اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/27 الساعة 17:14 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/12 هـ

انضم إلينا
أشهر خمس قُبلات في تاريخ الفن التشكيلي

أشهر خمس قُبلات في تاريخ الفن التشكيلي

هند مسعد

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    
بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد، أن الملك شهرمان، ملك من قديم الزمان وسالف العصر والأوان، تقدم به العمر ولم ينجب، فنصحه وزراءه بالزواج، فتزوج من أميره بلاد قريبة. ورزق بقمر الزمان، طفل جميل، لم يكن في البلاد لجماله مثيل. فعلمه أبوه العلوم والآداب حتى صار لا يماثله أحد في علمه وجماله.[1]


ثم أراد أبوه أن يزوجه فأبى لأنه كان يعتقد أن جميع النساء خائنات. إلى أن رأته بنت ملك الجن، التي كانت تراهن جنيا آخر، على أنه لا يوجد مثيل لقمر الزمان في البلاد. أما الجني فكان يرى أن ابنه ملك الصين، بدر البدور، لا مثيل لها في جمالها. فاتفقا على أن تنقل ابنه ملك الصين إلى سرير قمر الزمان ويوقظوا كلا[1]  منهم على الآخر ليعرفوا من يفتتن بالآخر فيكون هو الأقل جمالا.[2]


فلما استيقظت الأميرة بدور قالت في نفسها: وفضيحتاه! إن هذا شاب غريب لا أعرفه ما باله راقد بجانبي في فراش واحد؟ ثم نظرت إليه بعينيها وحققت النظر فيه وفي ظرفه ودلاله وحسنه وجماله ثم قالت: وحق الله أنه شاب مليح مثل القمر إلا أن كبدي تكاد أن تتمزق وجدا عليه وشغفا بحسنه وجماله، فيا لفضيحتي منه والله لو علمت أن هذا الشاب هو الذي خطبني من أبي ما رددته بل كنت أتزوجه وأهنأ بحسنه الوفير وبجماله النضير.[3]


ثم صاح الديك. وهنا، أدرك شهرزاد الصباح، وأضاء بنوره ولاح، فسكتت عن الكلام المباح، لكن ما سكت البشر من بعدها عن التقصي والتحقيق عما يجعل الناس يطيرون في السماء، ولا يسعهم فضاء. ما الذي يملأ العتمة بالنور، ويدخل على القلب عظيم السرور![4]

   


   
"ورأيت حبا رائعا أشعرني إذ ملكته، ...، أن الإنسان قد يملك من الجنة نفسها ملكا وهو على الأرض في دار الشقاء إذا هو احتوى بين ذراعيه من يحبه."[5]

 (مصطفى صادق الرافعي، أوراق الورد)

 
ولما كانت القبلات مفاتيح كهوف القلوب، فإن الفنون دلت بدلوها وتضمنت في مخزونها من اللوحات ما يعبق القلب بعبير جمالها. فما هي تلك اللوحات التي تصل ما انقطع بفرط جمالها الفائق وبديع رسمها الرائق. فهذا ما كان من أمرهم.

 

تتصدر لوحة "القبلة"، 1897، للرسام النرويجي إدفارد مونك (1863 - 1944)، كواحدة من أشهر لوحات القبل على مر التاريخ. وقد عرضت اللوحة للعلن في متحف مونك في أوسلو / النرويج عام 1903. وهي واحدة من سلسلة إفريز الحياة التي تضم عدة لوحات تصور مراحل العلاقات العاطفية بين الرجال والنساء.[6]


"في فني حاولت أن أشرح لنفسي معنى الحياة وحاولت أيضا مساعدة الآخرين على فهم حيواتهم."[7]

 (إدفارد مونك)

 

  

في اللوحة، نرى حبيبين يتبادلان قبلة في أجواء معتمة إلا من ضوء نافذة مغطاه بستارة خلف المحبين. وفيما يطوق الاثنان بعضهم، تنصهر الوجوه تماما حتى لا يكاد يكون هناك أي فارق يذكر بين الرجل والمرأة. هم فقط كتلة واحدة وكيان واحد.


وفي تصريح له لمتحف الفن الحديث، نيويورك، يرى المؤرخ الفني راينهولد هيلر أن القبلة تعكس حالة الازدواجية التي عاشها مونك؛ والذي لم يتزوج أبدا. ففي حين ينصهر الحبيبان في قبلة توحد بين جسديهما حتى يستحيل الفصل بينهم، يظل المشهد كله معتم. وهو ما اعتبره هيلر: "تهديدا للفردانية، وخسارة الفرد لوجوده وهويته."[8]


"يبث فمي سر الهوى لمقبل          أجود له بالروح غير ضنين
إذا كنت في شك سلي القبلة التي       أذاعت من الأسرار كل دفين"
[9]


تأتي بعد ذلك لوحة "القبلة"، 1969، للرسام التكعيبي الإسباني بابلو بيكاسو (1881 -  1973)، والذي صار مهووسا بمواضيع كالأزواج والقبلات قرب نهاية حياته. وعادة، ما كان يرنو بيكاسو في لوحاته لخلق إحساس بالحميمية بين الرجل والمرأة مصدره المرأة غالبا.[10]

اللوحة، تتبع المذهب التكعيبي، الذي يتعمد رسم العناصر بأشكال هندسية وزوايا حادة غير مألوفة للعين، ونرى فيها زوجين ينصهران في تبادل حميم لقبلة حتى يصيرا واحدا بدلا من اثنين. وعادة ما تمثل لوحات الأزواج، في تلك الفترة، حالة من الانصهار بين الوجهين والتلاحم الشديد بين الجسدين عند بيكاسو وغيره من الرسامين. 

ونرى أن رأس الرجل أعلى وأكبر حجما من رأس المرأة كتعبير عن الحماية والاحتواء. فيما لا نرى في اللوحة أثر لمكان أو أشخاص أو أي شيء غير القبلة ذاتها كمركز للوحة والحدث، رأسان مرتبطان بخط واحد يشغلان الفضاء التصويري بأكمله. ويظهر الرجل في اللوحة أصلع وله لحية طويلة وعيناه مفتوحتان على مصراعيها كما لو كان يتلقى وحي.

  

  

كذلك تتصدر قوائم أشهر القبلات، لوحة "عيد الميلاد"، 1915، للرسام الروسي مارك شجال (1887 - 1985)، والتي قدمها لزوجته وحبيبته بيلا شجال كهدية عيد ميلاد. وهي عبارة عن رجل يهدي لحبيبته باقة زهور وقبلة في عيدها. وبمجرد لثم الشفاه يرتفع الحبيبان عن الأرض ويكأنهم على وشك الطيران، حبيبان عائمان في الحب لا تكاد أقدامهم تلمس الأرض.[11]

 
"الحب هو اللون الأساسي الذي تبدأ منه كل لوحاتي."[12]

(مارك شجال)

    

  

وشجال ينتمي لمدارس فنية عدة ومزجت أعماله بين التكعيبية والرمزية والوحشية. كما اعتمدت أعماله بشكل أساسي على رؤيته العاطفية للأمور بمنأى عن الواقع. وفي هذه اللوحة، تبنى ألوان المدرسة الوحشية؛ إلا أن الأجسام اتخذت زوايا وبروز المدرسة التكعيبية، فيما يعتبر وضع الطيران رمزا لقدرة الحب على التحليق بنا.[13]

 

وتكشف عدة روايات عن حياة شاجال أنه كان قلقا من أن بيلا قد لا تتزوج منه حيث كانت صغيرة جدا في السن كما تشككت أسرتها من مارك الذي لم يكن مساويا لها. فهي من عائلة ثرية صنعت ثروتها في المجوهرات، وهو فقير للغاية.[14]

تشير جميع الحسابات، بما في ذلك مذكرات شجال بعد عدة سنوات، إلى أن مشاعرهم تجاه بعضهم البعض كانت أقوى من أي حسابات عائلية. فقدم في عيد الميلاد تصور خيالي وطفولي له ولبيلا. تطفو بيلا عن الأرض ويعوم هو في الهواء من نشوة الحب، ثم ينحني هو لتقبيلها.[15]


"أنت حزني وأنت الفرح
أنت جرحي وقوس قزح
وسآتي إلى ظل عينيك... آت
وردة أزهرت في شفاه الصواعق
قبلة أينعت في دخان الحرائق"
[16]

(الشاعر الفلسطيني محمود درويش)

 
هناك أيضا لوحة "قبلة"، 1908، وهي إحدى اللوحات الأيقونية للرسام النمساوي جوستاف كليمت (1862 - 1918)، وهي عبارة عن حبيبين متعانقين متشابكين يتبادلان قبلة فيما تغمر الزخارف العالم من حولهم. وتعتبر اللوحة ذروة "الفترة الذهبية" لكليمت وتحفته الخالدة.[17]

وفي اللوحة، يقف هذان الشخصان راكعين في رقعة عشبية من الزهور البرية. يرتدي الرجل ثوبا مزخرف ويعتلي رأسه بعض أزهار الكروم ويقبض على وجه المرأة بكلتا يديه ويميل عليها ليقبلها. كذلك، المرأة ترتدي ثياب مطرزة ويعتلي شعرها بعض الزهور، وفيما تطوق عنق حبيبها، تغلق عينيها بسلام لتستقبل القبلة.


"من يريد أن يعرف عني شيئا يجب أن ينظر باهتمام إلى صوري وأن يسعي إلى التعرف على من أنا وما أريده."
[18]

(كليمت)

  


وكليمت خلف مظهره العميق كرسام، كان رجلا لديه شهية جنسية شرسة، وكان لديه على الأقل ثلاثة أطفال غير شرعيين معروفين. وفي لوحته القبلة، حاول تمثيل العناق بقدر كبير من الإثارة الجنسية. فقد مثل النموذج الأنثوي بأشكال هندسية، الدائرة، والنموذج الذكوري بمستطيلات، وزخرف بها كامل ثياب الحبيبين.[19]


وأخيرا وليس آخرا، حافظت لوحة "الأحبة"، 1928، للرسام السريالي البلجيكي رينيه ماجريت (1898 - 1967)، على موقعها في قوائم أشهر القبلات رغم مرور تسعين عاما على رسمها. واللوحة، زيت على قماش، تصور شخصين متشابكين في عناق لكن ماجريت أخفى وجوههم تماما.[20]


 يتعانقان لكن من وراء حجاب[2] ، يحول ماجريت بذلك العناق لعزلة، والوصل لحجب، والقبلة دون لمسة. ورغم الحجب لم يوقفها شيء في غرفة لا يظهر منها غير جدارين، الخلفي والجانبي، إلى جانب السقف.
  

   
"كل شيء نراه، ينطوي على آخر لا نراه، ونحن نطوق دائما لمعرفة المخفي وراء ما نراه."
[21]

(ماجريت )


في غرفة صامتة، يرتدي الرجل بدلة سوداء وربطة عنق مع قميص أبيض. ويحتضن امرأة ترتدي ملابس حمراء بلا أكمام، وكعادة لوحات المحبين، الرجل في وضع مهيمن بالنسبة للمرأة. رأسه أعلى من رأسها ويميل عليها بحميمية وقوة في آن.

 

على عكس المشهد المثير جنسيا في قبلة غوستاف كليمت، قدم ماجريت شخصيتين مع وجوههما مغطاة ليجعلنا نتساءل عما إذا كانت هذه قبلة حب مرفوض. يمنع الحجاب الذي يغطي الحبيبين أن يتلاقيا بشكل تام، حتى أنه يطمس هوياتهم رغم تلاقيهم في عناق حميمي. ثنائية "الوصل والحجب" تلك هي ما جعلت اللوحة من أشهر لوحات القبل في التاريخ.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار