انضم إلينا
اغلاق
بديل الإله.. كيف صنعت العلمانية آلهتها الجديدة؟

بديل الإله.. كيف صنعت العلمانية آلهتها الجديدة؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
   
كان يا ما كان، قبل حتى أن يبدأ الزمان، لم يكن في الوجود سوى آلهة الماء المالح "تعامة" تمزج ماءها مع زوجها إله الماء العذب "إبسو"، وفي القلب منهما لم يوجد سوى العدم. من ذلك العدم انبثقت سلسلة من الآلهة الأصغر جاء في نهايتها أقواهم "مردوخ". وعندما تمردت تلك الآلهة على إبسو وقتلته، لم تجد من تحتمي فيه سواه. قاد مردوخ بمساعدتهم صراعا عنيفا، قتل في نهايته تعامة، وشق جثتها نصفين، رفع الأول ورص فيه النجوم ليصير سماء، وسوّى الثاني في الأسفل وجعل منه أرضا، وبينهما، خلق الحياة.(1)

 

جاءت تلك القصة في بداية الملحمة البابلية "إينوما إيليش"، مُسجلة انتصارا أوليا من الوجود على العدم. وفي نهاية تسلسل طويل من عمليات الخلق، سيأتي الإنسان، ليخلق هو الآخر من الفوضى حضارة، يُثّبت دعائمها ليثبت تمايز وجوده عن سائر الكائنات. لكن ستظل حضارته هشّة، تُحاوطها الأخطار من كل جانب وتهددها بالارتداد إلى فوضى بدائية. قديما، ذاق الإغريق طعم تلك الأخطار عندما سلبهم الإله النَزق زيوس النار، نافيا إياهم لعتمة مُجردّة من الدفء لا تعد سوى بالتخلف. لكن بروموثيوس الإله الطيب سينقذهم ويسرق من زيوس النار، معرضا نفسه لعذاب أبدي.(2) أما الكنعانيون، فعندما يحاول إله الدمار والخراب "موت" أن يسود عليهم، لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئا سوى دعاء "بعل"، إله الخِصب والنماء، للانتصار عليه.(3)

   

   

بمساحات خيالها الواسعة غير المحدودة بعلم أو حقائق، وبوحوشها الأسطورية وأربابها النزقين، قد تبدو الأساطير بالنسبة للبعض كالقصص التي نرويها للصغار ليلا ليناموا. لكن معنى الأسطورة أبدا لا يقتصر على قشرتها القصصية الخارجية، ففي جوهرها الخفي صبّت الشعوب التي أبدعتها دواخل أنفسهم، لتسكن في ظلال الوحوش والآلهة الشريرة مخاوفهم وآلامهم، وتنبعث من ضياء الأخيار والآلهة الطيبة آمالهم وأحلامهم. فيمثل الصراع بين بعل وموت تبادل دورات الخصب التي يجلبها معه المطر -بعل- والجدب الذي يصيب الأرض عندما تتوقف الأمطار -انتصار موت- على أراضي ما بين الرافدين، وعبر قصة زيوس وبروموثيوس، يتحدث لنا خوف إنساني عميق جدا من الظلام.

 

وفي السياق نفسه يقول عالم الميثولوجيا جوزيف كامبل عن الأساطير: "يمكن القول دون مبالغة إن الأساطير تمثل الرافد السري الذي تتدفق عنه طاقات الكون التي لا تُستنفد لتصب في ظاهرات الثقافة البشرية. إن الأديان، الفلسفات، والفنون، وأشكال التجمعات البدائية والمتحضرة، والاكتشافات الأولى للعلم والتقنية وحتى الأحلام ذاتها التي تخلق معنى للنوم، كل ذلك إنما يختمر من اللحن السحري للأسطورة".(4)

 

يدفعنا هذا لنتساءل، هل يا ترى صمت عن وجودنا الحديث ذاك اللحن؟ فأولمب لم يعد يسكنه زيوس، ورحل مردوخ عن برج بابل، وأراضي كنعان تخلو من بعل، فيما يبدو هجرة جماعية شملت كل الآلهة القديمة انتقلت فيها بشكل نهائي إلى كتب التاريخ.

 

قد نظن بناء على هذا أن حضارتنا الحديثة خالية من الأساطير، لكن بعض من علماء الميثولوجيا ونُقاد الثقافة يرون شيئا مُختلفا. فوفقا لهم، لم ينسحب الوجود الأسطوري تماما من حاضرنا، فقط أعاد تشكيل نفسه ليتخذ شكل الأبطال الخارقين. فبدلا من بعل ومردوخ وبروموثيوس، صرنا الآن نملك بات مان وسوبر مان وسبايدر مان، فقد تحررت تلك الأساطير الحداثية من سياقها الديني ليصير أبطالها بمنزلة آلهة علمانية لعصرنا الحديث.(6)(5) ولأن الأساطير وإن اتخذت شكلا حداثيا لا تكف قط عن التعبير عن الشعوب التي أنتجتها، يبقى علينا أن نتساءل، ما الذي تخبرنا به قصص الأبطال الخارقين عن الإنسان المعاصر؟

 

مسرح المدينة الحديثة

  

بينما سكنت الآلهة القديمة وسط الطبيعة، انتقل الأبطال الخارقون إلى قلب المدينة، فيتأرجح سبايدر مان بشباكه بين أبنيتها، ويلجأ باتمان ليلا إلى كهفه أسفل قصر عائلة واين على تخومها، ويذهب سوبر مان في الصباح ككلارك كينت لبرج صحيفة "البلانيت دايلي" الواقع في مركزها. وفي ذلك الانتقال نرى انعكاسا لانتقال الإنسان نفسه من البرية إلى المدينة، فيبدو أنه حيثما يسكن الإنسان، يأخذ معه أبطاله الأسطوريين.

 

ومن قلب تلك المدن تنبثق الأخطار التي يخافها. فمع قضاء العلم الحديث على ما أطلقته "باندورا" من صندوقها من أوبئة ومجاعات وأمراض، ظهرت شرور أخرى لم ينقذ الإنسانَ الحديث أحدٌ منها بعد. ففي سراديب المدن تعشش الجريمة، وفي أروقتها يسكن الفساد، وعلى رأس بعضها يحكم الظلم.

 

ما عادت مخاطر الطبيعة وتقلباتها تُمثل المخاوف الكُبرى للإنسان، بل استبدلتها القدرات اللانهائية الكامنة داخل البعض على الشر. وعندما تنفلت تلك الإمكانات لحيز الفعل، لا يجد الإنسان على المستوى الخيالي من مُنقذ سوى أبطاله الخارقين، فتخترق شارة الوطواط ليلا سماء جوثام حتى يأتي باتمان وينقذ الموقف، وتصل أخبار الجرائم العاجلة إلى كلارك كينت في الصحيفة ليتحول بعدها فورا إلى سوبر مان، ويستشعر سبايدر مان بحاسته العنكبوتية الأخطار فيذهب إليها بقدميه ليدافع عن الضعفاء، في هذه السردية، نستطيع أن نقرأ عدم ثقة عميق يشوب مواطن العصر الحديث حيال القانون وأنظمة إدارة الدولة. فلو كان القانون يمثل عدالة ناجزة ذات سيطرة كُلية، لما اخترع الإنسان أولئك الأبطال كتَمثُّل آخر محبب للعدل.

 

يميل الإنسان بطبعه إلى أنسنة ما حوله من أشياء ومفاهيم (Anthropomorphism) مُحوّلا إياها إلى بشر مثله. لكن عدالة الدولة الحديثة وما تنطوي عليه من متاهات لا نهائية من بيروقراطية وثغرات ينفذ عبرها الفساد بسهولة، تبدو أمامه كقوى جامدة خالية من العاطفة يستحيل عليه أن يضع فوقها وجها إنسانيا. وبفشلها المتكرر والخيبة التي تولدها، لا يستطيع أحد أن يرى فيها ضمانا كافيا يحميه من شرور الآخرين. وهنا، يأتي خلق الأبطال الخارقين كنوع من الأنسنة لمفهوم العدالة يصير فيه البطل الخارق تجسدا لما كان يجب أن توفره الدولة من حماية وأمن.

   

   

أما العلاقة بين الدولة والبطل الخارق، فلها تاريخ قديم يعود لنشأة ذلك النوع القصصي نفسه. ففي قصة "زورو"، الأب الروحي لقصص الأبطال الخارقين، ينشأ العداء الأساسي بين الشعب وحكومة كاليفورنيا الظالمة، ليأخذ زورو صف الشعب ويذود عنه. وتتغير تلك العلاقة كثيرا فيما تلا من قصص، فلم تعد الحكومة هي الشرير ولم يعد البطل الخارق في حرب معها، بل تقف الحكومة والبطل الخارق يدا بيد لمقاومة الأخطار الخارجية التي تهدد الشعب. وفي هذا التغيير، نرى اختلافا جذريا في نظرة المواطن الغربي لحكومته تحولت فيه من عدو شرير إلى صديق عاجز.(7)

 

لكن الحكومات ليست وحدها العاجزة في قصص الأبطال الخارقين، ففيها، لا يوجد من هو أكثر ضعفا من البشر العاديين، حيث تقع الجماهير على الهامش تماما من الحدث، ولا يتجاوز دورها فيه دور كومبارس صامت. وبهذا، يأتي البطل الخارق كنموذج مغاير تماما لما تحاول الثقافة الحديثة بثه عن إمكانات وقوى الشخص العادي، ليُعبّر أكثر عن لا وعي المُتلقي الذي يرى أن الخلاص لن يأتي على يد أمثاله من البشر، بل ستحمله إليه قوى مُفارقة لحيز وجوده. وبهذا أيضا، يصير البطل الخارق كأنا عُليا جمعية، يُضرب فيها الشعور بالعجز بعدد أفراد المجتمع، وينطلق في الاتجاه المعاكس ليصبح قوى فتّاكة تستطيع أن تُحيل كل فشل إلى نصر.

 

نستطيع أن نرى هذا في الخلفية التاريخية لنشأة قصص الأبطال الخارقين، ففي ثلاثينيات القرن العشرين حين لاقى اليهود اضطهادا واسعا في أوروبا وصل إلى ذروته مع مجيء هتلر للحُكم، خلق اثنان من اليهود شخصية "سوبرمان" كمضاد خيالي لضعفهم الفعلي التام. ويقول "جيري سيغل" أحد المُبتكرين عن هذا: "ما الذي قادني إلى خلق شخصية سوبرمان في أوائل الثلاثينيات؟ سماعي وقراءتي عن قمع وذبح اليهود العاجزين في ألمانيا النازية، رؤيتي لأفلام تُظهر ويلات الحرمان التي يُعانيها المسحوقون. وُلدت داخلي رغبة جارفة حينها لحماية أولئك المسحوقين، لكن كيف كان لي أن أساعدهم وأنا بالكاد أستطيع مُساعدة نفسي؟ الإجابة كانت "سوبرمان".(8)

 

 وفي أحد الحوارات، عبّر سيغل عن التأثير العميق الذي امتلكته القصص الأسطورية عليه في خلقه لسوبر مان قائلا: "كنت أجلس في السرير عندما باغتتني فكرته. تخيلت شخصيات كشمشون، كهرقل، وكل الرجال الأقوياء الذين سمعت عنهم ممزوجين في رجل واحد".(9)

 

ولا يتوقف هذا القلب الخيالي للمواقف على شخصية "سوبر مان"، فقد جاءت شخصية "كابتن أميركا" للوجود عام 1941، وبالرغم من سيطرة ألمانيا في ذلك الوقت على الحرب العالمية الثانية، ظهر كابتن أميركا على الغُلاف يلكم هتلر.(10)

 

    

لكن بينما يتفق الأبطال الخارقون مع الآلهة الخيّرة للعصور القديمة في امتلاكهم قدرات خارقة وتسخيرهم تلك القدرات في خدمة البشر، يختلفون عنها في شيء واحد: قُدّست الآلهة واحتفى بهم الناس، في الوقت الذي آثر فيه الأبطال الخارقون الاختباء وراء قناع.

  

تحت البزة.. وراء القناع

في الظاهر، يرتدي البطل الخارق قناعا ليحافظ على هويته المدنية وحتى لا يُعرّض عائلته وأصدقاءه للخطر. لكن بما أن السرديات الأسطورية عادة ما تخفي الدوافع الحقيقية وراء قشرة ظاهرية من القصص، فسيكون علينا أن ننظر أبعد لنكتشف السبب.

 

على عكس الآلهة القديمة، معظم الأبطال الخارقين في الأصل بشر، يعيشون حيوات عادية في مجتمع طبيعي، ويتحولون إلى شخصية البطل فقط لحظة ارتدائهم البزة ووضع القناع، ليعودوا كما كانوا مجددا بانتزاعهما. تصير البزة والقناع إذن بمنزلة جزء من طقس عبور مُصغّر يحرسان خلاله البوابة السحرية لهوية البطل.

 

وبينما نعرف جميعا الأهمية العُظمى لقدرات الأبطال الخارقة، يصعب علينا أن نجد وظيفة حقيقية لجانبهم الإنساني بجانب تعريض مُحبيهم للخطر. فما الذي يمنع الأبطال الخارقين من هجر حياتهم المدنية للأبد والتفرغ فقط لمحاربة الجريمة مُريحين أنفسهم من عناء الاحتفاظ بشخصيتين؟

   

  

   

قد تأتي الإجابة من داخل القصص نفسها لتُرينا أن تلك الحياة الشخصية كانت الباعث الحقيقي في بعض الأحيان ليُسخّر البطل قدراته في سبيل حماية الضُعفاء -سبايدر مان- أو ليخلق لنفسه مثل تلك القدرات من الأساس -باتمان-. لكن فيما وراء المنطق القصصي، يوجد منطق أبعد جعل الحفاظ على الهوية البشرية للبطل الخارق شيئا لا مفر منه.

 

يُسهّل الجزء الإنساني من البطل على المُتلقي التماهي معه، بحيث يخلق بينهما أرضية مُشتركة، جاعلا الأصل غالبا هي الشخصية العادية التي تتفرع عنها فيما بعد قدرات خارقة. تبعا لذلك الخط، ومع الأخذ في الاعتبار أن الجمهور المستهدف لتلك القصص كان في البداية الأطفال، يستطيع المُتلقي أن يرى نفسه في أي من أبطاله قبل مرحلتها الخارقة، ويمني نفسه بالوصول إليها يوما ما. يعزز كون البطل الخارق مجهولا لدى العامة في القصة من ذلك الشعور، فأي شخص قد يكون هو باتمان ذائبا في الجموع للتمويه عن نفسه.

 

وبجانب هذا، يحرر القناع البطل من الوجود الإنساني الصلب ويرفعه إلى منزلة القيم المُجردة. فيصير رمزه -سواء إس سوبرمان أو وطواط باتمان أو عنكبوت سبايدر مان- بمنزلة أيقونة أو طوطم حداثي يستدعي عبره الناس وجود البطل، ويضمن له خلودا لا يمتلكه جسده الفاني.(12)(11)

 

ففي الرواية المصورة "V for Vendetta"، عندما يحاول أحد أعضاء الحكومة الفاسدة قتل "في"، يصيح الأخير: "هل ظننت أنك تستطيع قتلي؟ وراء هذا المعطف لا لحم ولا دماء، يوجد فقط فكرة والفكرة لا تموت". مات "في" بعدها في الحقيقة، لكنه قبلها كان قد وزع آلاف النسخ من قناعه لترتديه الجماهير الغاضبة في ثورتها ضد الحكومة، وهو ما فعلوه في مشهد مهيب صوروا خلاله القوة الأزلية للأفكار عندما تؤمن بها الجموع.

    

   

وفي الكثير من الأساطير ومعظم قصص الأبطال الخارقة على السواء لا ينتصر الخير مرة واحدة وللأبد، فلا يقضي باتمان على الجوكر، ولا يقتل سوبر مان ليكس لوثر، ولا يلحق "بعل" الفناء بـ "موت". في القلب من استمرارية النزال، يوجد وعي بشري عميق باستحالة ديمومة أي وضع، فمن تكامل الخير والشر في معركة الوجود يصير للحياة طابعها. قد يفوز الخير مرة، وقد يفوز الشر أخرى، لكن القتال يستمر إلى ما لا نهاية.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار