية تكمن في أن الفن عادة يستلهم أفكاره بشكل رئيسي من الحياة؛ لكن أحيانا يستلهم الفن من نفسه، من الفن. بالتالي، فإن أروقة المتاحف لا تقل أهمية عن ساحات السياسة أو صالات السينما أو الشوارع العامة.

 

وإذا كان تصوير مشهد واحد يحتاج لعدد كبير من العاملين والمصورين؛ فإن رسامين أمثال فان جوخ وكارافاجيو وفيرمير كانوا عباقرة بلا أدنى شك إذ استطاعوا، فيما يتعلق بتوزيع الظل والنور واللون والتكوين وتعبيرات الوجه والملمس، أن يقيموا هم المشهد بأنفسهم وبمفردهم.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك