اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/3 الساعة 17:47 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/16 هـ

انضم إلينا
أكثر من 900 لوحة.. كيف صور "سيزان" سحر الطبيعة؟

أكثر من 900 لوحة.. كيف صور "سيزان" سحر الطبيعة؟

بول سيزان، جبل سانت فكتوار 1885-1887

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض
 

أريد أن أصور عذرية العالم

 (سيزان)

  

أراد أن يكون شاعرا لكنه أصبح رساما، فبدلا من الشعر الذي كان ينظمه صغيرا باللاتينية والفرنسية، قرر (بول سيزان 1839- 1906) أن يكتب الشعر بلغة الألوان التي يفهمها الجميع. في البداية كان يكتب في لحظات الكثير من أبيات الشعر باللاتينية مقابل فلسين، وكان ينشد قصائد كاملة لفيكتور هوجو أثناء نزهاته الطويلة مع صديقه إميل زولا في الحقول. كان زولا يرى أن سيزان أفضلهما شعرا إذ قال: "لعل أبياتي أصوب من أبياتك نظما، لكن أبياتك دون ريب أشعر وأصدق، فشعرك يصدر عن القلب وشعري عن العقل" ربما أراد سيزان بقرار تحوله إلى الرسم، عدم الدخول في منافسة مع صديقه إيميل زولا الذي كان قد دخل بالفعل عالم الأدب. (1)

 

كان سيزان مفتونا بجمال الطبيعة، فأكثر موضوعاته شهرة هي لوحات المناظر الطبيعية التي رسمها في "سانت فكتوار" ولوحات الطبيعة الصامتة التي رسمها للفاكهة والنبيذ. ربما يرجع ذلك إلى نشأته في مدينة صغيرة ذات طبيعة خلابة في جنوب فرنسا اسمها (إيكس -آن- بروفانس)، حيث تتلألأ أشعة الشمس الذهبية على الحقول الخضراء والمراعي الواسعة. وقد استمر سيزان في التردد علي إيكس بعد سفره إلى باريس لكي يتسكع مع رفاقه القدامى ويطوفون في الريف يستمتعون بعبق وهاده ودروبه، "يسيرون إلى جوار أشجار الزيتون والصنوبر الأخضر وتحت أشعة الشمس المشرقة أمام خليج مارسيليا الأزرق".

  

يقول زولا عن هذه النزهات (2)"خلال الشتاء كنا نعشق البرد والأرض التي صلبها الجليد وكنا نذهب لنأكل عجة البيض في القرى المجاورة، وفي الصيف كانت لقاءاتنا كلها تنعقد على ضفاف النهر". أحب سيزان مدينة إيكس أكثر من أي مكان آخر، وشكلت هذه التجربة خيال ومشاعر سيزان، فأخذ ينهل من وحيها الكثير من اللوحات على مدار حياته، وفي عام 1901 اتخذ لنفسه مرسما هناك بين أشجار الزيتون والتين، في منطقة تسمي (هضبة لوف)، وخلال عشرة أشهر كان المرسم جاهزا لاستقبال سيزان وأصدقائه الفنانين. (3)

   

بول سيزان، جبل سانت فكتوار 1882- 1885

   

على بعد كيلومترات قليلة من مدينة إيكس يقبع (جبل سانت فكتوار) شاهدا على حدث تاريخي قديم يعود لعام 102 قبل الميلاد، حين أشعل الرومان نيرانهم على قمة هذا الجبل الكلسي الأزرق اللون "احتفالا بتغلبهم على البرابرة"، وسمي الجبل (فكتوار) تيمنا بالنصر الذي تحقق. لكن شهرة الجبل حاليا لا تعود لهذا الحدث بقدر ما ترتبط بجمال الطبيعة في هذه المنطقة والتي ساهمت لوحات بول سيزان في إضفاء مكانة جمالية خاصة على مكانتها التاريخية فأصبحت مزارا سياحيا بامتياز، ربما جعل سيزان من هذا الجبل أهم جبل في تاريخ الفن. (4)

 

رسم سيزان جبل سانت فكتوار في 44 لوحة زيتية و43 لوحة مائية، ولم يمل الفنان الدوران حوله، فكان يرسمه أحيانا من خلال أشجار الزيتون أو مع أشجار الصنوبر أو يراقبه عن قرب في حديقة الشاتو نوار. يحضر الجبل في اللوحات "كجبل مقدسي يهيمن نوره الكلسي على المنطقة، ويظهر عليه ذلك الاستقرار الذي كان يميز الأشكال التي كانت ترسمها ضربات ريشته، لكنه يختلف عنها بتلك الأناقة الغرافيكية المغرورة التي يسبغها الفنان عليه، فتجرده أحيانا من سموه، وأحيانا أخرى تدخله بقوة استثنائية في وحدة المشهد، كان يحب أن يرسمه كأغلب المناظر الطبيعية، خاليا من أي مخلوق حي". (5)

 

يبحث سيزان في كل مرة عن النقطة التي يمكنه منها بدأ اللوحة، فالمناظر الخلابة وحدها لا تكفي، يجب أن يشعر أن بها شيء ما يستحق الرسم، وطالما لم يجد النقطة التي يبدأ منها رسمه، لم يعني له ما يراه أي شيء، يظل مجرد "منظرا خلابا"، كتب مرة لصديق له أثناء زيارته لجبال الألب: "لدىّ هنا بعض المناظر الرائعة، لكن ليس فيها ما يُرسم"، ربما لم يرسم سيزان سوى الأماكن التي تركت أثرا في روحه، مشاهد الريف والنهر في بلدته وأطباق التفاح والفاكهة من بيته، لقد كان يرسم مشاعره الداخلية وليس المناظر التي كان يراها.

    

المشهد الطبيعي يصير شيئا تتحرك فيه انسانيتي، يحاورني ويعكس ما لدي

(سيزان)

    

على اليمين لوحة لجبل سانت فكتوار رسمها سيزان وعلى اليسار صورة فوتوغرافية للجبل

    

أشجار حانية أمومية

يساعدنا الشاعر والفنان على اكتشاف الفرح الذي يمكن أن نشعر به داخلنا عندما نشاهد شيئا ما مهما كان مألوفا بالنسبة لنا، فنحن في الغالب رأينا الكثير من الأشجار خلال حياتنا، لكنها لم تشعرنا بذلك الوجد الذي شعر به جول سوبرفيل حين قال:

   

الأزرق المشرق في الفضاء
حيث ترتفع كل شجرة لأوراق النخيل

بحثا عن روحها

   

هكذا أصبح لصورة الشجرة في ذهننا روح، وعندما نرى شجرة مرة أخرى ربما نشعر بما شعر به هنري بوسكو حين قال: "شجرة طويلة مرتعشة تحرك الروح دوما". كذلك كان "سيزان" مشغولا في كل لوحاته بالبحث عن تلك الروح، عن حقيقة الأشياء وجوهرها، فكان يرى الطبيعة أكثر عمقا وغورا مما يبدو على سطحها. لقد رأى الأشجار بطريقة لم يراها بها أحد من قبل، يقول رولو ماي عنه "أن الشجرة قد أطبقت عليه"، إذ امتص إدراكه الحسي وبنيته العصبية شموخ الشجرة وانتشارها الحاني الأمومي والتوزان الرقيق في تشبثها بالأرض. ولكي يصور لنا تلك الروح كما رآها اقتضى الأمر حذف بعض جوانب المشهد والتأكيد على جوانب أخرى، فرؤيته لم تعد الآن شجرة، بل "الشجرة". يكتب رولو ماي:(6)

 

"هذا التصوير الذي يصدر عن المواجهة بين إنسان هو سيزان وواقع موضعي هو الشجرة، هو مواجهة جديدة وفريدة وأصيلة بالمعنى الحرفي. فها هو شيء يولد، يأتي للوجود، شيء لم يكن له وجود من قبل، وهذا تعريف جيد للإبداع نستطيع أن نضع عليه أيدينا، وكل من يأتي بعد ذلك ليشاهد اللوحة بشدة في الوعي، ويتركها تتحدث إليه، سيرى الشجرة بالحركة القوية الفريدة، وبالحميمية بين الشجر والمنظر الطبيعي، والجمال المعماري الذي لا يوجد حرفيا في علاقتنا بالأشجار حتى جاء سيزان بتجربته ورسمها، وأستطيع أن أقول بلا مغالاة أنني لم أشاهد أبدا شجرة حقا حتى رأيت واستوعبت رسومات سيزان لها". (7)

     

إن اللون شيء يمتلك روحا، إنه حي، وهو وحده ينفخ في الأشياء الحياة

(سيزان)

    

سيزان، 1883-1885

     

وتعد لوحات الطبيعة الصامتة من أكثر الموضوعات ما اشتهر بها سيزان، خصوصا اللوحات التي صور فيها الفاكهة مرارا مع الأباريق ومفارش الطاولة وزجاجات النبيذ، ورغم أن تلك الموضوعات تسمى طبيعة صامتة، إلا أن اللوحات التي رسمها سيزان كان تنطق بالحياة، لكنها حياة من نوع مختلف، فقد "كان اهتمامه ينصب على روح السر الكامن في المقاومة التي يبديها شيء ذو سمات خاصة، في مواجهة الفهم". لابد أن سيزان قبل أن يرسم تلك الفاكهة تأملها كثيرا، تلك التفاحات التي هي عادية بالنسبة لنا قد سلبت لب الفنان لفترات طويلة، كم من الوقت لابد وأنه استغرقه التفكير في هيئتها، في القشرة الرقيقة جدا الذي تحيط بها بإحكام، في سكونها الغريب، وربما كان يقول لنفسه أليس أمرا حزينا ألا تكون واعية بفائدتها وجمالها. (8)

 

وعن تفاحات سيزان كتب سيروسير قائلا: "يمكن للمرء أن يقول عن تفاحة خلقتها أصابع فنان متبلد الإحساس، هذه التفاحة أستطيع لها التهاما، أما عن التفاحة التي رسمها سيزان، فللمرء أن يقول إنها رائعة. إذ لا تجرؤ نفس على المساس بها لتنتزع منها قشرا، وإن المرء ليحدوه شعور جارف لاستنساخها، لأن هذا المكان هو الذي استقرت فيه روحية سيزان، لقد آثرت كلمة (روحية) على كلمة (مثالية) تعمدا، لأن التفاحة المثالية تثير شهوة الفرد، بينما كانت تفاحة سيزان تحاور الروح خلال التطلع إليها".(9)

 

إن كل ما خلقت ضربات فرشاتي شبيه بقطع من دمائي ممزوجة بشيء قليل من دماء نماذجي تحت وهج الشمس أو تحت الأضواء أو خلال الألوان، فعلينا أن نحيا في خضم اتساق، نحيا جميعا نماذجي والواني وأنا

(سيزان)

    

بول سيزان، سلة التفاح، 1890-1894

  

إنسان سيزان المتناغم مع الطبيعة

ظل سيزان مفتونا طيلة حياته بذكريات الاستحمامات الندية في نهر (آرك) والنزهات الطويلة وسط الحقول والتلال والغابات، وتعد لوحة "المستحمات" نوع من الحنين لتلك الأيام التي قضاها طفلا في الريف، والتي استغرقت منه لانهائها سبع سنوات، صور فيها نساء يجلسن على ضفاف النهر في تناغم مع الطبيعة، وسط مشهد ريفي فسيح يبدو أنه في الربيع، إذ أن الأوراق في المقدمة والشمس بعيدة. استخدم في رسم هذه اللوحة ألوانا شفافة استقاها من تجاربه في الرسم المائي، في تدرجات لونية زرقاء ورمادية وخضراء عذبة. "إن سيزان يمجد سعادة الإنسان المتناغم مع الطبيعة، بروح غنائية وإيروتيكية قوية دائما، ومع ذلك رأيناه يرسم بدون موديل"، كان يقول أنه لا يستطيع أن يعري امرأة، لهذا يستعين بذاكرته التي كان يشير الى جبهته قائلا: "كل شيء موجود هنا". (10)

 

يقول الباحث الفرنسي برنار فوكونييه، في كتابه بيوغرافي عن لوحة (المستحمات): "غريب أمر هذه المستحمات، لسن نساء أو بالكاد، بل هذه الأشكال تبدو وكأنها آلهات بدائيات، فليس فيها تلك البدانة أو الرحابة التي في لوحات رينوار، ولا تلك الرقة التي في راقصات ديجا، ولا حتى أي شيء من الشهوانية ولو الخجولة على الرغم من صراحتها التي لدى غوغان. هي كتل، أشكال هرمة تتماهى بالطبيعة، وفي معظم الأحيان تكون مرئية من الخلف، مخنثة إلى حد ما، وفي أي حال خالية كليا مما قد يشير إلى الجنس في تلك الأجساد ". (11)

  

 

في اهتمامه الشديد بالطبيعة، كان سيزان يبحث عن حقيقة ما، كان يقول: "الحقيقة موجودة في الطبيعة وسوف أبرهن على ذلك"، فدرس الطبيعة ومحصها بدقة رغبة في إدراك أسرارها جميعا، يقول: "إن أرسم مشهدا طبيعيا على نحو جيد، علي أولا أن أكتشف كل معالمه الجيولوجية"، فكان كثيرا ما يقضى نهارات الآحاد بصحبة صديق طفولته البروفوسور مارين، ليستفهم منه عن التاريخ الطبيعي للأرض وتركيب ريف إيكس، لقد كان يسأل عن أشياء دقيقة جدا، فلم يكن يريد أن يرسم مشاهد عامة، "بل يريد أن تطرز فرشاته شذى الصنوبر، ذلك الشذى الذي يظهر أشجار الصنوبر رهيفا حادا في ضوء الشمس ومقترنا ومتوحدا بالشذى الأخضر للمروج، ونكهة الصخور، وبرائحة رخام سانت فكتوار".(12)

 

إنها سنوات سيزان الأخيرة من 1900-1906 التي ازداد وعيا بالطبيعة قد ملك عليه دربه، لقد كانت هذه الفترة هي مرحلته الغنائية، "حيث السماوات الرقيقة والأضواء الخافتة، زرقاء وخضراء، حيث الأثير والشذى الفواح، حيث الشوق والحنين للطبيعة ملاذ وحمى للطهارة والنقاء والسحر". (13) يرى هربرت ريد أن أعمال سيزان الفنية تأخذ مسوغات وجودها من (الفطرة)، تلك التي تسير بنظام بنائي منظم، وعبر قوانين هندسية وحسابية تعطيها تلك الهيبة والجمال الذي يثير انفعالاتنا، لكن ذلك الانفعال الجمالي لا يكون نتيجة رؤية هيكلية للموضوع المبصور، بل من خلال سجية المتلقي التي تتحرض عبر تأمل اللون واكتشاف دفئه أو شحنته التفاعلية وتدرجاته اللونية، بما يتلاءم مع انفعالاتنا وهو ما يسمى عامل الترابط الذي يحمله الفنان بالفطرة. (14)

    

سيزان، 1903- 1904

   

لقد كانت حياة سيزان سلسلة من الفشل وخيبات والأمل، لم ينصفه النقاد ورفضت لوحاته مرارا، حتى صديقه إيميل زولا لم يكن معجبا بفنه، ولم يشعر بالتقدير سوى في وقت متأخر جدا من حياته. ولولا صموده وثقته الكبيرة في احساسه وفنه لما كان الفن الحديث بالشكل الذي صار عليه. فقد وضع سيزان حجر الأساس للمدرسة التكعيبية فكان بيكاسو يقول: "سيزان معلمنا جميعا". ولد سيزان في التاسع عشر من يناير عام 1839 وظل يعمل حتى آخر يوم في حياته، كان يحمل أدواته على ظهره ويجوب الحقول يرسمها، إلى أن توفى يوم 22 أكتوبر 1906 إثر حادث صحي داهمه وهو يرسم وسط عاصفة في الحقول تحت المطر، تاركا خلفه 900 لوحة زيتية و400 قطعة مائية، ليتعلم منها كل رواد الفن الحديث الذين أتوا بعده. (15)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار