اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/17 الساعة 16:27 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/2 هـ

انضم إلينا
"حركة دادا".. كيف تحطم السخرية مظاهر الفن؟

"حركة دادا".. كيف تحطم السخرية مظاهر الفن؟

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض

 في عام 1917، طُرحت دعوة عامة من قبل مجموعة من "الفنانين المستقلين" تقول: باستطاعة أي شخص قادرعلى دفع ستة دولارات أن يشارك في المعرض. وفي يوم العرض فوجئ الجميع بوجود "مبولة" بإمضاء (R.mutt) معروضة ضمن المشاركات! مقدمة تحت اسم "النافورة". دفع المشترك صاحب "المبولة" الستة دولارات لكن اسمه لم يدرج ضمن المشاركين؛ فقد رُفضت "المبولة" من قبل المعرض، لكن قصتها لم تنته هنا.. لقد تحولت هذه "المبولة" إلى واحدة من أهم النقاط الفاصلة في تاريخ الفن.(1)

 

بين صفحات تاريخ الفن التي تحمل بين طياتها أجمل اللوحات والأعمال الفنية، توجد صفحة تبدو مزعجة، تحمل صورة فوتوغرافية للمبولة جاهزة الصنع، التي عُرف في ما بعد أن الذي قدمها للعرض هو مارسيل دوشامب (1887 - 1968) والذي كان واحدا من الفنانين المستقلين، إلا أن تنظيم المعرض الذي أقامته جماعة الفنانين لم يعجبه، فقرر أن يداعبهم، وسلم لهم عمله المسمى بالنافورة تحت اسم مستعار! (2)

 

في ذلك الوقت كانت الحرب العالمية قد دمرت كل شيء، وتركت أوروبا تعاني من جنون نتائجها المريرة، كانت فترة تغير عنيف، وكان الكثير من الفنانيين يعتبرون قرار الحرب مُعبِّرا عن المذهب العقلاني، فالعقل هو الذي أدى إلى اتخاذ قرار الحرب بدعوى أنها ستحدث تغييرا في شكل المجتمع الأوروبي إلى الأفضل، لكن بعد الخراب والدمار والمجازر كان كل شيء واضحا؛ كره الفنانون كل ما هو مرتبط بتلك الفترة التي سيطر فيها التفكير والثقافة المادية العقلانية وبدأت مذاهب مختلفة وغريبة جدا في الظهور في أوساط الفن والأدب، ساوى أتباعها بين الحرب التي كانت رحاها تدور وبين قناعة مفادها أن القِيم المرتبطة بفن ما قبل الحرب كانت إلى حد كبير قِيَما فاسدة.(3)

  

الحركة الدادائية.. فن ضد الفن
صورة فوتوغرافية للمبولة التي قدمها مارسيل دوشامب 1917 (مواقع التواصل)

 

في إحدى أمسيات 1916، في البلد الوحيد الذي لم يقع في شراك الحرب بشكل مباشر، في سويسرا، التي كانت لهذا السبب ملجأ للكثير من الفنانين والمثقفين، ولدت الحركة الدادائية في مقهى بمدينة زيوريخ في الثامن من فبراير؛ كان سببَ وجودهم في زيوريخ موقفها الحيادي في الفترة التي كانت فيها أوطانهم منخرطة في معترك الحرب العالمية الأولى. مجموعة من الفنانين والشعراء أعمارهم جميعا حول العشرين، قرروا اختيار اسم لطريقة تفكيرهم وفهمهم للأدب والفن والموسيقى والفكر، فتناولوا قاموسا لغويا كان بالصدفة معجم (لاروس) وفتحوه على أي صفحة، فكانت الكلمة الأولى التي ظهرت لهم هي كلمة (DaDa) والتي لا تعني أي شيء، هي مجرد جذر لغوي، فاختاروها اسما لمذهبهم..(4)

 

سرعان ما انتشرت الدادائية في أوروبا وأميركا، يقول أحد مؤرخي الأدب الفرنسي: "أنه لم يوجد على الإطلاق حركة فكرية يصعب نسبتها إلى بلد معين مثل الدادئية، فهي حركة بطبيعة الظروف المحيطة بها كانت عالمية وكانت الظروف جميعها مهيأة لاستقبالها، وذلك سر انتشارها السريع"، يقول تريستان تزارا أحد مؤسسي الحركة: "لكي تفهم الدادائية، وكيف ولدت ينبغي أن تتخيل من ناحية الحالة الفكرية لمجموعة من الشباب في ذلك السجن الذي كانت تملؤه سويسرا أثناء الحرب العالمية الأولى، ومن ناحية أخرى تتخيل المستوى الذي وصل إليه الفن والأدب في تلك الفترة.

 

في سنوات 1916 و 1917 كان يبدو لنا أن الحرب ستستمر دائما، ولم نكن نرى لها أي نهاية... كانت رغبتنا في الحياة كبيرة، وكان رفضنا وعدم تذوقنا لكل ألوان الحضارة التي تسمى بالحديثة حتى في جوهرها ذاته.. للمنطق وللغة.. وكان الرفض يأخذ شكل السخرية والإزدراء... ولا ينبغي أن ننسى أن الجوهر الإنساني الحقيقي في الأدب كانت تغطيه طبقة عاطفية زائفة، وكان الذوق أو اللا ذوق البرجوازي يهيمن على كل مجالات الفن والأدب".(5)

 

"لقد رأتِ الدادائيةُ نفسها تحديدا معنِية بإعادة تمثيل الاضطراب النفسي الناجم عن الحرب العالمية الأولى"
 (ديفيد هوبكنز)

  

عمل لمارسيل دوشامب بعنوان "الاستخفاف نعم ولماذا لا روز سليفي؟"، 1921/1964
جاهز التصنيع 152 مكعبا من الرخام في شكل مكعبات سكر + ترمو متر + عظمة سمكة الحبار في قفص للعصافير.(6) (مواقع التواصل)

    

بهذه الطريقة ولدت الدادائية وأصبح اسمها الذي لا معنى له رمزا للسخرية من المعنى ذاته، ومن كل دلالة ثابتة للأشياء؛ يقول أحد الشعراء الدادائيين:

دادا لا يتكلم وليس له أفكار ثابتة

دادا لا يلتقط الذباب

دادا موجود منذ البدء

والعذراء مريم كانت دادائية

دادا ضد غلاء العيش

دادا ضد المستقبل

دادا مات

دادا مغفل

دادا يشك في كل شيء

لا تثق في دادا

دادا أكبر محتال في هذا العصر

دادا لا معنى له

دادا دولة داخل الدولة

دادا لا معنى له.

  

ترفض القصيدة هنا حصر المعنى في شيء محدد، كان هذا مبدأ الدادائيين، فمارسيل دوشامب الذي يعد أحد أهم رواد الحركة الدادائية يجيز كل التفسيرات لفنه، حتى التي يقال عنها إنها بعيدة، لقد كان يعتبر الآراء المختلفة تعبر عن إبداعات المتلقين لأعماله.(7) وكانت فلسفتهم أنه لكي يناظروا الخراب والدمار الذي حل بالعالم فلابد من خلق فن يناقض الفن ذاته وأطلقوا على هذا المنهج "ضد الفن"، وكان من شعاراتهم "كل شيء يساوي لا شيء، إذن لا شيء هو كل شيء".(9)

   

عرض لمكونات معرض الدادائية الدولي الأول، برلين، يونيو 1920 (مواقع التواصل)

    

يقول ديفيد هوبكنز عن الدادائية: إنها "سَعَتْ إلى قلب الأفكار البرجوازية التقليدية في الفن. في الغالب، كانت تلك الحركة مناوِئة بشَكْل جريء للفن، والأهم من ذلك كله أن المشاركين فيها أمثال: مارسيل دوشامب، وفرانسيس بيكابيا، وتريستان تزارا، وهانز آرب، وكورت شفيترز، وراءول هاوسمَن، وضعوا حبَّهم للمُفارقة والوقاحة في مقابل جنون العالَم الذي جُنَّ جنونه، وذلك بينما كانت الحرب العالمية الأولى تستعر في أوروبا".(10)

 

لقد كانوا يكرهون بشدة القيم البرجوازية والصبغة الاحترافية للفن: "إذا كان الرسم بالزيت والنحت بصب النحاس مرادفَيْن لبيوت أبهاء الطبقة الأرستقراطية من الداخل، فسيجمع أتباعُ الدادائية بِنى جديدة من قصاصات ورقية أو أغراض موجودة سلفا. وإذا كان الشِّعْر مرادفا للوعي المصقول، فسيلوون ذراعه ويفككونه ويعِيدون توجيهه إلى شكل من أشكال الثرثرة والتعاويذ. لقد كانوا كمجموعة متحدِين في كُرْهِهم إضفاءَ الصبغة الاحترافية على الفن، فكانوا ينظرون لأنفسهم باعتبارهم مخرِّبين ثقافيين، لكنهم لم يكونوا يرفضون الفن بحد ذاته بالضرورة، بل يرفضون الطريقة التي خدم بها الفن تصورا بعينه للطبيعة البشرية.(11)

 

"لمَّا شعرنا بالاشمئزاز من وحشية الحرب العالمية التي اندلعت عام 1914

كرسنا أنفسنا في زيوريخ للفنون. وبينما كانت أصوات المَدافِع تدوي بعيدة،

طفقنا ننشد ونرسم ونصنع لوحات من الكولاج ونكتب الشعر بكل ما أوتينا

من قوة؛ كنا نبحث عن فن يستند إلى الأسس لنداوي به جنونَ هذا العصر،

كنَّا نبحث عن نظام جديد للأشياء من شأنه أن يُعِيد لنا التوازنَ ما بين الجنة والنار"

(آرب)

    

مارسيل دوشامب.. الأفكار أهم من جمال الصنعة
أعمال جاهزة الصنع لمارسيل دوشامب، على اليمين حاملة عنق الزجاجة 1914-1964، وعلى اليسار العجلة 1913 (مواقع التواصل)

  

هزت "المبولة" التي عرضها دوشامب القيم الفنية المعروفة وشكلت صدمة كبيرة، ليست لأنها مبولة فقط لكن لأنها أيضا مصنوعة بشكل جاهز وليس دوشامب من قام بصنعها، وبالتالي يمكن استنساخ عمله الفني بسهولة شديدة، وهو الشيء الذي يُفقد العمل الفني قيمة الفرادة، لكن دوشامب كان يقصد ما فعل تماما، فهو ينفر من ارتباط (الصنعة) بالفن البصري ويؤمن بأن الأفكار يجب أن تحل محل المهارة اليدوية، باعتبارها المكونات الأساسية للأعمال الفنية.(8) يقول ديفيد هوبكنز:

 

"كان دوشامب قد صاغ ما وصفه بأنه موقف معاد للبصر في ما يتعلّق بالابتكارات البصرية التي استحدثها في الفن الفرنسي ماتيس من ناحية، والتكعيبيةُ من ناحية أخرى. وقد لازمَتْ كراهيةُ دوشامب للفن الذي يستميل العينَ وحدها دون العقل، سخرية من الآثار التي تركها عصرُ الآلة على النفس البشرية"... "إن نفور دوشامب من ارتباط الصنعة بالفن البصري وإيمانه بأن الأفكار يجب أن تحل محل المهارة اليدوية باعتبارها المكونات الأساسية للأعمال الفنية، هما اللذان أفضيا إلى اختياره عناصر جاهزة باعتبارها أغراضا فنية".(12)

 

طرح عمل دوشامب الكثير من الأسئلة بخصوص ماهية الفن، فما هو الفن إذن وما الذي يمكننا أن نلقيه خارج نطاق الفن؟ فتحت هذه التساؤلات الكثير من النقاشات حول كل التعريفات السابقة لما يعنيه الفن، لقد عمل دوشامب على أن يبعد التركيز عن العمل الفني نفسه ويلقي الضوء على ما يعنيه العمل من مفاهيم وأفكار، لذا يرى النقاد أن كل الفن بعد دوشامب هو فن مفاهيمي؛ حطم دوشامب مفهوم فرادة العمل الفني، فأعماله لا تحتاج لعرضها أن يتم نقلها من بلد لآخر، ببساطة يمكن إعدادها في أي مكان.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار