اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/12 الساعة 14:30 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/27 هـ

انضم إلينا
الفن المقدس.. هل تتحول المتاحف إلى معابد جديدة؟

الفن المقدس.. هل تتحول المتاحف إلى معابد جديدة؟

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    

الكنائس، تربعت يوما ما، في القرون الغابرة بأوروبا قمة الهرم المعماري، وبذل الفنانون والمعماريون فيها كل جهودهم وإبداعاتهم، لكن اليوم أصبح حلم كل مهندس معماري طموح ومبدع هو تصميم متحف. حيث لم تعد المباني الدينية جاذبة لرؤوس الأموال لبنائها كما كانت الكاتدرائيات سابقا، لكن فكرة بناء متحف اليوم يمكن أن تجلب التمويل الذي كان ينفق على بناء الكاتدرائيات. يرى جايسون فارغو أن المتاحف أصبحت هي الكنائس الجديدة، إذ إن الطريقة التي يتعامل بها الناس في أوروبا مع المتاحف تحاكي التقاليد الدينية.(1)

     

ويعتقد آلان دو بوتون أن انتشار المتاحف في أوروبا كان مرتبطا بظهور العلمانية، خصوصا بريطانيا بداية من منتصف القرن التاسع عشر التي صاحب فيها الارتفاع الملحوظ في عدد الناس الذين فقدوا إيمانهم بالدين انفجارا ملحوظا في عدد المتاحف، وأعداد زوارها بالمقارنة مع أعداد من يزورون الكنائس. فهو يرى أن الناس قد وجدوا في الفن بعض ما هو مشترك مع ما يقدمه الدين، مثل الشعور بالانتماء إلى مجتمع، والشعور بالتوجيه الأخلاقي، وتقديم العزاء في مواجهة المصاعب، وتقديم صورة كريمة عن الجوانب المظلمة في حياة كل شخص، فمثل هذه الأشياء هي عوامل مشتركة في مملكة الفن كما في الكتاب المقدس.(2)

   

كما ظهرت في منتصف القرن التاسع عشرة أصوات، مثل جون راسكن وماثيو أرنولد، تتحدث عن دور الفن في المجتمعات العلمانية، وبالطبع أثرت رؤيتهم في إحلال الثقافة الفنية محل الكتاب المقدس، فوجد أولئك الذين كانوا يذهبون إلى الكنائس في السابق فجأة شيئا جديدا، إنه الفن.(3) ومع بداية القرن العشرين أصبح التأمل الجمالي فضيلة في حد ذاته، وأصبح تصميم المتاحف نفسه يساعد في ترسيخ هذه الفكرة، فالممرات الطويلة والجدران البيضاء الناصعة تضفي شعورا روحانيا على المكان، فأصبح الناس يذهبون إلى المتاحف للشعور بالسمو الديني الذي كانوا يشعرون به في الكنائس، وأصبح يوم الأحد هو أكثر أيام الأسبوع ازدحاما في المتاحف.(4)

    
    
    
روحنة الفن

ترى أم الزين بنشيخة المسكيني أن هناك "نزعة روحية عميقة ظهرت في الفن الحديث والمعاصر منذ أواخر القرن الثامن عشر قد وجدت تعبيرات مختلفة لدى الفلاسفة والشعراء والأدباء والرسّامين من قبيل التصوّف اللغوي والتصوّف النوويّ والتصوّف المتوحّش والتصوّف الملحد". وظهرت هذه النزعة بوضوح في أعمال كل من فاسيلي كاندينسكي الذي كان يعتبر "اللون ضربا من الصلاة" فكان المطلوب وفق عبارته "إيقاظ هذه القدرة.. من أجل أن نعيش الروحنة في الأشياء الماديّة وفي الأشياء المجرّدة". وبلغت هذه النزعة الصوفية في الفن قمتها مع أعمال "بول كلي" الذي رسم أكثر من تسعين لوحة للملائكة وكان يقول: "أنا في هذه الدنيا فوق كلّ إدراك"، وهي العبارة التي تؤكد النزعة الصوفية الروحية في أعماله.(5)

      

وترى أم الزين أن هذه النزعة الروحانية ظهرت كردة فعل ضد ما يسمى "كيمياء التنوير" والتي تسبب بها سيادة العقل العلمي على ميدان الحقيقة. وكما أن العلاقة بين العلم والدين بها الكثير من الشروخ، فالعلاقة بين الفن والدين أيضا لا تخلو من توتر، إذ حملت الكلمتان تاريخا تراكمت فيه الأحكام المسبقة وسوء الفهم.(6) وبالرغم من ذلك، فإن اهتمام الجماهير في المجتمعات العلمانية بالفن، لسد الفراغ الذي أحدثه غياب الدين، والحديث عن التزايد المطرد لعدد المتاحف وعدد زوارها ربما يبعث برسالة مختلفة عن العلاقة بين الدين والفن.

           
الفن ابن الدين عند بيغوفيتش

في كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب" يقدم علي عزت بيغوفيتش رؤية واضحة وبسيطة حول علاقة ما هو فني بالدين. وتحت عنوان "داروين ومايكل أنجلو" يبدأ الفصل الأول من الكتاب، ليضع بيغوفيتش الفن والدين والروح في مقابل العلم والحضارة المادية، فالفن عنده ابن الدين، يقول: "إن الفن ابن الدين، وإذا أراد الفن أن يبقى حيًّا فعليه أن يستقي دائما من المصدر الذي جاء منه". فهو يرى أن العلم يجعل الإنسان جزءا من الطبيعة لا يتمايز عنها، وعلى العكس، يكتب: "الفن ممكن فقط إذا كان الإنسان مختلفا عن الطبيعة، إذا كان غريبا فيها، إذا كان هوية متميزة، فكل الفنون تحكي قصة متصلة لغربة الإنسان في الطبيعة".

       

يرى بيغوفيتش أن الفن يقف دليلا على خطأ الاتجاه المادي الذي ينفي عن الإنسان تميزه عن الطبيعة، فهو يرى أن النمو البيولوجي الذي ينفي وجود روح تميز الإنسان عن الحيوان، لا يمكن أن يمنحنا لوحات رافائيل أو مايكل أنجلو ولا حتى صور الكهوف البدائية التي ظهرت في بداية التاريخ، فالعلم بمنطقه التحليلي المجرد "يجعل الحياة خلوا من الحياة".

        

"فن التصوير عمل روحي وليس عملا تقنيا، فقد أبدع (رافائيل) لوحاته ليس بيده إنما بروحه، وكتب بيتهوفن أعظم أعماله الموسيقية بعد أن أصيب بالصمم"

(بيغوفيتش)

      


(مايكل أنجلو، سقف كنيسة (سيستين)، لوحات تمثل تاريخ الإنسان منذ هبوطه إلى الأرض حتى يوم القيامة، يقول بيغوفيتش إن مثل هذا العمل لا يمكن أن يكون من إنتاج الطبيعة الخالصة التي لا تعترف بالروح)

        
الفن مقابل العلم عند بيغوفيتش

في بداية فصل "ظاهرة الفن" يتحدث بيغوفيتش عن الفن مقابل العلم، فيشير إلى وجود عالمين، عالم الآلة وعالم والموسيقى، والذي يرى أنه مهما حاولنا لن نتمكن من إرجاعهما إلى أصل مشترك، ويعود هذان العالمان إلى مقولتين مختلفتين "العلم والدين، وفي هذا السياق بالذات نقول ينتميان إلى العلم والفن". فهو يرى أن وجود أي نظام آخر أو عالم آخر غير نظام الطبيعة هو المصدر الرئيسي لكل دين وفن، يكتب: "إذا لم يكن هناك سوى عالم واحد، لكان الفن مستحيلا... سنجد في كل عمل فني إيحاء ما لعالم لا ننتمي إليه، ولم نخرج منه، إنما طرحنا فيه طرحا، والفن ذكريات أو توق إلى الماضي، إلى ذلك العالم الآخر".

      

العلم والفن بحسب بيغوفيتش فيهما يكمن جوهر الاختلاف بين نيوتن نبي الكون الآلي وبين شكسبير الشاعر الذي يعرف كل شيء عن الإنسان، ويضع نيوتن في مقابل شكسبير وأينشتاين في مقابل ديستويفسكي، ليبرز فكرة أن هؤلاء يجسدون فكرتين كل منها متعاكستين، نوعين مختلفين تماما من المعرفة، يقول: "قضية المصير الإنساني وغربة الإنسان في الكون وهشاشته، والموت، والخلاص من هذه المعضلات؛ كل ذلك لا يمكن أن يكون موضوع علم من العلوم، في حين أن الفن -حتى إن حاول- لا يمكنه أن يتغاضى عن هذه القضايا. الشعر معرفة الإنسان، كما أن العلم معرفة الطبيعة، هذان النوعان من المعرفة متوازنان ومتزامنان، مستقل كل منهما عن الآخر".

      

  

كما أن مدخل كل نوع منهما إلى المعرفة مختلف، ففي الوقت الذي يعتمد فيه العلم على التحليل والتفكير والملاحظة وإجراء التجارب؛ ينظر الفن في باطن الإنسان، في زواياه الخفية وأسراره، يقول: "هنا يتم لنا الفهم، أو لعلنا على الأرجح نخمن فحسب من خلال الوجدان المستثار، من خلال الحب والمعاناة، فالمعرفة هنا لا تكتسب بطريقة عقلانية علمية"؛ وبسبب هذه الخصوصية الجوانية للفن يرى بيغوفيتش أنه لا يوجد في الإبداع الفني مكان لفريق العمل، على عكس العلم الذي يزدهر في ظل تعاون الفريق، لا يمكن للفن أن يتجزأ فهو ثمرة روح الفنان ومرتبط بشخصيته.

     

وتوضح اللغة أيضا وجها آخر للاختلاف بين العلم والفن، يكمل بيغوفيتش بقوله: "العلم مهما بلغ من العمق أو التعقيد، لم يشعر بقصور اللغة كأداة للتعبير عن نفسه، أما الفن فبسبب خاصيته الروحية، دائم البحث عن وسيلة أخرى للتعبير، لغة إضافية"، لذلك فهو يرى أن اللغة عاجزة عن التعبير عن حركة واحدة من حركات الروح، "فليس هناك معادل لغوي لسيمفونية بيتهوفن التاسعة، ولا يمكن ترجمة هاملت إلى لغة العلم، أو تقليص هذه الدراما إلى مجموعة قضايا في علم النفس والأخلاق، إن فشل المنهج التحليلي في هذا المجال لا بد أن نتعلم منه شيئا".

          

وعلى عكس العلم، يؤمن بيغوفيتش بوجود رباط وثيق بين الفن والدين، ويستخدم هنا مقولة جاك ماريتان حين قال: "الشعر هو ثمرة الصلة بين الروح والحقيقة وبين مصدرهما... الله"، كما يقول جايتان بيكون: "الفن كخلق وبخاصة الشعر كطريقة للوجود، يكدح جاهدا لكي يكون بديلا لما هو مقدس.. إن الشعر سواء ظهر كمعرفة أو أسلوب حياة أو هما معا، يرتفع بالإنسان فوق ظروفه الإنسانية ليصبح مهنة مقدسة". إن جذور الدين والفن عند بيغوفيتش بينها وحدة مبدئية، فالدراما أصلها ديني، وكانت المعابد هي المسارح الأولى وكانت أولى المسرحيات طقوسا ظهرت في معابد مصر القديمة. يكتب:

  

(سيمفونية بيتهوفن التاسعة)

              

"في ضوء وحدة الفن والدين يمكن الإجابة عن اللغز المشهور، ألا وهو لغز وجود نشيد الإنشاد ضمن التوراة المتداولة، وهو نص دنيوي خالص لكنه يتمتع بقيمة ملحوظة، فإذا كان الفن والدين منفصلين انفصالا قطعيا فلا تفسير للغز، أما إذا لم يكونا منفصلين هذا الانفصال فلا لغز هناك، ولا عجب إذن في أن يوجد نشيد الإنشاد بين القراءات الدينية. لقد كان الأمر لغزا بالنسبة للذين حاولوا تفسير الكتاب المقدس تفسيرا عقلانيا، أما المؤمنون به فلم يستشعروا فيه شيئا مستغربا... إن الفن ابن الدين وإذا أراد أن يبقى عليه أن يستقي دائما من المصدر الذي جاء منه".

     

يرى بيغوفيتش أن ما يخبرنا به الفن والطريقة التي يخبرنا بها تفوق التصديق، "كأننا بإزاء رسالة دينية"، ويقترح أن ننظر إلى اللوحات الجصية اليابانية القديمة، أو قطعة من فن الأرابيسك الإسلامي على مدخل فناء قصر الحمراء بغرناظة، أو إلى قناع من جزر المالانيزيا، أو إلى رقصات قبلية في أوغندا، أو لوحة يوم الحساب لمايكل أنجلو، أو لوحة جرنيكا لبيكاسو، أو استمع إلى موسيقى ديبوسي في استشهاد القديس سابستيان، أو إلى أغنية روحية أفريقية، ولسوف تجرب شيئا غامضا وملغزا فوق المنطق والمعقول كما تشعر في الصلاة.(7) وبهذا الطرح سنجد أنه كما تقول أم الزين بنشيخة المسكيني "ليس من ثمة توتر بين الفني والديني إلا داخل منظور أحادي ما زال يعتقد في إمكانية موضعة التجارب الإنسانية وتحويلها إلى أشياء يمكن إخضاعها إلى منهج محدد سلفا".(8)

     

"إن اللوحة الفنية بشكل ما هي نوع من أنواع الشعائر المرسومة على قماش، كما أن السمفونية شعائر لحنية"

(بيغوفيتش)

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار