اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/1 الساعة 07:49 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/10 هـ

انضم إلينا
"الرومانسية".. الهروب من قيود العقلانية

"الرومانسية".. الهروب من قيود العقلانية

هند مسعد

محررة فنية
  • ض
  • ض
تطورت في أوروبا، خلال القرن الثامن عشر، حركة فلسفية وسياسية واجتماعية تعتمد على العقل كمصدر للحقيقة والتخلص من وصاية الآخرين؛ سواء كان أولئك الآخرون أديانًا أو مؤسساتٍ أو أفرادًا؛ تلك الحركة عُرفت بعصر التنوير أو الأنوار.[1]


وفيما كانت أوروبا تتجه نحو عقلنة الطبيعة، والاعتماد على العقل والفلسفة التجريبية الوضعية كمصدر للمعرفة، مضت إلى تجنيب التراث الأخلاقي والعواطف الشخصية كمحفز للسلوك الإنساني. وهو ما أسس بدوره لما يعرف اليوم بعالم الحداثة.[2] لكن بحلول نهاية القرن الثامن عشر، ظهرت حركة مضادة لها. تلك الحركة هي الرومانسية التي ركزت على المشاعر الفردية كمصدر أصيل للتجربة الجمالية. فمجدت الماضي والخيال والطبيعة بعد القطيعة التي أحدثها عصر التنوير.[3]


ظهرت الرومانسية بقوة في الفنون التشكيلية والموسيقى والأدب واتسمت بعدة مبادئ منها: أنها مجدت التقاليد والأعراف التي نظرت لها كشيء نبيل على النقيض من العقلانية  التي نظرت للتقاليد والأعراف كقوانين خانقة بالية، كما  اعتبرت الرومانسية أن أساطير العصور القديمة والشخصيات الروائية الأدبية كلها عناصر جمالية أصيلة وقيّمة، ومجّدت الحركة من حسّ البطولة والملحمة الفردية للفنانين، الأمر الذي جعل الخيال هو السلطة العليا.[4]


في مجال الفن التشكيلي، شهدت الرومانسية ذروتها منذ نهاية القرن الثامن عشر، تقريبا 1780م، وحتى أوائل القرن التاسع عشر، تقريبا 1830م. وعلى النقيض من التوجه العالمي الذي دفع له عصر التنوير، قدم رسامو الرومانسية أعمالا أكثر تعبيرًا عن الخصوصية الفردية وجمالية النفس البشرية. ويعتبر الرسّام الألماني كاسبر ديفيد فريدريك، 5 (سبتمبر/أيلول) 1774 - 7 (مايو/أيار) 1840، هو أحد رُوَّادها، وتعتبر لوحته الأيقونية "المتجول فوق بحر الضباب / (Wanderer above the Sea of Fog)"، التي رسمها عام 1818، رمزا للحقبة الرومانسيّة ككل.

 

لوحة "المتجول فوق بحر الضباب" للرسام الألماني كاسبر ديفيد فريدريك (مواقع التواصل)

 
تُظهر اللوحة رجلا يقف على حافة قمة صخرية وسط الغيوم متطلعا نحو بقية القمم الجبلية التي تُغطيها الغيوم. تمتد الغيوم في الأفق حتى تختلط بالسماء، فيما يعطي المتجول نفسه ظهره للرائي؛ فلا نعرف إن كانت اللوحة تُعبر عن تعاسة أم سعادة أم كليهما.


يرى بعض النُقّاد  أن اللوحة تستعرض المصير المجهول الذي ينتظر الإنسانية بعد الثورة الصناعية وحركة رأس المال ودخول أوروبا مرحلة الحداثة. ويغذي هذا المعنى الاسم ذاته الذي أطلق على اللوحة "بحر الضباب". فيما يرى آخرون أن اللوحة أيضًا تُركز على حجم الإنسان مقارنة بحجم الطبيعة وهي الفكرة التي ألقت بظلالها على عصر النهضة والتنوير حيث نُظر للطبيعة بأسلوب علمي تجريبي عوضًا عن أي ميثولوجيا أو أساطير تراثية.[5]


اتسعت رقعة الرومانسية وخرجت من ألمانيا وشملت إسبانيا وإنجلترا وفرنسا. ففي إسبانيا، كان فرانشيسكو دي جويا، 30 (مارس/آذار) 1746 - 16 (أبريل/نيسان) 1828، رائد الرومانسية الإسبانية بلا منازع. عكس فنّ جويا الاضطرابات الاجتماعيّة والسياسيّة في بلده. كما رسم سلاسل أعمال فنيّة صارخة في المعاناة، وتعتبر أعماله استعراضًا حيًّا للخيال ومشاعر الرعب والخوف والجنون والمصير السيء الذي ينتظر الوجود الإنساني.[6]


كما تعتبر لوحته الأيقونية "الثالث من مايو 1808" / (The Third of May 1808)"، التي تصور إعدام مواطن إسباني على يد قوات الاحتلال النابليونية، أحد أشهر أعماله، بالإضافة إلى أنها إحدى أشهر اللوحات في التاريخ. وتصور اللوحة مواطنًا إسبانيًّا يرتدي لباسًا أبيضًا وهو اللون الأبيض الوحيد في اللوحة ومركز النور فيها. يقف المواطن شاهرًا يديه للأعلى ليُطلق عليه الرصاص مِن قوات الاحتلال. فيما هو مُحاط بعدد من الجثث وعدد آخر من الإسبان الذين يغطون وجوههم بكلتا يديهم ويظهر عليهم حزن ورعب شديد.


باستثناء القميص الأبيض، كل أجواء اللوحة قاتمة وحزينة وهي سمة تميّزت بها جميع أعمال جويا السياسية. ونرى القتامة نفسها في سلسلة كوارث الحرب والتي استعرض فيها مظاهر التعذيب الوحشية التي تعرضت لها البلاد في ظل الحروب النابليونية.

 

لوحة "الثالث من مايو 1808" للفنان فرانشيسكو دي جويا (مواقع التواصل)

 
بالانتقال لفرنسا، نجد أن الرومانسية اكتسحت الفن التشكيلي بعد انتهاء الحروب النابليونية وعودة فرنسا للحكم الملكي.[7] ولعل إحدى أشهر لوحات الرومانسية الفرنسية، والتي حجزت لنفسها مقعدا وثيرا في سلاسل أشهر اللوحات في التاريخ، هي لوحة "الحرية تقود الناس" / (The Liberty Leading The People)" التي رسمها الرومانسي الفرنسي أوجين ديلاكروا عام 1830.[8] تصوّر اللوحة "إله الحرية" كامرأة مكشوفة الصدر ترفع لواء الثورة ويتبعها عدد ضخم من الفرنسيين من كافة فئات المجتمع فقراء وأثرياء وعمال ونبلاء. وفيما تقف هي بكامل قوتها، يظهر أسفل منها عدد من الجثث لثوار أموات. تعتبر اللوحة رمزا للجمهورية الفرنسية اليوم؛ كما صارت ماريان تجسيدا قوميا لفرنسا.[9]

 

لوحة "الحرية تقود الناس" للفنان الفرنسي أوجين ديلاكروا (مواقع التواصل)


في إنجلترا، يعتبر الرسام جون كونستابل، 1776 - 1837، أحد أبرز رسامي الرومانسية الإنجليزية. وقد اتسمت لوحاته، هو وعدد كبير من الرومانسيين الإنجليز، بالتركيز على الطبيعة كمصدر للإلهام. فظهرت اللوحات مهتمة بالظل والضوء والمشاهد الطبيعيّة بحس شعري صوفي على عكس النظرة المادية للطبيعة التي سيطرت في عصر التنوير.[10]


رسّام رومانسي إنجليزي آخر، هو جوزيف تارنر، 14 (مايو/أيار) 1775- 19 (ديسمبر/كانون الأول) 1851، أحد أبرز الرومانسيين الإنجليز إلى جانب كونستابل. ركز تارنر على الطبيعة كمصدر للإلهام حتى اشتهر بلقب "رسّام الضوء" لشدة ما كانت أعماله روائع في الظل والضوء. ويعتبر تارنر اليوم -عالميا- أحد أهم مَن رسموا الطبيعة وسموا بها لمرتبتها الحقيقية.[11]

  

 

هل كانت الحقبة الرومانسية أكثر حرية من عصر الأنوار؟ يتصدر سؤال: لماذا هربت أوروبا من عصر التنوير نحو الرومانسية التي اعتلت صدارة الدراسات التي تُجرى حول تلك الحقبة؟ بالنظر للخلفية الفكرية والسياسية التي نشأت على أثرها الحركة الرومانسية، نرى مقدمات منطقية لظهورها. فقد غرقت أوروبا في الحروب النابليونية من بعد الثورة الفرنسية وحتى عام 1815.


كوارث الحروب النابليونية كانت بمثابة صدمة للمجتمع الأوروبي، حتى إن الرسام الإسباني فرانشيسكو جويا صوّر مشاهد التعذيب وتقطيع الأشلاء والجثث الوحشية في سلسلة رسومات عُرفت باسم "كوارث الحرب". "فخروج الإنسان عن مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن النضج أو سن الرشد"[12] على حد تعبير إيمانويل كانت، عندما سُئل ما هو التنوير، كان خروجًا ذا وجهين.


لقد كان واضحًا أن كل شعارات عصر التنوير حول المساواة والحرية والعدل لم تتحقق. بل إن القطيعة مع الماضي والخيال لم تؤدِ إلى زيادة سلطان العقل وتوسيع رقعة المعرفة كما كان يرنو عصر التنوير فقط؛ بل حفزت من الهمجية والوحشية الناجمة عن التحرر من عقال الأخلاق والتقاليد والدين.[13] فأفكار مُفكرين وفلاسفة وأدباء أمثال روسو وكانت وفولتير حول إعلاء قيمة العقل كمهمة تربوية للمثقف للتحرر من الميتافيزيقا، والظلاميّة الدينيّة، ومن طغيان الملوك والكنيسة؛ ألقى بظلاله على أوروبا في هيئة ثورة صناعية وتوسع التجارة وحركة رأس المال ونمو سكاني وتوسع حضري.[14]


هنا، ظهرت الرومانسية كرد فعل على الثورة الصناعيّة وعصر التنوير وتقزيم الخيال والتقاليد والأديان في مقابل الاستخدام المفرط للعقلانية التي رسمت بلا أدنى مشاعر مصيرا مجهولا للبشرية بعد الحروب النابليونية. ظهرت كنوع من الحرية، وكحاجة ماسة للهرب بعيدا، للهرب من قيود العقل والتنوير التي خنقت الخيال.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك