اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/21 الساعة 16:12 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/6 هـ

انضم إلينا
هيتشكوك.. مخرج سينمائي جسد لوحات عالمية عبر أفلامه

هيتشكوك.. مخرج سينمائي جسد لوحات عالمية عبر أفلامه

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض
عندما كان ألفريد هيتشكوك يجهز لفيلم "المأخوذ Spellbound" عام 1945 الذي كان يريده أن يكون الفيلم الأول في تاريخ السينما عن التحليل النفسي، طلب مساعدة الفنان السريالي "سلفادور دالي"، كان يود أن يقدم فيلمه الأحلام بشكل جديد لم تقدمه السينما من قبل لذلك استشار مرارا محللين نفسيين مشهورين، وعندما وصل إلى مرحلة تصوير الحلم، أراد أن يحدث قطيعة مع تقليد الأحلام في السينما، والتي عادة ما تكون ضبابية ومشوشة وذلك من خلال اهتزاز الشاشة، لذلك قرر العمل مع دالي لأنه كان يريد الحصول على أحلام بصرية (مرئية) جدا، ذات ملامح حادة وواضحة، يقول هيتشكوك: "كنت أريد دالي حصرا من أجل الجانب الحاد والقاطع في هندسته -كان شيريكو شبيها به- الظلال المتطاولة، لا نهائية المسافات، الخطوط المتقاطعة داخل المنظور، الوجوه العديمة الشكل".(1)

   

(مقطع الأحلام)

   

لقد كان هيتشكوك بطريقة ما مهتما بالرسم من قبل أن يبدأ العمل في صناعة الأفلام. فإلى جوار دراسته الجامعية كان يتابع دورات تعليمية في جامعة لندن في قسم الفنون الجميلة ليتعلم الرسم. واستمر في دراسة الفن حتى عندما عمل في شركة مختصة بالكوابل الكهربائية، وكانت دراسته للفن هى الباب الذي فتح أمامه الطريق إلى السينما، إذ أتاح له الفرصة للعمل في قسم الرسوم الدعائية للشركة نفسها. وأثناء قراءته مجلة سينمائية متخصصة وجد إعلان عن إنتاج فيلم جديد مقتبس من رواية، فقرأ الرواية ورسم بعض الرسومات للعناوين الفرعية وعندما ذهب لعرض رسومه قُبلت وبدأ العمل في الحال، ثم غدا رئيسا لقسم العناوين ومنه بالتدريج إلى كتابة السيناريو والإخراج. ربما كان هيتشكوك متأثرا بحبه ودراسه للفن التشكيلي وهذا ما ظهر في أفلامه التي يبدو أنه استلهم الكثير من مشاهدها من أعمال فنية.(2)

  

على اليمين فيلم "الطيور" لهيتشكوك وعلى اليسار لوحة "المياة العميقة" لرنيه ماغريت

  

هيتشكوك والفن.. مصادفات قدرية

في شتاء 2001 أقيم معرض في متحف مدينة مونتريال الكندية تحت اسم "هيتشكوك والفن: مصادفات قدرية"، يهدف المعرض إلى إبراز العلاقة بين سينما ألفريد هيتشكوك والفن التشكيلي الذي ألهمه الكثير من كادرات ومشاهد أفلامه. وقد كان هيتشكوك يقتني في منزله في كاليفورنيا الكثير من اللوحات الفنية. في عام 1944 كانت مجموعة اللوحات التي يمتلكها تقدر بنحو خمسة وسبعين ألف دولار، وفيها لوحة لبول كلي وأخرى لواالتر سيكرت الفنان الانجليزي في نهاية الحقبة الفكتورية. وفي عام 1962 عندما انتقل إلى سانتا كروز شمال كاليفورنيا، كان يقتني مجموعة أخرى لكبار الرسامين غطى بها جدران منزله، وكانت هذه المجموعة تتجاوز مائتين وخمسين ألف دولار. (3)

 

في غرفة المكتبة التي كان يعمل بها، كان هيتشكوك يعلق لوحة داريل أوستن "خسوف القمر"، والتي كانت تصور (امرأة تستحم في غابة وقمر اسود وأسد..)، كما علق رسوم لدينسلو هومر وتشالز أدامز الذي ألهمه مشهدا في واحد من أهم أفلامه "غريبان في القطار". كما يلقي المعرض الضوء على التوازي بين هيتشكوك والفنان الإنجليزي والتر سيكرت، فكلاهما كان متسكعا مدينيا متأصلا، وكانا يتقاسمان بضعة هواجس أساسية: "الجريمة، الجنس، كوميديا المفارقات"، وقد كانت لوحة "جريمة مدينة كامدن"، إحدى لوحات سيكرت الثلاث التي كان هيتشكوك يمتلكها، وكان سيكرت يصور فيها جريمة شهيرة وقعت في الحي الذي كان يسكن به، وهو أحد الموضوعات التي تأسر لب هيتشكوك. (4)

   

على اليمين فيلم فيرتيجو وعلى اليسار لوحة أوفيليا لجون إيفريت ميلي

    

كان هيتشكوك يحب كثيرا قبل بدء تصوير أفلامه التجول في "ناشونال غاليري" في واشنطن ومشاهدة اللوحات الفنية، وهناك الكثير من اللوحات التي ظهر تأثيرها عليه من خلال أفلامه. كما تأثر هيتشكوك كثيرا بالفنان االإيطالي شيريكو وظهر ذلك التأثير في الأماكن الخالية وفي المنازل الواسعة التي يظهر للانسان فيها ظلالا طويلة مقلقة. ويقول هيتشكوك أنه أصبح مخرجا بسبب الكاتب إدجار آلان بو، ثم شاهد لوحات للذين رسموا من وحي آلان بو أمثال بيردسلي وراكهام. ويقول جورج كعدي أن بطلة هيتشكوك الشقراء غير الأليفة والمثيرة والباردة تبدو مولودة في لوحات رسامي زمن ما قبل رفائيل والقريبة من لوحات روسيتي وبورن جونز. (5)

   

على اليمين تفصيلة من اللوحة التي تجلس أمامها بطلة فيلم فيرتيجو الظاهرة على اليسار، نلاحظ تشابه قصة الشعر مع اللوحات قبل الرفائيلية

   

هوبر وهيتشكوك.. من المعجب بالآخر؟

يقول البعض إذا أردت أن تتعرف على الأسلوب البصري الذي يستخدمه ألفريد هيتشكوك في كادرات أفلامه، اذهب واشتري كتابا يعرض أعمال إدوارد هوبر. كذلك تُعرف لوحات هوبر التي تنتمي للاتجاه الواقعي بأنها تشبه الكادرات السينمائية، إذ تمتد بشكل أفقي ورأسي يشبه شاشة السينما، وغالبا ما توحي لوحاته للمشاهد بحكاية ما وراء اللوحة. وقد عاصر إدوارد هوبر وألفريد هيتشكوك بعضهما الآخر، وربما يمكننا القول أن اهتمام ألفريد هيتشكوك البالغ بالفن التشكيلي يرجح تأثره بهوبر، خصوصا أنه لم يكن وحده الذي تأثر به فقد كانت هوليوود من الثلاثينات حتى الخمسينات متأثرة بإدوارد هوبر. لكن ذلك لا ينفي تأثر هوبر أيضا بالأفلام خصوصا أنه كان محبا جدا للسينما يقول: "عندما لا أكون في مزاج يسمح بالرسم، أذهب إلى السينما لمدة أسبوع أو أكثر بانتظام". (6)

   

على اليسار لوح ةصقور الليل لهوبر وعلى اليمين مشهد من فيلم القتلة لروبرت سيودماك

     

يشترك هوبر وهيتشكوك في المزاج الذي يحاولون التقاطه من خلال الرسم أو التصوير. ذلك المزاج الذي يعكس الشعور بالوحدة والغموض، لذلك خرجت الإضاءة و التراكيب البصرية متشابهة إلى حد كبير في صورهم. لقد كانت لوحات هوبر مثالية لأفلام الجريمة والتشويق التي كان يخرجها هيتشكوك بسبب تلك الظلال الداكنة والتناقض الصارم بين الضوء والظلام في لوحاته. وكان هوبر سعيدا عندما سمع  أن هيتشكوك معجبا بلوحته "منزل بجوار السكة الحديد" وأنه استوحى منها شكل المنزل المتطرف في فيلم سايكو. الحقيقة أن الكثير من اللوحات الأخرى يظهر تأثيرها في أفلام هيتشكوك، مثل اللوحات التي يصور فيها أماكن مرتفعة، واللوحات التي تصور نوافذ مفتوحة تُظهر من بداخل البيت، كذلك الشكل المميز الذي رسم به هوبر المباني. (7)

   

على اليسار لوحة لهوبر على اليمين مشهد من فيلم الدرجات الـ39 لهيتشكوك

   

في لوحة منزل بجوار السكة الحديد يبدو المنزل في عزلة عن كل شيء، لا يوجد أي طريق واضح يؤدي إليه، كما لا يوجد بجانبه أي بيوت أخرى، ويبدو أن لا أحد يسكن في هذا البيت سوى ربما أشباح. لا يمكننا أن نلتقط أي دليل على أنه آمن أو مأهول. كما يبدو البيت قديما جدا ومهجور، تركه ساكنوه من زمن طويل، ربما غادروا الحياة وظل هذا المنزل يشهد على الخواء. بإمعان النظر قليلا سنجد أن المنزل يولد لدينا إحساسا عميقا بالفقد والتجاهل والتخلي. لذلك كان هذا المنزل مثاليا للشخصية التي سكنته في فيلم سايكو، إذ أن البطل في هذا الفيلم يعاني من كل تلك المشكلات، لقد كان وحيدا جدا ومنعزلا وغريب الأطوار تماما مثل منزل هوبر الوحيد. وعندما استلهم هيتشكوك المنزل من لوحة هوبر، جسد وحدة هذا المنزل وغرابته في شخص البطل أيضا. (8)

  

على اليمين منزل فيلم سايكو لهيتشكوك وعلى اليسار لوحة بيت بجوار السكة الحديد لإدوارد هوبر

  

أخرج معرض "هيتشكوك والفن: مصادفات قدرية" كتابا يحلل الكثير من الأعمال الفنية التي تأثر بها في أفلامه. يقول دومنيك باينيني الذي نظم المعرض: "كان ممكنا تنظيم معرض مماثل حول سينمائين تأثروا بالفن التشكيلي أكثر من ألفريد هيتشكوك مثل بونويل، لكن هيتشكوك يغطي كل القرن الفائت، مثل الفن. في الكلاسيكية إلى المعاصرة. وعبر أفلامه نرى كيف أن السينما فن شاب وشعبي، وهبت القرن العشرين الرؤية التي تتيح إعادة الفن القديم الذي كان يتعرض لخطر العزلة". (9)

   

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار