اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/21 الساعة 13:24 (مكة المكرمة) الموافق 1439/10/8 هـ

انضم إلينا
الجميلة والخالد.. الزواج الكاثوليكي بين الزهور والرسم

الجميلة والخالد.. الزواج الكاثوليكي بين الزهور والرسم

هند مسعد

محررة فنية
  • ض
  • ض

سُئِل النحّات الفرنسي أوجست رودين ذات مرة عن مدى تأثير الطبيعة في الفنّ، فأجاب قائلا: "الفنّان صديق الطبيعة. الزهور تخاطبه بانحناءة سيقانها الرشيقة ودرجات أوراقها الملونة الدقيقة. ولكُل زهرة رسالة محبة توجهها الطبيعة للفنّان عبر الزهرة".(1)

  
في اللوحات، على عكس الواقع، الزهور لا تموت، بل تُخلّد. وقد منح الفن التشكيلي واقعا مغايرا للزهور بأن حال بينها وبين الذبول. ولم يكن الأمر غريبا أن حاول العديد من الفنانين تصوير جمال الزهور المتألق من خلال أعمالهم.
  
هذا التأثير المتواصل والعميق للزهور على مجال الفن، التشكيلي تحديدا، واضح خلال تاريخ الفن. كما أن عمالقة مثل فنسنت فان جوخ وكلود مونيه وهنري ماتيس وبول سيزان وآخرين كان لهم باع طويل في تصوير الزهور. حتى إن الزواج الكاثوليكي الذي جمع الزهور بالرسم آتى ثماره في شكل عشرات الأعمال.(2)

      

الفنان التشكيلي فنسنت فان جوخ 

     
   
يقول الناقد الفني أندرو بيرارديني، في مقاله لمجلة "موس الفنية" (Mousse art magazine)، عن الفنون الزهريّة، والذي أتى بعنوان "الأنماط الزهريّة" (Floral Patterns)، ما معناه: "أن الرمزية الشعرية للأزهار قد تُفكك المعاني التي تفرضها الآليات السياسية بالقوة حول القيم والتاريخ والأعمال. وللزهور عبق مع المعاني خفي، يختلف باختلاف الرسّام الذي يرسمها. فهي لا تفرض أي تفاسير حرفية، ولا تدعي أي تقوى دينية، ودعنا نقول إنها بالأحرى أقرب لماذا؟ للشعر".(3)

   
لذلك، كانت الزهور وستظل مصدرا رائعا لإلهام الرسّامين. فقد استولى موضوع رسم الزهور على عدد كبير من لوحات الرسامين بسبب فوائدها العديدة التي تساعد الرسّام في إبراز موهبته. فهي موضوع عاطفي، وهي كذلك تحتاج إلى حرفية في الرسم وتُظهر حرفيّة الرسّام، كما أنّها ذات شكل جمالي جذاب.
       

تاريخ الزهور مع الفنّون التشكيليّة

بالنظر إلى العصور الوسطى، تعتبر لوحة "مزهريّة الورود"، المرسومة عام 1480، للرسّام الألماني، هانز مملنج (1430 - 1494)، إحدى أبرز اللوحات المتبقيّة من العصور الوسطى حتى الآن. وهي عبارة عن إناء مُزيّن بالزخارف ومملوء بالزهور على طاولة مُزينة بمفرش شرقي.(4)

         

    

اللوحة الآن معروضة في متحف ثيسن في مدريد، ووفقا للمتحف، استخدم مملنج خلفية واضحة أحادية اللون للمزهرية على الطاولة، وهو أسلوب مشهور في الرسم الفلمنكي. كما أن موضوع الزهور الحيّة (Still Life with Flowers) هو واحد من أقدم المواضيع الفنيّة.(5)
   
وتشير الحروف والرموز المرسومة على الإناء إلى المسيح، فيما يُشير الإناء نفسه إلى العذراء، وتشير الزنابق إلى نقائها، والقزحيات إلى دورها كملكة السماء. ويبدو الطابع الشرقي على غطاء الطاولة، وقد عُرف هذا النوع من الأغطيّة في عالم المنسوجات فيما بعد باسم سجاد "Memling" نسبة للرسّام.(5)   

           

من القرن السادس عشر، تأتي لوحة "باقة الزهور" (Bouquet)، المرسومة في أواخر هذا القرن، عام 1599، كواحدة من أبرز اللوحات، للرسّام الفلمنكي جان بروجل الأكبر (1568 -13 يناير 1625)، ابن الفنان بيتر بروجل الأكبر. وكان الاثنان من أبرز الرسامين الفلمنكيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر.(6)
    
تُعتبر لوحات بروجل الزهرية، وفقا لقاعدة بيانات الفن التشكيلي في أوروبا، أقرب للنسيج. حيث إننا نجد أكثر من مئة نوع من الزهور في العمل. ويُفضل جان بروجل الرسم على خلفيّة معتمة ليجعل عالم الزهور مركز اللوحة ومحتواها.(7)
   
"إنها في الواقع نسيج، حيث يبدو أن جميع البراعم تتجاذب نحو الأمام، تماما كما هو الحال في الفضاء ثنائي الأبعاد"(8) - (قاعدة بيانات الفن التشكيلي في أوروبا، The Web Gallery)

       

    

من عصر النهضة، القرن السابع عشر، تبرز لوحة "زهور حية" (Still Life of Flowers)، مرسومة عام 1614، للرسّام الهولندي أمبروسيوس بوسشيرت (1573 - 1612)، والذي يرسم أزهاره مهتما بأدق التفاصيل. ويعتبر بوسشيرت واحدا من أوائل الفنانين المتخصصين في رسم الطبيعة الصامتة، وقد لاقت لوحاته رواجا بسبب ازدهار سوق الفن في القرن السابع عشر.(9)
  
في لوحته "زهور حيّة"، نرى زهرة القرنفل مع وردة بيضاء وخزامى أصفر بخطوط حمراء أمام سلة من الزهور الملونة ببراعة. ووفقا لـ "متحف جيتي" (Getty Museum)، تجمع اللوحة بين أنواع مختلفة من الأزهار التي لا تتفتح في الموسم نفسه.(10)

    
وفقا للمتحف، نقل بوسشيرت سمك القوام الحريري للبتلات، وإحساس الشوك الموجود في الورد، وهشاشة البراعم التي لم تتفتح بعد. ونرى أن بعض الحشرات تزحف أو تجلس على الباقة، وهي الأخرى مرسومة بعناية. وفي ذلك إشارة بأن الحشرات قصيرة العمر مثل الزهور، وهي تذكير بقصر الحياة وجمالها العابر.(11)

   
   

في القرن الثامن عشر، تطل علينا لوحة "سلة زهور" (Basket of Flowers)، كإحدى أشهر لوحات الزهور في ذاك القرن، والمرسومة عام 1711، للرسّامة الهولنديّة راشيل رويش (3 يونيو/حزيران 1664 - 12 أغسطس/آب 1750) والتي تخصصت في رسم الزهور وحققت شهرة دولية وصارت أفضل رسامة موثّقة تاريخيا في العصر الذهبي الهولندي.(12)
  
ووفقا لقاعدة بيانات الفن التشكيلي في أوروبا، تتوهج أزهار رويش بالضوء من الداخل، حتى حين تكون البراعم متضخمة والبتلات ذابلة بفعل مرور الزمن. وامتدادا للأساليب التشكيلية السائدة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، استخدمت رويش خلفية معتمة لتسلط التركيز على الزهور نفسها.(13)

    
     
في القرن التاسع عشر، تتصدر أزهار الرسّام الفرنسي كلود مونيه، 1840 - 1926، كإحدى أشهر لوحات الأزهار ليس في ذاك القرن فقط بل في التاريخ ككل. وتعتبر لوحته "حديقة مونيه في ارجنتويل" (The Garden of Monet at Argenteuil)، المرسومة عام 1873، إحدى العلامات البارزة في تاريخ مونيه الفني وفي القرن التاسع عشر أيضا.(14)
 
وكلود مونيه هو أحد الرواد المؤسسين للحركة الانطباعية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ومونيه كان شغوفا برسم الزهور ودراستها بشكل حسي وإدراكي من أجل رسمها في لوحاته ولا سيما تصوير تأثيرات الضوء والظل على الألوان.(15)
  
ويعتبر مونيه من أوائل الرسّامين الذين سجلوا كيف تتغير أشكال عناصر الطبيعة بتغير حجم ومستوى الضوء. وفي لوحته "حديقة مونيه في ارجنتويل"، يُسلط الضوء على كومة الأزهار الحمراء والصفراء والبيضاء التي تتصدر واجهة اللوحة فيما لا نجد أثرا لزاوية منظور تفصل بين الكومة وبين السماء أو الرجُل والمرأة أمام البيت في الخلفية.(16)

     

    

    

"الزهور دائما موجودة لمَن يُريد أنّ يراها"(17) 

(هنري ماتيس (1869 - 1954)، رسّام انطباعي فرنسي)


في القرن العشرين، احتلت أعمال الرسّام الفرنسي هنري ماتيس عن الأزهار مساحة كبيرة من ساحة الفن الحديث. فبتغير أساليب الرسم والتشكيل والتحول من الواقعية إلى الانطباعية وما بعدها، كان ماتيس أحد رواد تلك المرحلة بحكم إتقانه للأساليب الجديدة.(18)
 
ففي لوحته "زهور جرنانيوم حيّة" (Still Life with Geraniums)، المرسومة عام 1910، نجد تقديما وتأخيرا لعناصر اللوحة، فوضع الزهور في المقدمة واستخدم في إبرازها خطوطا عريضة وجريئة وألوانا حيوية وحارة تتناقض مع برودة الأزرق بدرجاته التي تسيطر على اللوحة.
  
كما استخدم عدة خلفيات للمزهرية، وهي: الطبق الأبيض أسفل المزهرية، والطاولة، والستارة المطرزة بنقوش زرقاء وتنساب على الطاولة، والطوق الذي يتوسط الستارة. واللوحة على عكس لوحات أخرى لماتيس، تظهر فيها العناصر واضحة، ففي بعض لوحاته عن "الطبيعة الصامتة/الحيّة" (Still Life)، تكاد تكون طاولاته مفقودة وسط الأنماط الملونة الأخرى التي تملأ بقية الغرفة.
  
في القرن الحادي والعشرين، انتشر عدد من التوجهات لا حصر لها بحكم انتشار التقنيات الحديثة والتي تعتمد على الآلات الذكية وبرامج الحاسوب في الرسم. ولعل أبرز تلك التوجهات هو "الفن التوضيحي" (Illustration Art)، والذي يعتمد على برامج حاسوبية. كذلك، فإن عدد المُنتسبين إلى توجهات الفن المُعاصر لا حصر لهم ولا يمكن تقديم أحدهم على الآخر بوصفه الأبرز أو الأشهر. فكل ما نستطيع فعله هو ضرب مثال توضيحي عن الفنون الزهرية.(19)
           

على سبيل المثال، أعمال الرسّام الأميركي المعاصر نويل بادجز بوج، والذي يعتمد على الزهور الطبيعية في رسومه التوضيحية ليخلق إحساسا أقرب للحلم، كما أنه يُركز على بنية وتفاصيل عناصر الموضوع خاصة على البنية العضلية للأعضاء البشرية.(20) الشاهد، يرى الفيزيائي ديفيد دويتش، أن الأزهار تحتوي على نوع من الجمال الموضوعي، فهي تجذب البشر بألوانها المتناغمة ومنحنياتها الناعمة وأشكالها المتناسقة، فاستطاعت جذب مئات الرسّامين على مر التاريخ. كما أن الزهور غنية بالرموز والمعاني المتجددة، فزهرة واحدة يمكن أن تمثل القدرة على التكاثر أو الاضمحلال في آن، يمكن أن تمثل النقاء أو الاختلاط، يمكن أن تمثل الحب أو الكبد.(21)

 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار