اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/29 الساعة 13:48 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/15 هـ

انضم إلينا
هندسة روحانية.. كيف خلق الإسلام جماله بالمساجد؟

هندسة روحانية.. كيف خلق الإسلام جماله بالمساجد؟

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض


"المسجد هو الحيز الإلهي لممارسة روحانية الصلاة التي توطد العلاقة بين الله والكون. هذه الوظيفة الروحانية تتيح للمؤمن البحث عن تجليات الكمال الإلهي في الجمال المعماري المرصود للتعبير عن هذا الكمال في كل علامة منه"

(عفيف البهنسي)

    

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هذه الآية نجدها منقوشة على الكثير من قباب وجدران المساجد ومكتوبة على المشكاوات التي تضيء المساجد القديمة. وهي أولى الرسائل الثابتة التي تشير بوضوح إلى روحانية هذا المكان، فالمسجد هو مركز الإشعاع الروحي في المدينة الإسلامية، لذلك فإن عمارة المساجد تسعى لتجسيد رسالة التوحيد التي هي جوهر الدين الإسلامي.(1)

    

تظهر روحانية العمارة في المسجد من خلال الحركة التي يحدثها انتقال المربع إلى مثمن ثم إلى كرة، والتي تعبر بحسب ابن سينا عن الكمال الإلهي والعالم. ولأن الجمال في الثقافة الإسلامية مرتبط بالكمال، فهو بالتالي يشير إلى الله الذي هو رمز الكمال المطلق. لذلك فإن الفكر الجمالي الإسلامي يسعى لإيجاد أسرار العلاقات الجمالية في المسجد من باب الكمال الإلهي. يقول عفيف البهنسي: "المؤمن في المسجد كائن مرصود للتطلع للسمو الإلهي، متفاعل مع تصاعدية آيات عمارة المسجد، من المئذنة إلى القبة، وإلى عرائس السماء والزخارف، ويصل المؤمن باندماجه بالإشارات المعمارية إلى تصور دلالات تتجاوز الإشارات والرسوم".(2)

      

     

الشرفات.. عرائس السماء

في البداية لم يكن المسجد مسقوفا، لم يكن هناك ما يحجب نظر المصلين إلى السماء. لكن عندما بدأ المسجد يُبنى في البلاد المختلفة، تطور الأمر وأصبح للمسجد سقف يحمي المصلين من حرارة الشمس وتقلب العوامل الجوية. لكن المعماري العربي حرص ألا يحجب السماء تماما عن أعين المصلين، فقسم المسطح نصفين أحدهما مسقوف وهو مكان الصلاة، والآخر هو الصحن المنفتح على السماء. وقد حاول المعماري تعويض المصلين هذا الانفصال، فجعل على السقف القريب من القبلة، قبة ترمز إلى السماء. وزين حوافي الجدران التي تحيط بالصحن بالعرائس أو الشرفات، وهي أشكال متجاورة تتجه رؤوسها لأعلى، في إيحاء بارتباط الأرض بالسماء.(3)

  

تلفت هذه الأشكال البصر إلى قمة سور المسجد، وهي تأتي في شكل زهرة ثلاثية الأوراق تشبه زهرة اللوتس، يقول ثروت عكاشة: "جاءت تلك العرائس على هيئة زهرة الزنبق، لها بتلات ثلاث، تحصر بين صفوفها الصماء فراغات تتشكل من زهرات شقائق متجانسة، صافية شفافة كأنها اقتطفت من زرقة السماء، وما أشبه ائتلافها بالتمازج القائم بين الروح والجسد". كما يرى أن اتصال العرائس بين الأرض والسماء متبادل وليس في اتجاه واحد، إذ ترتفع عرائس السماء فوق الأرض أعلى واجهات المباني، في الوقت الذي تهبط السماء إلى المبنى من خلال الصحن المكشوف، فتشيع فيه الرحمة وتملأ الفراغات البينية التي تقع بين عناصرها، يقول جمال الغيطاني:

  

"إذا نظرنا إلى شكل الشرافة الواحدة بشكل عام، فنجدها متدرجة إلى أعلى في شكل تصاعدي، وهي ذاتها تشير إلى السماء للأعلى نحو المطلق، وهو خطاب إيماني موجه على مستوى الجماعة إلى الله، كما أنها إشارات روحانية متصاعدة للسماء إلى مركز الكون". كما يذكر الغيطاني أن عرائس السماء كانت ترمز أيضا إلى فكرة الحد بين المقدس والمدنس، أي بين العالم الروحاني داخل المسجد والعالم المادي في الخارج، أو بين السماء والأرض، أو بين الروح والجسد، فهو كما يراه "الحد الذي يليه الفراغ". وفي بعض كتابات الصوفية
أن عرائس السماء تسبح بحمد الله أو تنشد ترنيمات دينية.(4)

       

  

المئذنة.. منارة المسجد

تمنح المئذنة للمسجد شكله المميز الذي يميزه عن أي مبنى آخر، فهي واحدة من العناصر الرئيسية في عمارة المساجد. وجدت المئذنة في البداية لكي يعتليها المؤذن فيسمع نداءه للصلاة أكبر عدد من المسلمين، وبعد ذلك استخدمت أيضا منارة لإضاءة المسجد في الليل، لذلك يطلق عليها أيضا المنارة، وهو الاسم الذي ما زال يستخدمه الكثير من الباحثين الأجانب.(5) يقول حسين مؤنس: "المآذن بشتى أشكالها قد أضافت إلى المساجد جمالا ورقة يتجليان للرائي من بعيد، وقد ارتبطت المآذن بالمساجد ارتباطا جعل منها قطعة معمارية مبتكرة خاصة بالمساجد دون غيرها، ومهما كان طرازها فقد عرف المعماريون المسلمون كيف يصنعون منها أشكالا فنية هي الغاية في الكمال".(6)

  

وبعد ظهور المذياع ومكبرات الصوت واختفاء الحاجة الوظيفية إلى المئذنة، كانت قد رسخت رمزا أساسيا لا يمكن الاستغناء عنه، وعنصرا جماليا متمما للمسجد، وأصبحت مؤشرا على مكان المسجد في المدن الكبيرة والأماكن المكتظة، يستدل منها الغريب بالرؤية عن بُعد بسبب ارتفاعها الشاهق عن بقية المباني.(7) ولكي يكون صوت المؤذن هو الأعلى على كل ما عداه من أصوات، صمم المعماري المسلم فكرة الاتجاه إلى أعلى بطريقة درامية، "ففي القاهرة الفاطمية نرى المآذن ترتفع سامقة فوق المباني، تشير إلى السماء وتزهو ببهائها على مباني المدينة العارية من الجمال بأسطحها المسطحة، التي تشي بانشغال القوم بحياتهم المادية اليومية". كذلك فإن تقسيم المئذنة إلى شرفات تتناقص في الطول كلما ارتفعنا لأعلى، تجذب نظر المشاهد إلى أعلى قسرا، فتترك في وجدانه شعورا بجلال المبنى ورفعته.(8)

     

 

القبة.. ترمز إلى السماء

من العسير أن نتصور مسجدا به مئذنة بدون قبة أو قبة بدون مئذنة، إذ استطاع المعماري المسلم من جعل هذين العنصرين المختلفين في الهيئة وحدة جمالية تميز المسجد وتضفي عليه توازنا يريح النظر، فكلاهما يرتفع عن المبنى ويشارك في تحديد صورة المسجد المنطبعة على صفحة السماء.(9) وترمز القبة إلى نصف الكون وهي السماء الحادبة الذي يتممها حرم المسجد الذي يمثل النصف الثاني للكرة الكونية، وتعتبر قبة الصخرة هي رمز الكمال الجمالي لقباب المساجد الإسلامية. يكتب عفيف البهنسي: "لقد وجد المؤمنون في قبة المسجد قبة السماء، ورأوا في نوافذ رقبة القبة كواكب درية، هكذا يتحقق المدلول الروحي وافيا في قباب السليمانية في إسطنبول وفي قباب السليمية في أدرنة، والتي ما زالت تمثل الإعجاز البلاغي المعماري في بناء المساجد الإسلامية". إذًا فإن القبة تعبر عن السماء من الداخل، لكنها تبدو من الخارج منكفئة على نفسها، لذلك فهي في حاجة إلى مئذنة لكي تؤكد أثرها الجمالي.(10) 

     

نوافذ الشمس والقمر

الشمسيات والقمريات هي نوافذ مزخرفة في جدران المساجد، يزينها الزجاج الملون الذي يمر من خلاله ضوء الشمس ونور القمر، فينعكس النور في خيوط بألوان بديعة داخل المسجد. واستعمالها قديم جدا في العمارة الإسلامية. واستخدمت القمريات التي تأتي في أعلى الجدران أو في رقاب القباب بنجاح كبير في مساجد الغرب الإسلامي خصوصا الطراز الإيراني والتركي. وقد استعملها المعماريون في العصر المملوكي في المساجد السلطانية الكبرى وما زالت باقية إلى اليوم. أما الشماسات فإنها توضع مائلة على الأبواب والنوافذ. ومن أشهر المساجد الأثرية الزاخرة بالشمسيات والقمريات المعشقة بالجص في مصر: مسجد أحمد بن طولون الذي يحوي ثماني وعشرين نافذة، ومسجد برقوق، والغوري، والسلطان قلاوون.(11)

  

وعندما أضيف إلى هذه النوافذ تشكيلات رقشية وكتابات قرآنية أصبحت تحمل مدلولات روحانية، خصوصا مع أهمية وقدسية النور في الدين الإسلامي، فالله نور على نور كما جاء في آية سورة النور، والنبي ﴿..دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾، والقرآن ﴿جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. كما تشكل ألوان زجاج الشمسيات والقمريات دلالة روحية مهمة، فالأخضر والأزرق والأحمر والذهبي هي أكثر الألوان التي فضل الفنان المسلم استخدامها، وهي تقريبا ألوان الجنة كما وردت في القرآن "السندس الأخضر، والإستبرق الأزرق، والمرجان الأحمر، واللؤلؤ الأبيض، والياقوت الأحمر القاني".(12)

     

   

 "إن العين إذا تنبهت إلى ما تقع عليه من لمحات الجمال في المساجد تفتح فيها الإحساس بالجمال جملة"

(حسين مؤنس)

         

الزخارف والرقش.. هندسة روحانية

لجأ الفنان المسلم إلى الزخرفة ليملأ بها الفراغات بدلا من رسوم الآدميين بسبب حساسية الدين الإسلامي تجاه التصوير والتجسيد. واعتمد الفنان على عنصري "التكرار والتوازن"، فالتكرار المتوالي لأي شكل ينتج عنه أثر زخرفي جمالي، والتوازن أيضا يؤدي إلى النتيجة نفسها، "وهذا التوازن يبدأ من خطين أو منحنيين متماثلين ويستطرد إلى صور هندسية ونباتية وحيوانية لا نهاية لها ولا حد لجمالها". وابتكر الفنانون المسلمون مفهوما زخرفيا يسمى الطبق النجمي، وهو عبارة عن مجموعة من الزخارف المستديرة التي ينتج عن تقاطعها نجم في المنتصف. كما أبدعوا في استخدام ورقات العنب وأفرع النخيل وحبوب النباتات وسنبلة القمح والزيتون وغيرها الكثير.(12)

    

تبقى الصور في المساجد مجردة ورمزية تخرج عن الواقع لكي ترتبط بالمطلق المجرد. وتتنوع الصور والزخارف الإسلامية بين المربع والمثمن والدائرة، ويقول البعض إن المربع يرمز إلى الاتجاهات الأربعة، ويرى آخرون أنه يرمز إلى العناصر الأربعة للكون التي يعتقد بها الصوفيون، أما المثمن فربما يشير إلى عرش الرحمن "ويحملُ عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية".(13) ولو أن المثلث قد نتج عن نصف الدائرة، أي نصف الكون، فإن التقاء مثلثين يشكل نجمة سداسية تمثل التحام السماء بالأرض في الفكر الإسلامي. ويعد الرقش العربي أو الأرابيسك الذي يزين جدران الكثير من المساجد ليس مجرد تصاميم تجريدية، فهو كما يرى الصوفيون رمز للتسبيح والذكر والوجد الإلهي.(14)

    

ومع تطور العمارة أصبحت الوظيفية الروحانية للمسجد وظيفة أساسية تحقق نقل رسالة من العمارة إلى المؤمن، تحملها رموز وإشارات. يقول البهنسي: "وكما هي لغة القرآن مؤلفة من مجموعة من الإشارات التي تنقل رسالة تحمل مفهوما خاصا، كذلك عمارة المساجد تتضمن مجموعة من الإشارات المكونة من مجموعة من الرموز، وتبقى وظيفة عمارة المسجد هي نقل هذه الرموز إلى المؤمن المتلقي، أي تبقى وسيطا يحمل دلالات، يقوم المؤمن بتأويلها روحيا، بحدسه الديني وليس بحدسه المادي".(15)

  

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار