اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/10 الساعة 17:22 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/23 هـ

انضم إلينا
الوهم الجميل.. هل الجمال الفاتن يساوي السطحية دائما؟

الوهم الجميل.. هل الجمال الفاتن يساوي السطحية دائما؟

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض
عندما تذكر "اللوحات الفنية" يعتقد معظم الناس أنهم سيشاهدون مناظر جميلة، مشاهد من الطبيعة المشذبة بعناية، والسماء الصافية والطيور المغردة والأزهار والأشجار في حدائق القصور، ومشاهد المخمل والحرير والدانتيل، والأطفال السعداء والنساء الجميلات وكل الأشياء التي تعكس الجمال الحسي، والتي عادة ما يعلقها الناس على جدران بيوتهم لتضفي على البيوت الجمال والدفء.

 

ساهمت لوحات الحركة الانطباعية كثيرا في تشكيل هذا التصور لدى غالبية الناس، فهي الأكثر انتشارا وشهرة بين الجمهور حتى اليوم، فمن ذا الذي لم يشاهد لوحة من لوحات مونيه أو رينوار أو إدغار ديغا؟ ليس فقط في المتاحف ولكن عن طريق النسخ التي تطبع بأعداد هائلة من هذه اللوحات، على الملصقات والمناديل، والمفكرات، والروايات الرومانسية وحتى المظلات وعلب الحلوى.

 

كان هدف الانطباعية أن تشبع العين من الطبيعة عن طريق الاهتمام بتسجيل الظاهر الحسي للأشياء، صور الجمال الفخم وسيمفونيات رائعة من التشكيل واللون، وهي تضع فعل الرؤية البسيط فوق الخيال، كما تضع الإبصار في مكان أعلى من المعرفة.

 

رسم الانطباعيون مشاهد الحياة الرغدة للطبقة الوسطى البرجوازية وصوروا مشاهد من حفلات الرقص ومن الحدائق والقصور، ومشاهد داخلية من المنازل الأنيقة، فكانت لوحاتهم تصور الأشياء الفاتنة والجذابة والتي من السهل أن يفهمها الجميع دون الحاجة إلى ذوق خاص أو ثقافة فنية، لقد كانت ببساطة مرادفا للجمال والبذخ الحسي والمتعة بمعناهم المألوف غير المثير للجدل.

 

مونيه.. فتنة الألوان وسحر الضوء
كلود مونيه، لوحة "الغذاء" (مواقع التواصل)

 

يعتبر كلود مونيه (1840-1926) رائد المدرسة الانطباعية أو التأثيرية والتي ظهرت كاستجابة ورد فعل لظهور التصوير الفوتوغرافي الذي كان يهدد مهمة الفنان التي اقتصرت في ذلك الوقت على محاكاة الواقع كما هو، لذا قرر الانطباعيون أن يتبنوا رؤية تظهر الفرق بين الفنان وآلة التصوير، فأخذوا يصورون ما يرونه وما تعكسه مشاعرهم من انطباعات سريعة تحت التأثيرات والتقلبات العابرة للضوء واللون.

 

وكان الانطباعيون مهتمين أيضا بتسجيل الأنشطة الحياتية في المجتمع الحديث، لذلك لاقت لوحاتهم قبولا لدى الناس في هذه المجتمعات، لأنها تعكس ما يمارسونه في حياتهم، وما زالت تلقى لوحاتهم قبولا كبيرا حتى اليوم، لأن جزءا ليس صغيرا من تلك الحياة ما زال موجودا وحاضرا حتى الآن.

 

يقول كلود مونيه عن لوحته "انطباع غروب الشمس" (1872-1873): "هناك شيء قمت به في بلوهافر: الشمس أظهرتها منعكسة على سطح المياه المليء بالضباب، واخترت عددا محدودا من المراكب الشراعية الصغيرة... وقلت حين ذاك: هذا ما يسمى انطباعا"، وكان يرى أن لوحته هذه ليست بالمنظر الطبيعي للبحر، ولكنها منظر يعبّر عن تغير الضوء، فهي لوحة تسجل الحالة لكنها لا تصور المنظر، وقد رسمها مونيه من خلال نافذة غرفته في الفندق الذي كان يقيم به بلوهافر، وبسبب هذه اللوحة أطلق على مونيه وأصدقائه الانطباعيون.

 

لا تصور اللوحة سطح الماء الممتد فقط، لكنها تصور أيضا أعماقه المضيئة، والسماء التي ينساب خلالها دخان المصانع باللون الأرجواني. في مقدمة اللوحة نشاهد قاربين مرسومين بلون داكن جدا بهما أشخاص يقفون بطريقة درامية في مواجهة الشمس، لكن دون مقاومة سحرها وروعتها، ورغم أن كل شيء في اللوحة غائم وضبابي وغير محدد بوضوح، إلا أن هناك بنية هندسية خفية وراء التكوين.

 

 كلود مونيه، انطباع - غروب الشمس (1872-1873م) (مواقع التواصل)

 

صور مونيه الكثير من موضوعاته عدة مرات على مدار اليوم، لكي يسجل انعكاس الضوء في الأوقات المختلفة من اليوم والاختلافات الدقيقة التي يحدثها، ضمن هذه الموضوعات سلسلة  "أشجار الحور"  التي كان يرسمها في الهواء الطلق بقارب صغير في النهر، والتي رسم منها 23 لوحة بديعة.

 

لقد كان لدى مونيه رغبة متعطشة لتصوير جمال العالم الذي يراه من حوله، لذلك خلبت هذه النباتات خياله، فعندما كان مونيه يعمل على رسم هذه السلسلة، وجد أن مجموعة من مالكي أشجار الحور سيقومون بقطع الأشجار وبيع خشبها، والتي كانت زرعت أصلا لأغراض تجارية وليست جمالية، مما جعل مونيه يدفع بعض الأموال لكي يُبقي ملاك الأراضي على الأشجار حتى نهاية فصل الخريف، على الأقل حتى ينتهي من رسم هذه السلسلة.

 

كلود مونيه، نبات الحور (1891) (مواقع التواصل)

 

تصور هذه اللوحة أجواء الطبيعة وأثر الضوء الرقيق عليها والإحساس القوي بالريح، بالإضافة لدلالة شجرة الحور الرمزية التي ترمز إلى الحرية، لقد كانت هذه الشجرة منذ الثورة الفرنسية هي شجرة الحرية عند الفرنسيين، ربما أراد مونيه في ذلك الوقت أن يحتفي باستقلال وطنه وليس بالجمال فحسب.

 

تعج لوحات مونيه بالزهور والورود، وكان يقول إنه لو لم يصبح رساما ربما كان سيعمل مزارعا أو بستانيا. رسم مونيه أولاده مرارا وسط الزهور، لقد كان يحبها مثلما يحب أبناءه، في لوحة "حديقة الفنان" صور مونيه أولاده وهم يلبسون الأبيض وسط الزهور التي تعكس التباين الواضح بين ألوانها المشرقة وطولها وبين الملابس البيضاء وصغر حجم الأطفال.

 

 كلود مونيه، حديقة الفنان، (1880م) (مواقع التواصل)

 

عاش كلود مونيه بعض الوقت في ضاحية أرجنتويل بباريس، ورسم لها لوحة "جسر أرجنتوي" (1874)، وكان الناس يهربون من صخب المدينة إلى هدوء هذه الضواحي، حيث يمكنهم التنزه وركوب القوارب والصيد، تظهر اللوحة جمال المكان وعبقرية رسم الضوء في يوم صيفي رائق.

 

يغلب على هذه اللوحة اللون الأخضر المائل إلى الزرقة، وتظهر اللوحة مدى القدرة العاكسة لسطح الماء، تروق للعين الطريقة التي رسم بها مونيه هذه اللوحة؛ بسبب اللون الأخضر الذي يساعد العين على الشعور بالاسترخاء والهدوء، ولون المياه الأزرق الذي يشعر المشاهد بالانتعاش والنشاط.

 

 كلود مونيه، جسر الطريق السريع في أرجنتوي (1874) (مواقع التواصل)

  

لم يكن مونيه يصور المشهد كما يراه فحسب، إنما كان يحمّله بمشاعره وبحالة الطقس أيضا في تلك اللحظة، ففي هذه اللوحة "السير على المنحدر في بورفيل" يجعلنا مونيه نشعر بقوة الهواء المنعش الذي يضرب وجه الفتيات، ويحرك ملابسهن، إلى حد أننا نكاد نسمع صوت الملابس المتطايرة.

 

وكعادته يمسك بالألوان البديعة من حوله في صورة رائعة لامرأتين تقومان بنزهة في يوم صيفي جميل فوق أحد المنحدرات، يقع أغلب الناس في حب هذه اللوحة بسرعة لأن معظم الناس حتى الآن مازالوا يقومون بنزهات مشابهة على الشواطئ في أيام العطلات، إن جمال هذه اللوحة المدهش يظهر في التوليفات اللونية المذهلة، انسجام وامتزاج بين الأحمر والأخضر والأزرق والأرجواني، تعكس هذه الألوان الفاتحة الضوء فنشاهد لوحة مشرقة تلخص كل سحر الانطباعية.

 

استمر مونيه في رسم مظاهر النعيم والرفاهية في حياة الطبقة الوسطى البرجوازية، مما جعل لوحاته كلها تقريبا لا تعكس سوى الراحة والاسترخاء والاستمتاع وجاذبية الطبيعة وجمالها الساحر... لكن هل هذه هي الحقيقة؟ هل الفن الأصيل رفاهية وإراحة للعقول المتعبة بعد يوم شاق؟ هل هو متعة خالصة كما يظن البعض؟

 

كلود مونيه، السير على المنحدر في بورفيل (1882) (مواقع التواصل)

 

الفن.. متعة أم معاناة؟

وراء كل نظريات علم الجمال المختلفة تتلخص فكرتان أساسيتان، الأولى تقول بأن الفن للفن فهو متعة خالصة، والثانية تقول بأنه انعكاس لشي ما. ويرى ديكارت أن الرائع هو الذي يريح العينين، ويعتقد هيغل أن الفن هو مملكة الرائع، الفن عندهم أحد مصادر الشعور بالراحة والمتعة، ويرى شيلر أن الفن وعد بالسعادة، يقول: "وسط مملكة القوى المخيفة، ووسط مملكة القوانين المقدسة، تقيم الفطرة الجمالية، خفية، المملكة الأبهج، مملكة اللعبة والوهم، حيث تُنحّى عن الإنسان قيود كل الظروف، ويتحرر من كل ما يضغط عليه جسديا ومعنويا".

 

ويقول ماتيس: "أحلم بفن التوازن والنقاء والطمأنينة، الخالي من الموضوع المغلق أو الصعب، الذي سيكون لكل شخص وسيلة طمأنينة، استراحة للذهن، أو ما يشابه مقعدا مريحا يصلح للتخلص من التعب الجسدي"، يؤمن الكثير من المبدعين والمشاهدين الذين تهمهم تغذية المتعة الشعورية بوجهة النظر هذه، فهم يرون أن الفنان يختار بحرية تامة لوحاته، ومن الغريب ألا يختار الأكثر جاذبية، فإذا أتيح لنا أن نختار أحلامنا، فهل نختار كوابيسا أم أحلاما هانئة؟

 

لقد اختار الناس الفنان كلود مونيه عندما حققت البطاقات البريدية المطبوع عليها لوحته "بركة زنابق الماء" (1897) أعلى المبيعات، وما زالت معارضه تحقق أعدادا مذهلة من الزوار، وتزين صور لوحاته جدران ملايين المنازل، تلبي لوحات مونيه حاجات جمالية بسيطة ومباشرة وكثيفة، مما يجعل الجميع يتمكن من فهمها والاستمتاع بها بسهولة تامة دون بذل أي جهد، وهذا تحديدا "ما يثير قلق النقاد الجادين"، لا يشعر النقاد  بالارتياح حيال هذه الرؤية للفن، يقولون إن حب هذا النوع من الجمال بغرض المتعة فقط يعد فشلا في الذوق والذكاء، ولا يعتبرون هذا فنا ذا مستوى رفيع، مما يجعلنا نتساءل، هل الفتنة والجاذبية مساوية دائما للسطحية؟

 

 كلود مونيه، بركة زنابق الماء (1897) (مواقع التواصل)

 

إن فن ماتيس ومونيه وغيرهما من الفنانين الذين تبنوا الميل التزييني في لوحاتهم، قد أثرى الفن الحديث بعناصر تجديدية لا جدال في ذلك، وكان فنهم حقا ممتعا وجذابا ويمنح المشاهد سعادة مؤقتة ومتعة فورية، لكن بيكاسو كان قاسيا بشدة حيال اللوحات التي تلعب دور الجنة أو الزينة، لقد كان يشعر بالحنق من كلمة زينة بحد ذاتها.

 

يقول بيكاسو: "إن المسمار في الجدار الذي تعلق به اللوحة يقتل التصوير، واللوحة تحمل المغزى الذي لدى الفنان واضعها، وفي اليوم الذي يشترونها فيه ويعلقونها على الجدار، تكتسب مغزى آخر تماما ويسقط التصوير"، ونحن جميعا نعلم جيدا أي نوع من اللوحات ذلك الذي يعلقه الناس على الجدران.

 

 لوحة أزهار الخشخاش لكلود مونيه مستخدمة كديكور تزييني (مواقع التواصل)

 

لذلك يرى "ديبداس شاترجي" أن الانطباعية تقدم لنا نظرة سطحية جدا عن الأشياء، بينما التكعيبية مثلا تتعامل مع الأبعاد الباطنية للأشياء، وتعكس تركيبها الأساسي، والفن في رأيه لا مفر من أن يكون بهذا الشكل في عصر قسمت ظهره الكوارث والفواجع، ومن الطبيعي أن تطفو على السطح هذه المرارة، وتكون أعظم قطعة فنية في العصر الحديث هي لوحة "جرنيكا" لبابلو بيكاسو والتي تصور أهوال الحرب.

 

يعود قلق النقاد من الصور الجميلة إلى سببين، الأول هو اعتقادهم بأن الصور التي تركز على الجمال والفتنة الحسية هي صور تغذي العاطفة، وبالتالي تضعف القدرة على التفكير النقدي المعقد الذي من خلاله نتمكن من فهم واستيعاب جوهر المشكلات التي يمتلئ بها العالم، والسبب الثاني هو الخوف من التأثير المخدر لهذه الفتنة والذي قد يعمينا ولو جزئيا عن رؤية الظلم والشرور من حولنا.

 

 لوحة جدارية للفنان بابلو بيكاسو استوحاها من قصف قرية جرنيكا، حين قامت طائرت حربية ألمانية وإيطالية مساندة لقوات القوميين الإسبان بقصف المدينة في 26 أبريل 1937 (مواقع التواصل)

  

كأن اللوحات الجميلة تدفعنا للاعتقاد أننا إذا أردنا أن تصبح حياتنا جميلة، علينا أن نجمل بيوتنا بشيء من الأزهار الاصطناعية، وإن صحّ لنا أن نسأل الصورة عن المشاكل التي يعانيها العالم، فمن الممكن أن تقول "ليس لديكم ما يكفي من الحدائق والأزهار"، وهذه الاستجابة بالطبع تدير ظهرها للمشاكل الحقيقية التي تواجه البشرية.

 

لكن جون أرمسترونج وألان دو بوتون يريان في كتابهما "الفن كعلاج"، أن هذه المخاوف ليست في محلها، لأن هذا الجمال لا يعكس سطحية في فهم المشكلات بقدر ما يمنح الناس بعض "الأمل"، الذي هو بحسب وصفهما، يعد مهارة نفسية تساعدنا في السعي نحو حياة أفضل، فالإنسان الباسم يبدو أقل قابلية للحرج في مواجهات الحياة، يقول دو بوتون إن غالبية الناس لديهم الكثير من المشكلات في حياتهم، لأن الألم والمعاناة جزء أساسي من تجربة الوجود، لذا فهو يرى أننا نحتاج ما يذكرنا بالجانب الآخر والذي هو في الغالب أقل حضورا بينما تغلب المشكلات والمعاناة على الحياة.

 

إن مونيه نفسه عانى في بعض فترات حياته من الرفض والفشل والفقر المدقع، فأثناء رسم لوحته "شـرفـة على شاطـئ سينـت آدريـس" كان مونيه يعاني من الفقر الشديد الذي استمر معه طوال فترة الستينيات من القرن الـ19، بسبب غضب والده لعدم تعلم ابنه الفن في إيكول دو بوزار بباريس، وبناء عليه قطع عنه المعونة الشهرية مما تسبب في خلق مشكلة مادية لمونيه، الأمر الذي جعله يعطي هذه اللوحة لزميله بازيل كي يبيعها ويقول له: "حاول أن تجد لي 100 فرانك فإني أتضور جوعا"، وبالرغم من ذلك رسم هذا المشهد الذي يعكس الثراء، و يؤكد قدرته على مجابهة المصاعب والتكيف مع الظروف السيئة.

 

كلود مونيه، شرفة على شاطئ سانت أدرس، 1867 (مواقع التواصل)

 

مثّل مونيه معني الجمال العابر المباشر الذي نستمتع به وبأناقته، وربما ليس من المقلق أن يحب الناس الفن الذي يهدف إلى المتعة الجمالية الغرائزية والمباشرة، على ألا يكون هذا النوع هو التعريف الوحيد للفن في وعي المجتمع، خصوصا في عصرنا الذي ينتشر فيه كل ما يسهل استهلاكه.

 

يقول بوغوميل راينوف: "ثمة أناس -ليسوا قلة- يفضلون مشاهد مونيه والأجساد العارية لرينوار، على نتاج يعبر عن الضيق والقلق والمأساوية، هذا طبيعي ويجب ألا يضايقنا، لكن المشاهد المتأني سيكتشف حتى في المواضيع غير المفرحة نبعا غزيرا للمتعة، فأمام هذه الموضوعات يشعر الإنسان أنه أكثر إنسانية، فأمامها، تحديدا، يشعر أنه لا يتلقى فحسب إنما يعطي شيئا من قلبه، ولقلب الإنسان صفة غريبة، إذ يغتني بقدر ما يعطي؛ والإنسان غير المؤهل للمعاناة الروحية الحقة يكون في الوقت نفسه غير أهل للمتعة الروحية الحقيقية، فبالمعنى الروحي تكون المعاناة والمتعة وجهان لأصل واحد".

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار