اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/21 الساعة 15:35 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/7 هـ

انضم إلينا
من الحكواتي للمسلسلات.. جذور الدراما الرمضانية عند العرب

من الحكواتي للمسلسلات.. جذور الدراما الرمضانية عند العرب

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
       
جلس الرحالة الغربي وسط مجموعة من العرب توسطهم الحكواتي في ليل أنارته نار المقود ونجوم السماء؛ لم يستطع أن يفهم الشيء الكثير مما يقال، لكن نظراته لوجوه المستمعين التي أخذت تتلون بلون القصة وتتحول على حسب أطوارها، عرفته أن أولئك قوم يستمعون للقصص بكل ما فيهم من حواس.

 

عندما انتهت القصة، سجل الرحالة ما رآه في دفتره وكتب: "لينظر الإنسان إلى أبناء الصحراء حين يستمعون إلى القصص، ليرى كيف يضطربون ويهدؤون، كيف تلمع عيونهم في وجوههم السمر، كيف تنقلب دعتهم إلى غضب وبكاؤهم إلى ضحك، ليعرف أن الجمهور العربي حقا ذو حيوية وتصور، يتمثل ما يسمعه وكأنه يراه".(1)

 

كان هذا الرحالة هو عالم الاجتماع الفرنسي "جوستاف لو بون"، الذي قضى فترة طويلة في أواخر القرن التاسع عشر يجول البلاد العربية في شمال إفريقيا ويسجل عادات شعوبها وتقاليدهم. (2) وفيما كتبه لوبون هنا، نستطيع أن نشعر بالروح الحية للمتلقي العربي وهو يستمع قصص الحكواتي.

 

لاقت قصص الحكواتي تلك رواجا خاصا في شهر رمضان حيث "يمتد الوقت ويسهر الناس بعد يوم كامل من الصيام"(3)؛ وفي لياليهم الطويلة، لم يجدوا ما يسري عنهم تعب اليوم أفضل من الارتكان ساعة للخيال، مبعدين عن البال هموم الحياة، وشاغلينه فقط بكلمات الحكواتي التي أخذت تسحبهم بعيدا بعيدا عن واقعهم البائس.

  

   

مرت السنوات والآن، لم يعد من الشائع أن تجد حكواتيا جالسا في مقهى شعبي وحوله جمهور صغير يروي له قصة. لكن من قال إن الحكواتي اختفى تماما؟ نظرة بسيطة لزماننا الحالي وسنعرف بعدها أن ملاحم الحكواتي وسيره الشعبية فقط تغير شكلها، لتتحول من حكايات منطوقة لمسلسلات مرئية، تابعها الجمهور العربي في بدايتها بنفس الحب والشغف الذي تابعوا به قصص الحكواتي، ولو أن الوضع تغير كثيرا الآن.

 

 لم يختف الحكواتي ولم تحل محله المسلسلات بين ليلة وضحاها، وكذلك لم تتحول المسلسلات التي أحبها الجميع كبارا وصغارا من "الشهد والدموع" و"ليالي الحلمية" و"ذئاب الجبل"، لأخرى يتابعها الكثيرون ويستنكرها المعظم مثل "الأسطورة" و"دلع بنات" في غفلة من الزمن. فقد قطعت قصص الحكواتي الأولى سنوات طويلة ومحطات كثيرة في رحلتها من شكلها الأول لطورها الحالي، ويبقى السؤال: كيف يا ترى حدث هذا؟

   

في البدء كان المذياع ..

عندما يدرك شهرزاد الصباح وتسكت عن الكلام المباح، لا يكون الوقت سوى بعيد المغرب بقليل في ديار مستمعيها؛ فقد هربت الجميلة الذكية من صفحات مجلدات "ألف ليلة وليلة"، وتسللت إلى البيوت، لتحل ضيفا عزيزا على كل أسرة طوال ثلاثين يوما، يتحلقون حولها بعد الفراغ من الصلاة وكسر الصيام.

 

لم يحمل قصص شهرزاد هذه المرة إلى الناس حكاء، بل تكفل المذياع بالمهمة؛ فمنذ الخمسينات ولستة وعشرين عاما تلت، كان الاستماع لمسلسل "ألف ليلة وليلة" الإذاعي بمثابة طقس عند الأسر العربية.

 

 يقال إن الأمر بدأ عندما أهدي مدير الإذاعة نسخة من الكتاب وقرر بعدها تحويلها لعمل مسموع، لكن حتى وإن لم يحدث هذا، فيصعب تخيل أن تدشن الإذاعة عملا إذاعيا غير "ألف ليلة وليلة" ويحظى بنفس النجاح. فقد بني العمل على قصص صنعتها خيالات فريدة وجامحة ابنة لثقافة عربية وطبعت بعدها الأذواق على حبها؛ وبينما اتخذ العرب قديما من الحكواتي وسيلة لتلك القصص، فقد كان استبداله بالمذياع للاستماع إلى "ألف ليلة وليلة" إيذانا بأن الأخير سيحل محل الأول قريبا في كل شيء. (4)

   

   

ورغم شهرته الطاغية، فقد ظل "ألف ليلة وليلة" عملا واحدا بين مئات الأعمال المميزة الأخرى التي أنتجتها الإذاعة المصرية خصيصا للبث في رمضان. ففي ذلك الشهر، كان نجوم السينما والأدباء والملحنون والمطربون يشدون الرحال معا إلى المذياع، ويتعاونون مع الإذاعيين ليخلقوا سويا برامج ومسلسلات ستضع البذرة الأولى لما سيتحول بعضه فيما بعد أفلاما ومسلسلات تلفيزيونية لا تزال محفورة في ذكرياتنا إلى الآن. ربما أفضل مثال على ذلك هي فوازير رمضان، التي جاءت ولادتها الأولى في الإذاعة لا في التلفاز.

 

أثناء احتجازها بسيارتها في ملل يوم حار، لم تجد الإذاعية آمال فهمي شيئا أفضل تفعله من أن تصيخ السمع لما حولها من أصوات، متحدية نفسها أن تعرف مصدر الصوت دون النظر. دفعت عنها تلك اللعبة البسيطة الملل، ووضعت في رأسها الفكرة الأولى لما سيصير فيما بعد فوازير رمضان. (5)

 

بدأت تلك الفوازير في شكل غير بعيد تماما عن لعبة آمال الأولى، فبدلا من الأصوات العشوائية، استعانت بأصوات نجوم الفن، ليكمن التحدي حينها في معرفة من صاحب هذا الصوت. ومن الطريف أن أم كلثوم عندما شاركت في تلك الفوازير وقرأت على المستعمين صفحة من "الأيام" لطه حسين، لم يستطع أحد أن يتنبأ من صاحبة هذا الصوت.

 

وفي العام التالي، تطورت الفوازير من شكلها البدائي القائم على الصوت، وصارت سردا في شكل كلام مسجوع حول شيء مجهول على المستمع أن يعرف ما هو. تولى الشاعر بيرم التونسي كتابة هذه الفوازير حتى توفي، ليحمل صلاح جاهين من بعده الراية ويستمر في كتابتها حتى وفاته هو الآخر بعد ستة عشر عاما. (6)

   

   

وهكذا، احتلت الإذاعة في قلوب المصريين وأسماعهم مكانة خاصة ظلت محتفظة بها ولم يتزلزل عرشها حتى بعد قدوم التلفاز إلى البيوت. ففي الحقيقة، سيحتاج الأمر سنوات طويلة حتى يحدث هذا.

   

ثم جاء التلفيزيون

مثلما حملت قصص الحكواتي في داخلها الملامح الأولى للمسلسلات والبرامج الإذاعية، فقد حملت تلك المسلسلات والبرامج بدورها الجينات التي ستتكون منها فيما بعد مسلسلات وبرامج التلفاز، وستصل تلك الأخيرة لشهرة كاسحة ستنزل المذياع على إثرها من على عرشه وتحتل مكانه.

 

بدأ الأمر عندما أعلنت شيريهان في تتر "فوازير ألف ليلة وليلة" منتصف الثمانينيات أن "أجمل حكايات الراديدون هنقدمها لكم فيديون"، متبعة هذا برقصاتها المرحة وهي تغني: " شهر يكلم شهر يعلم شهر يسلم شهر لما وصلنا لأجمل شهر". فكان فريق عمل مسلسل "ألف ليلة وليلة" الإذاعي قد شد الرحال إلى التلفاز، ليستكمل الكاتب طاهر أبو فاشا ما بدأه في المذياع على الشاشة، ويظل صوتا عبد الرحيم الرزقاني وزوزو نبيل كشهريار وشهرزاد يطل على المشاهدين لكن هذه المرة من وراء رسوم متحركة، وتبدأ شيريهان رحلتها التي ستستمر ثلاث سنوات مع "فوازير ألف ليلة وليلة". (7)

     

قام المسلسل على دمج حكايات ألف ليلة وليلة مع الفوازير، فتبدأ الحلقة بتمهيد على شكل رسوم متحركة تروي فيها شهرزاد لشهريار الحكاية، ثم يتم القطع للقصة نفسها التي تقوم شيريهان ببطولتها، وفي النهاية، تأتي استعراضاتها الراقصة وهي تغني الفزورة.

  

      

أخذت "فوازير ألف ليلة وليلة" المسلسل الإذاعي لمستوى آخر تماما؛ فأضفى العنصر البصري ممثلا في رقصات شيريهان الخفيفة والمرحة، والمؤثرات البصرية التي، على سذاجتها بالنسبة لمشاهد اليوم، كانت مبهرة للمتفرج ، بريقا على العمل المرئي؛ ساهم هذا بدوره في إضافة جمهور كبير وواسع للتلفاز وجعل المذياع يبدو خيارا أقل جاذبية أمام الكتاب والمشاهدين على السواء.

 

وبجانب ألف ليلة وليلة، لاقت أيضا المسلسلات التاريخية ذات الطابع الديني مثل "محمد رسول الله" الذي يستعرض السيرة النبوية، و"لا إله إلا الله" الذي يتابع تاريخ التوحيد في حقب تاريخية مختلفة، نجاحا كبيرا. وهكذا، فقد بنيت بعض من أهم الأعمال التلفزيونية التي بدأت في جذب الناس إلى الوسيط الجديد على قصص التراث، سواء ذلك الفانتازي أم ما ينتمي للقصص الديني.

 

وفي الوقت نفسه، شقت أعمال أخرى لنفسها طريقا مخالفا، لتأخذ خطا أقرب للمعاصرة ترصد عبره أحوال المجتمع المصري، مستلهمة أبطالها من قلب هذا المجتمع. وربما لا يوجد ما فعل هذا من "ليالي الحلمية"، الذي مثل ملحمة مصرية حقيقية رصدت تغير وتحول المجتمع والناس منذ عهد الملكية وحتى التسعينيات، مشرحة في هذا نماذج متنوعة من الشخصيات عبر طبقات اقتصادية وبيئات اجتماعية مختلفة، ما كان سببا قويا في تعلق الجمهور الشديد به؛ فعبره، استطاعوا أن يروا نماذج حية لأنفسهم وللمحيطين بهم، يعيشون في نفس الأوضاع ويقعون تحت نفس الضغوط ويقابلون نفس المحن.

    

   

ظل التلفاز طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات الوسيط الأكثر شعبية وحبا بين الجماهير في رمضان لمتابعة القصص التي اتخذت هذه المرة شكل مسلسلات، ممثلين في هذا امتدادا لجمهور الحكواتي الذين عشقوا مثلهم الحكايا. لكن عند مجيء الفضائيات، كان كل شيء على وشك التغير.

     

الاقتصاد وراء المسلسلات

كان لاتحاد الإذاعة والتلفيزيون وأذرعه الممثلة في قطاع الإنتاج وشركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات وتلفيزيون جمهورية مصر العربية (8)(9)(10)سيطرة كاملة على المحتوى المرئي طوال عقدي الثمانينات والتسعينيات، وكان منه أن خرجت كل كلاسيكيات الدراما التلفيزيونية، من "ليالي الحلمية" و"رأفت الهجان" و"بوابة الحلواني" وحتى "المال والبنون" و"زيزينيا" و"هوانم جاردن سيتي".

  

وقد مثل الاتحاد بهذا سيطرة مركزية على الإنتاج تخطته ووصلت إلى العرض، فلم يكن في التلفاز سوى قنواته الأرضية التي يتم عبرها البث. أضفت هذه المركزية بعدا اجتماعيا على تجربة المشاهدة، فقد كان الجميع يشاهدون نفس الشيء في نفس الوقت، لتصبح متابعة مسلسل الساعة السابعة على القناة الأولى بمثابة تقليد عائلي تمارسه كل الأسر في كل البيوت. تحولت بهذا قصص الحكواتي الأولى التي لم يكن يستمع إليها في آن معا سوى مجموعة صغيرة من الأشخاص، إلى تجربة اجتماعية مذهلة يخبرها الملايين سويا في المساء، ويتبادلون حولها الأحاديث والآراء صباح اليوم التالي.

 

اتبع البث التليفزيوني هكذا نموذج الاقتصاد الاشتراكي، حيث تتحكم الدولة وحدها في وسائل الإنتاج وتنتفي المنافسة لعدم وجود بدائل أخرى. على مستوى الدراما التليفزيونية، تترجم هذا إلى مسلسلات لا وجود فيها لمفاهيم الربح والخسارة، فما سيعرض على الشاشة، سيشاهده الجميع. وبهذا، ظل المتحكم الوحيد في العملية الإبداعية هو الجودة، ما تترجم بدوره لعشرات المسلسلات التي أبهر اتقانها المشاهدين وظلت محفورة في ذاكرتهم حتى الآن. لكن في الألفية الجديدة، ومع دخول المحطات الفضائية إلى المعادلة، لن يعود شيئا على حاله.

  

    

آلاف الساعات الإضافية من البث خلقتها المحطات الفضائية الجديدة ما أوجد الحاجة إلى ما يملأها. تولت شركات الإنتاج الخاصة تلك المهمة، فأخذت على عاتقها صنع المسلسلات لبيعها بعدها للفضائيات التي تجني المال بدورها من وراء الإعلانات. وبينما لم يكن للربح والخسارة مكان في النموذج الإشتراكي، جعل تعدد شركات الإنتاج ومحطات العرض المنافسة بينها أمرا واقعا، ما جعل بدوره البحث عن الربح وتجنب الخسارة بأي ثمن هو الهدف الأسمى عند جهات الإنتاج.

 

حول هذا المسلسلات من كونها عملا فنيا إلى مجرد سلعة استهلاكية أخرى، ومثلما يبحث أي بائع عما يجذب الزبون لبضاعته ويسوق لها من خلاله، يفعل الإنتاج الشيء نفسه. فتقوم بعض المسلسلات بالكامل على فكرة النجم، ما يجعل العملية الإبداعية، من أول الكتابة وحتى الأزياء، تتمحور حول بروز هذا النجم ووضعه في صدارة الحدث دائما وأبدا بغض النظر عن السياق. وبعض النجوم بدورهم يسوقون لأنفسهم من خلال نوع معين من المسلسلات يقدمونه دائما للجمهور ويحرصون فيه على بضعة مكونات أساسية لجذبه: فمسلسل لمحمد رمضان هو مسلسل يحتوي على جريمة وعنف؛ ومسلسل لعادل إمام هو مسلسل بالضرورة كوميدي لا يخلو من بعض التحرش الخفيف بالبطلات؛ ومسلسل لغادة عبد الرازق هو استعراض في أجزاء كثيرة منه لملابسها الكاشفة، وكل هذا لا بد أن يوجد بلا أي اعتبار للتصاعد الدرامي أو للسياقات ما أدى بدوره لتدهور شديد وملحوظ في قيمة معظم المسلسلات المنتجة اليوم[1] .

 

وترتب على تعدد المحطات وطوفان المسلسلات التي تختار كلها رمضان وقتا للعرض إلى تشظي تجربة المشاهدة. فمع كثرة الاختيارات والقنوات ومواعيد العرض، لم يعد هنالك لزوم لتجمع أفراد العائلة سويا في وقت واحد لمشاهدة الشيء نفسه، ما حول فعل تلقي القصص من شكله الأول الجماعي بالضرورة في كل أشكاله -الحكواتي والراديو والتلفاز سابقا - إلى فعل فردي يستطيع كل شخص فيه مشاهدة ما يحب في الوقت الذي يحب.[2] 

 

رحلة طويلة تلك التي قطعتها القصص والحكايات، من تجمعات الناس البسيطة الأولى حول حكواتي يسافر بهم عبر كلماته إليها، إلى موسم تجاري تنافسي يدور حولها ولا يتردد فيه أحد قبل أن يلي عنقها ويضيف لحواشيها أي قبح وركاكة ما دام سيرفع هذا من نسب المشاهدة. ربما ما حدث كان سيحدث على أي حال، ربما نحن محكومون بحتمية تاريخية كانت ستؤدي بنا لهذا المكان، لكن يظل داخل الجميع حنين جارف للأيام الخوالي يود لو يرجع كل شيء كما كان، حنين أفصحت أم كلثوم عن دواخله عندما غنت: "عايزين نرجع زي زمان؟ قول للزمان ارجع يا زمان".

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار