اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/27 الساعة 16:49 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/7 هـ

انضم إلينا
أشهر اللوحات التي جسدت كآبة الإنسان وعبثية الوجود

أشهر اللوحات التي جسدت كآبة الإنسان وعبثية الوجود

هند مسعد

محررة فنية
  • ض
  • ض
"لا يملك أحد اليوم جوابا عن السؤال المتعلّق بالكيفية التي سيمكننا بها أن ننتزع أنفسنا من العبثية الكلّية لمثل هذا الوضع"
(حنّا آرنت، في العُنف)


منذ أوائل القرن التاسع عشر تقريبًا، وربما قبل ذلك، شهد العالم تراجع الميتافزيقيا عن مقام إنتاج المعنى مقابل تصدر نظريات علمية وفلسفية أخرى؛ مثل نظرية التطور لعالم الطبيعة البريطاني تشارلز داروين (1809م - 1882م)، كما ظهر أثر أفكار آدم سميث (1723م - 1790م) أبو الاقتصاد الحديث حول السوق الحر، هذا غير ظهور الدول القومية بمفهومها الحديث، أضف لذلك، الحروب العالمية والقنابل الذرية وملايين الأبرياء الذين ماتوا هونا بلا ذنب.

كل هذا ساهم في تفكيك الإنسان بمعتقداته وأسلوب حياته التقليدي ليدخل في سوفسطائيات لا تنتهي من العدمية واللامعنى. لقد بدا العالم وكأنه يهرول نحو الهاوية. فتعدد النظريات والفلسفات والأيديولوجيات لم يكن على ما يبدو دليل ثراء بقدر ما كان دليل تفسُّخ. وهربًا مِن هذا التفسُّخ أو تماشيًا، عَكس الفن الحديث في عدد مِن لوحاته قلق الإنسان الوجودي وعجزه وهشاشته النفسيّة.

نافذة جديدة على المُقدّس والميتافزيقي

في الحقيقة، يمكن اعتبار توجه العديد من الرسّامين في القرن العشرين لتمثيل قلق الإنسان الحديث على أنه محاولة فتح نافذة على المقدس والميتافزيقي. بل إن حتى ظهور مذهب فني بأسره يُعبر عن هذا القلق جعل المُقدس والميتافزيقي من أبعاد الفنّ الأساسيّة.

تلك النافذة الفنيّة، كانت نتيجة حاجة ماسة لمعنى يواجه أزمة المعنى، فخلقت مساحة رحبة للمطلق والميتافزيقي ليس بوصفهم رموزا دينية، بل إرهاصات فنية مُعادلة في القوة ومُضادة في الاتجاه لعصر التنوير برمته. فظهور مذاهب جديدة، مثل التعبيرية والتكعيبية والسريالية وغيرها، كانت بمثابة "نزعة صوفية" في الفنّ ونافذة على كل ما هو روحانيّ ومتجاوز.

لوحة  "الصرخة" لإدفارد مونش - 1893م (مواقع التواصل)


ولعل من أوائل مَن أطلّوا علينا من تلك النافذة هو إدفارد مونش بلوحته الأيقونية "الصرخة". والتي رسمها عام 1893. والتي عكست، ليس فقط ضعف وهشاشة الإنسان الحديث، بل كآبة مونش نفسه ومرضه الشخصي الذي جعله ضيفًا لا ينقطع على المصحات النفسيّة.

عكست الصرخة، والتي عُرفت أيضًا بـ(البكاء/The Cry) وبـ(صرخة الطبيعة/The Scream of Nature"،[1]) ذروة الاضطراب والقلق والانكسار الروحي الذي سيطر على حياة مونش منذ وفاة أمه بالسل وهو طفل. والقلق والانكسار الروحي الذي صاحب الإنسان الحديث ككل، وقد صور مونش هذا الاضطراب في شكل رجل يصرخ بذهول ويأس.[2]
  

"كنت أمشي في الطريق بصحبة صديقين، وكانت الشمس تميل نحو الغروب، عندما غمرني شعور بالكآبة، وفجأة تحولت السماء إلى أحمر بلون الدم، توقفت وأسندت ظهري إلى القضبان الحديدية من فرط إحساسي بالإنهاك والتعب، واصل الصديقان مشيهما ووقفت هناك ارتجف من شدة الخوف الذي لا أدري سببه أو مصدره، وفجأة سمعت صوت صرخة عظيمة تردّد صداها طويلا عبر الطبيعة المجاورة".[3]

- مونش

في اللوحة، نرى سماء شاذة تفور بالبرتقالي والأصفر ويتدفق منها الأزرق القاتم. تُعرّش على جسر طويل يقف في أوله شبح. هل تصرخ الأشباح؟ أم أن الإنسان صار شبحًا؟ يحملق في فضاء مفتوح ويطلق صرخته الأبدية. في اللوحة لا نرى شيئا طبيعيا، لا السماء هي السماء ولا الإنسان هو الإنسان. كل شيء شاذ عن هيئته ورعب ساحق ينفذ من اللوحة.

هذا الرعب ليس الذي سجله مونش، عام 1893م، عاد وسجله الرسام التكعيبي الإسباني بابلو بيكاسو، 1881م - 1973م، في لوحته "التراجيديا" التي رسمها عام 1903م. وهي إحدى لوحات الفترة الزرقاء التي أعقبت انتحار صديق بيكاسو، الشاعر الفرنسي كارلوس كاسيجماس، بدأت عام 1901م وانتهت عام 1904م. سيطرت على لوحات بيكاسو في تلك الفترة مواضيع مأساوية حزينة. واستخدم في رسمها اللون الأزرق ودرجاته بشكلٍ طاغٍ ولهذا سُميت بالزرقاء.[4]

 لوحة "التراجيديا" للرسام الإسباني بابلو يبكاسو - 1903م (مواقع التواصل)

     
"إنّ الظلال المُشرَقة والنابضة بالحياة قد لا تكون مناسبة لأجساد تعوزها الحيوية، ووجوه مُظلمة وخائفة لبشر يذبلون تحت وطأة عذاب لا يستطيعون فهمه. فبرودة الأزرق أكثر انسجامًا مع عالم المُعذَبين والمحرومين.."
[5]

- الناقد الفنّي الفرنسي فرانك إلغر
   

اللوحة مُشبَّعة بالعديد من القراءات. هل قصد بيكاسو تراجيديا المرض؟ أم تراجيديا الموت؟ أم تراجيديا الفقد؟ رُبما تراجيديا الفقر والعوز؟ أم هي، دون الوقوف على مأساة بعينها، تصوير لإحساس الفجيعة المُقترن بالوجود الإنساني على الأرض!

هناك سرديّة كُبرى تفرضها اللوحة، من مُجرد ذكر الاسم، سرديّة التراجيديا الأبدية المُلازمة للوجود الإنساني. السردية التي لا يحدها زمان. تراجيديا بيكاسو كانت نوعًا من السفر، السفر نحو الداخل الإنساني، مهما تحجر هذا الداخل بفعل تحجر الحداثة وقسوتها. سفرٌ في وجوه اللوحة المُحمَّلة ببرد وصمت ميتافزيقي طويل؛ كأنهم كانوا صامتين منذ الأزل وللأبد. لا أحد يعرف حلا أو إجابة.

هناك أرواحٌ مُعذبة ومنهكة منطوية على نفسها في حزن وصمت. تراجيديا بيكاسو كالمرآة تعكس حُزننا الصافي، حُزننا الذي لم يترك في الصدر مُتسعًا لشيء. حُزننا الأزرق شحيح الضوء قارس البرودة. حُزننا الذي لا يُشرق فيه شيء، ولا نعوّل فيه على شيء.

"مِن أين أتينا؟ من نحن؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟"[6] رُبما ما صيغ القلق الوجودي للإنسان الحديث في أبسط من تلك الكلمات. وقد كانت تلك الأسئلة الثلاثة بالكامل عنوان لوحة للرسّام الانطباعي الفرنسي بول غوغان، 1848م - 1903م، والذي أوصى أن تُقرأ اللوحة، رسمها عام 1897م، مِن اليمين لليسار.

 لوحة للرسّام الفرنسي بول غوغان "مِن أين أتينا؟ من نحن؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟" (مواقع التواصل)


وحسب القراءة من اليمين لليسار، نرى على أقصى اليمين طفلا رضيعا حوله ثلاث نساء وخلفهم اثنتان ترتديان لباس أرجواني ويتحدثن كصديقتين. يجلس بعدهم على الأرض شخص يضع يده على رأسه وينظر نحوهن. في منتصف اللوحة تماما يقف شخص يقطف ثمرة، ثم قطتان وطفل يأكل ثمره ثم عنزة يخلفها تمثال لأحد الآلهة. في اليسار، نرى امرأة تفترش الأرض بجوار امرأة أخرى مُسنّة أو رجل كهل.

غوغان؛ الذي حاول الانتحار في (ديسمبر/كانون الثاني) 1897م بجرعة من الزرنيخ، كان مريضًا وفقيرا ولا يجد أي مال للعلاج النفسي. ورغم أن المحاولة فشلت لكنها أنتجت إحدى أشهر لوحات القلق الوجودي للإنسان الحديث. المراحل العمرية الكاملة للإنسان تظهر في تلك اللوحة، من الميلاد للوفاة، في جنة استوائية بدائية.

وأفراد تلك اللوحة، مجازًا عن البشرية كلها، يشهدون على أسئلة وجوديّة عميقة تخترق الرسّام والجنس البشري بأسره وتلح للوصول لإجابة حول الشك الديني الذي غمر الإنسان الحديث، بل والشّك في غموض الحياة، وما يحدث بعد الموت، والرغبة المحمومة لدى الإنسان في الوصول بالواقع المادي المرئي الملموس  لعالم آخر لا مرئي ومطلق.


"كل هذا ينطق بالحزن الموجود في روحي وفي كل ما يحيط بي، فأنا أحلم وأرسم في نفس الوقت بلا استعارات أو مجازات ربما بسبب ضعف ثقافتي الأدبية."[7]

- بول غوغان

لوحات كآبة أم صلوات للنجاة؟

لقد آمن أولئك، وغيرهم عدّة من الرسّامين، أن للوحات أرواح. وتلك اللوحات/الأرواح إذ كانت تصرخ أو تصور تراجيديا أو تسأل عن أصل وفصل الإنسان والوجود فهي ليست مجرد لوحات كآبة أو حزن. بل صلوات استغاثة انطلقت من أرواح مُنهكة لتعبر عن جموع أخرى مُنهكة. وإذا كنت تحسن السمع ستجد أنها تقول: "رُبما يسمعنا أحد"!

هذه الصلوات كانت جسرًا يحاول بلوغ المُطلق الذي حجبه عصر الحروب العالمية والقنابل النووية. وقد نجح ذاك الجسر بلا أدنى شك كنافذة على المُقدس والمتجاوز. وتلك النزعة الصوفية للوحات الحزن في الفن التشكيلي الحديث كانت إعادة تشكيل للعلاقات مع اللامرئي والميتافزيقي، بلا طقوس أو صكوك غفران، تدعونا للنظر إلى منطقة روحيّة من أنفسنا أصابها العطب.

الرسامون، أولئك الذين حلقوا بعيدًا عن المفاهيم الكلاسيكية للمنظور والأجسام والأبعاد والأشكال والألوان، وهم بذلك سلّطوا الضوء على فكرة "هناك شيء ما لا تراه وراء ما تراه". هذا التقدم وهذه الحداثة وكل أضواء عصر التنوير خلّفت عجزًا وقلقًا وكآبة وإحساسًا لا يُمكن إنكاره بالضياع. "هل يسمعنا أحد"!

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار