اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/2 الساعة 16:22 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/10 هـ

انضم إلينا
"تحريم التماثيل".. كيف صار للإسلام فن؟

"تحريم التماثيل".. كيف صار للإسلام فن؟

هند مسعد

محررة فنية
  • ض
  • ض

لقد بدت فكرة تحريم تجسيد ذوات الأرواح - بالصيغة الصارمة التي ظهرت بها في صدر الإسلام -  وأدًا للإبداع. لكن العلاقة بين الفن والدين الإسلامي كانت مُربكة وخلّاقة في نفس الوقت. وقد تبدو للعابرين علاقة قهرية استبدادية؛ لكن بتفحصها نرى أن تلك العلاقة على قدر صرامتها فتحت آفاقًا لا متناهية للإبداع.

  

يرى العديدون أنَّ الهدف الرئيسي من تحريم تجسيد ذوات الأرواح هو شطب فكرة تجسيد الإله أو أي أصنام من أذهان المسلمين. فلا يمكن لأمم حديثة عهدٍ بِدِينٍ توحيدي يطلب من الناس الإيمان بالغيب؛ أن يترك لهم الباب مفتوحا على مصراعيه للتجسيد والنحت وقد كانوا قُبيل ذلك بسنوات قليلة يسجدون لما ينحتون بأيديهم! إذ دفع تحريم ذوات الأرواح المواهب في العصور الذهبية للإسلام لبوتقة المنمنمات، الزخارف، الخط الإسلامي، العمارة، المنسوجات، السجّاد، النحت في العاج، المصنوعات الجلدية، الجواهر المعدنية وغيرها.

  

لقد أصبحت الفنون الإسلامية بحرًا عظيما رغم أهوال التحريم. وصار تحريم تجسيد ذوات الأرواح قواعد انطلاق لأنواع جديدة من الفنون. صحيح أنها لم تُخترع اختراعا لكن تمَّ تعديلها وتطويرها حتى صارت صروحًا فنيةً إسلاميةَ الهُويَّة. والذي لا جدال فيه أن تلك الصروح لم تخرج مشوهةً بسبب التزامها بأوامر شريعة المسلمين. بل جاءت تُحاكي تمامًا حديث: "إنّ الله جميل يُحبّ الجمال."

 

تجلَّى إبداع الفنانين المسلمين في مجالات مختلفة، مثل الخط العربي والرسم على الزجاج والسجاد والزخارف، لكن العمارة كان لها النصيب الأكبر من الإبداع في الفن الإسلامي

 

فالإسلام لم يكن مجرد جانب عقائدي، بل فرض أنماطًا حياتية معينة على الناس ما دفع الناس لتطوير أفكارهم، طرق معيشتهم، لغتهم وبالتالي ثقافتهم ككل. بالتالي، حاكت الفنون البصرية، التي ظهرت منذ القرن الأول الهجري وحتى الآن؛ مظاهر تلك الثقافة التي تسري في كافة أشكال الحياة حتى صار هناك ما يُعرف اصطلاحا بـ"الفن الإسلامي". والمصطلح لا يغطّي فقط الأنشطة المعمارية أو الأبنية العقائدية؛ بل كل أشكال الفنون البصرية التي ظهرت مِن قبل الفنانين على الأراضي التي حكمها المسلمون. نتيجة لذلك، أصبح المصطلح فضفاضا جدا لأنه يغطي حقبة تاريخية طويلة جدا لازالت ممتدة حتى الآن (أكثر من 1400 سنة). 

  

وغطَّت تلك الحقبة عددًا كبيرًا من الشعوب والأمم باختلاف الأزمنة، الانتماءات، المجتمعات، البيئات الجغرافية والثقافات الدينية الناجمة عن تعدد المذاهب (شيعة، سُنة، صوفيّة،... إلخ). بالتالي، كان من الطبيعي أن تكون الفنون الإسلامية شديدة الخصوصية، بحكم تفرُّد الدين، وشديدة الثراء والتنوع في نفسِ الوقت. وهو ما أثقل الملامح الخاصة للفن الإسلامي.

  

حين ظهرت مدرسة "الخط الإسلامي"، اُعتبرت حينها من أبرز معالم الفن الإسلامي، وضمت جميع المناطق الخاضعة لحكم المسلمين تحت رايتها، واشتركت فيها جميع المجتمعات الإسلامية على اختلاف روافدها الإقليمية

وقد تجلَّى إبداع  الفنانين المسلمين في مجالات مختلفة وهي: العمارة، والتي كان لها النصيب الأكبر من الإبداع، والخط العربي والرسم على الزجاج والسجاد والزخارف. وقد كانت الأراضي التي فتحها المسلمون تقع قبل الفتح تحت الحكم البيزنطي أو الساساني؛ وكان الفن فيها بطبيعة الحال متأثرا بتقاليد دينية وفنية مختلفة استمر بعضها تحت الحكم الإسلامي. ما أدى لثراء التجربة وتشكيل ملامح خاصة للفن في كل رقعة على حدة بحكم اختلاف الروافد التاريخية والبيئات الجغرافية. فمثلا، ظهر الفن الإسلامي في المناطق المعروفة اليوم بإيران والعراق وأجزاء من باكستان وأفغانستان وشرق تركيا مُتأثرا جدًا بجذوره الساسانية والتي تضرب بجذورها في الحضارة البابلية (بلاد فارس) بدورها.

 

فقد تميَّز الإنتاج الفني في تلك المنطقة بكثرة الزخارف على الجدران، الورق، الأقمشة، الزجاج والخطوط الكتابية. فرسم النقوش والزخارف كان تكنيكًا فنيًّا مُتجذّرًا في تلك المنطقة على مر الحضارات والعصور، ويمكن ردُّ أصل ثراء الأعمال الفنية بالزخارف في هذه المنطقة إلى عمليّ البابليين الخالدين "بوابة عشتار" و"شريعة حمورابي."[1] بنى نبوخذ نصر، أحد الملوك الذين حكموا بابل، بوابة عشتار عام 575 ق.م لعشتار إلهة الزهرة. تعتبر البوابة مِن أقدم وأعرق الأعمال الفنية التي عرفها الإنسان. فقد كسى البابليون البوابة بكاملها بالمرمر الأزرق والرخام الأبيض والقرميد الملون. كما زُينت بـ 575 شكلا حيوانيا بارزا على جدرانها منها التنين، الأسد والثور. وقد استولى عليها الألمان في عهد الدولة العثمانية وتم تنصيبها لاحقا في متحف البرجامون في برلين.[2]

 

 

 

كذلك، تعتبر مخطوطات شريعة حمورابي، سادس ملوك بابل، أقدم الشرائع المكتوبة في التاريخ البشري، أحد أقدم الأعمال الفنية في ممالك ما قبل التاريخ حيث تعود لعام 1790 ق.م. وقد نُقشت الشريعة على عمود من حجر البازلت طوله 8 أقدام، وهو معروض الآن في متحف اللوفر.[3] لذلك، أتى الفن الإسلامي في تلك المنطقة شديد الثراء عن بقية المناطق التي خضعت للحكم الإسلامي. فقد كانت فكرة النقش والزخرفة تقنية مُتجذّرة في حضارات ما بين النهرين من قبل الميلاد. وحتى بظهور ما يُعرف الآن "بالفن الإسلامي" فيها، ظهر متأثرا بالروافد التاريخية الإقليمية لتلك المنطقة.

 

ومع ذلك، ظلَّ تحريم تجسيد ذوات الأرواح سببًا رئيسيًّا لتفجُّر الإبداع نحو الخط العربي، العمارة والزخارف في جميع المناطق التي خضعت للحكم الإسلامي منذ القرن الأول الهجري. ومع أن المنطقة السالف الإشارة لها بممالك بابل أو الساسانية/الفارسية كانت الأكثر ثراءً في الزخارف والعمارة بحكم الروافد التاريخية؛ ظهرت مدرسة فنية اُعتبرت من أبرز معالم الفن الإسلامي وضمت جميع المناطق الخاضعة لحُكم المسلمين تحت رايتها واشتركت فيها جميع المجتمعات الإسلامية على اختلاف روافدها الإقليمية. هذه المدرسة هي: الخط الإسلامي.

 

الخطوط العربية/الإسلامية
بدأ تطور الخط الإسلامي منذ جمع القرآن وتدوينه في صحف في عهد أبي بكر وقد انتقلت تلك الصحف لعمر بن الخطاب من بعده. إلا أن عملية الابتكار والتحسين كانت بطيئة نوعا ما في تلك الفترة بسبب حالة البداوة التي كان عليها العرب وانشغالهم في أيام الإمبراطورية الأولى بالفتوحات والتوسع الاقتصادي.[4]

  
"أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا اجتمعوا يا أصحاب محمد واكتبوا للناس إمامًا."[5]

(عثمان بن عفان)

 

مِن بعد أبي بكر وعمر، أمر عثمان بنسخ القرآن وقد أوكل المهمة لأربعة هم: زيد بن ثابت، عبد الله بن الزبير، سعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. ثم أرسل بن عفان العديد من تلك النُسخ للأقطار الإسلامية - وبالرغم مِن أنها كانت مجردة من النقاط والتشكيل إلا أن طريقة الكتابة تميّزت بقدرتها على سرد كل القراءات القرآنية المتواترة. وقد عُرِفَ هذا النوع من الكتابة بالرسم العُثماني نسبة لعثمان بن عفان، وقد قام التابعي أبو الأسود الدؤلي بتنقيطه؛ وشكّله لاحقًا الخليل بن أحمد الفراهيدي.[6]

   

  

لاحقا، عندما استقرَّت الدولة وبرزت فيها مراكز ثقافية متنافسة - مثل: بغداد، الشام ومصر واليمن والكوفة والبصرة - اتجه الفنّانون لنسخ القرآن وتجويد وتحسين الخط حتى أصبح ممارسةً فنية قائمة بذاتها. وقد تم توظيفه كحُلية وشكلٍ من أشكال الزينة والتنميق في الكتابة، ما أدى بدوره لظهور الزخارف على طرفي الآيات. ظهرت كذلك فكرة تزيين المصاحف بالأنماط الهندسية أو الأنماط النباتية التي تحاكي الطبيعة لإضفاء سحر على الكلمات؛ فتحول الخط من مجرد وسيلة لنقل وتدوين الكلام إلى رسم وممارسة فنية له مدارسه وقواعده.

 

بسبب ذلك، اعتمدَ النُسَّاخ في كل بلد نمطًا معيَّنًا في الكتابة يتميزون بها عن بقية الأقطار فتشعّبت مدرسة الخط الإسلامي لأنواع شتّى ولكل نوع شكله ونمطه المستقل ولكل بلدة أعرافها في الكتابة التي تتميز بها. وقد تجاوزت أنواع الخطوط العشرين نوعًا ومنها: الخط البصري والخط الكوفي والخط الأصفهاني والخط المدني والخط المكي والخط العراقي والخط القيراموز وهو الذي ظهر منه الخط الفارسي.

 

ويُعتبر الخطاط الأموي "قطبه المحرر" أحد أشهر الخطَّاطين الذين برزت على يدهم مهنة الخطاط للوجود. وعلى الرغم من أن الخط في بدايات العصر الأموي كان لايزال غير مُنقَّط إلا أن المُحرر ابتكر بعد التنقيط "خط الجليل" وهو مزيجٌ بين الحجازي والكوفي. وقد اُستخدم الجليل في تزيين مسجد قبة الصخرة من الداخل ولا يزال يُستخدم حتى اليوم في تزيين المساجد والمحاريب. 

  

المنمنمات
يأتي بعد فن الخط الإسلامي فن المنمنمات. والمُنَمْنَمَة هي صورة مزخرفة في مخطوطة. وقد اشتهرت بها المخطوطات الفارسية والعثمانية وغيرها. وكما ذكرنا سالفًا فإن المنمنمات والزخارف في المنطقة المعروفة تاريخيا ببلاد فارس كانت شديدة الثراء بحكم روافدها التاريخية الإقليمية. وقد استمرت العادة بعد دخول الفتح الإسلامي لتلك البلاد. فقد كان‌ الفنانون‌ في تلك المنطقة‌ ذوي‌ حس فني راق فقاموا منذ القرون‌ الأولى‌ للهجرة‌ بتهذيب‌ القرآن‌ الكريم‌ وتزيينه‌، وتزيين‌ حواشي‌ الكتب‌ بالمنمنمات والزخارف‌. 
    
 
   
ومثلها مثل الخطوط الإسلامية، توسعت مدرسة المنمنمات حتى صار لها العديد من المذاهب مثل تلك التي اشتهرت في عصر السلاجقة‌ والمغول‌ والعباسيين. وقد أظهرت نُسَخ من كتاب كليلة ودمنة، الذي تُرجم في عهد العباسيين، تأثرًا واضحا بالمدرسة الفارسية في المنمنمات، كما أظهرت جرأة في تصوير ذوات الأرواح. وتعتبر تلك سمة واضحة في المنمنمات بعد عهد الخلافة الراشدة.[7]

 
وبحكم التطور التاريخي، تجاوزت‌ فكرة الزخرفة والمنمنمات ضفوف الكتب وانتقلت للمساجد والمباني والبيوت. وقد شكّل هذا الانصهار بين فن المنمنمات وفن العمارة ما يُعرف اليوم بالعمارة الإسلامية. ومفهوم العمارة الإسلامية في ذاته امتد ليشمل السمات البنائية من أول بلاد الهند شرقا مرورا ببلاد ما وراء النهر وإيران وخراسان وشبه جزيرة العرب والعراق والشام ومصر وتركيا وأسبانيا وصولا للمغرب العربي.

 

العمارة
وتظهر بداية معالم العمارة الإسلاميّة منذ صدر الإسلام عندما خصص الرسول مبنى بعينه للتعبد وهو المسجد. وقد انتشرت المساجد في الأقطار المجاورة للمدينة بحُكم الفتوحات الإسلامية لكن لم يكن له سمات معمارية مميزة لنفس أسباب عدم ظهور الخط الإسلامي كفن في تلك الفترة.


لاحقًا، بعد انتقال الخلافة الإسلامية لدمشق على يد الأمويين، بدت العمارة الإسلامية متأثر ة بفنون البناء لدى الغساسنة (وهم سلالة عربية أسَّست مملكة بيزنطية في الشام). فالعمارة الأموية تعتبر مرحلة انتقالية بين العمارة المسيحية والطراز العباسي، ومع ذلك يُحسب للأمويين ظهور القِباب والأروقة المسقوفة. ويعتبر الجامع الأموي بدمشق القائم حتى اليوم، درة العمارة الأموية، وقد أمر ببنائه الوليد بن عبد الملك. وقد أخذ المسجد شكلا مستطيلا وله قبة مهيبة تُسمى قبة النسر، وأروقة ممتدة على صفٍّ من الأعمدة التاريخية.

   

   

بعد الأمويين، جاءت العمارة العبّاسية، بين عامي 750 و945م، متأثرة بالعمارة الفارسية/الساسانية حتى سقطت بغداد في يد المغول. وقد اهتمَّ العباسيون بتأسيس المدن الجديدة مثل بغداد وسامراء، واهتموا أيضًا ببناء وزخرفة القصور، واستمرّوا في بناء القباب على خطى الأمويين وطوَّروا من شكل المآذن. كما اهتموا بالرسوم الجدارية على خطى بوابة عشتار البابلية.

 

ويعتبر مسجد أحمد بن طولون، الخليفة العباسي، أحد أبرز معالم العمارة العباسية التي انتقلت لمصر. وقد بناه ابن طولون عام (263هـ/877م) على الطراز السامرائي حيث المئذنة الملوية المدرجة. والجامع هو الوحيد في مصر الذي لم تتغير معالمه منذ بناءه. وتمتاز وجهات الجامع الأربعة بالبساطة وليس بها من الزخارف سوى الشبابيك الجصية المُفرغة.

   

   

كذلك، جاء الفتح الإسلامي لبلاد فارس مستفيدا من ثروة ضخمة من الإبداعات الفنية التاريخية التي تضرب بجذورها في شريعة حمورابي. وقد انعكس ذلك بطبيعة الحال على العمارة الإسلامية في تلك المناطق؛ فاستخدم المعماريون الفسيفساء وشقوا القنوات ومهدوا الطرق. ويعتبر جامع أصفهان -في مدينة أصفهان الإيرانية- أحد أقدم المساجد الفارسية القائمة اليوم. ويتألف من أربع إيوانات فارسية مُزيَّنة بخطوط إسلامية وله أربعة أبواب متقابلة. وقد ضمَّته اليونسكو لقائمة التراث العالمي عام 2012م.

 

رسمة للمسجد الجامع عام 1840م وصورة فوتوغرافية حديثة له (مواقع التواصل)

    
وعليه، صبَّ تحريم تجسيد ذوات الأرواح في النهاية في قنوات جديدة أَسَّست لما يُعرف اليوم بالفنون الإسلامية. وقد ظهرت تلك الفنون ذات سردية جمالية خاصة ومتفردة. وما برحت إلا وزاد مُبدعوها على مرّ القرون وزاد من ثرائها ثقافاتٌ إقليميةٌ وروافد تاريخية خاصة بكل بلد صبَّت كلها في بوتقة واحدة، فحافظت تلك الفنون على جودتها الذاتية وهُوِيَّتِها الفريدة.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك