هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
الاكتئاب.. اضطراب العصر الحديث وصرخة بحث عن الحب

الاكتئاب.. اضطراب العصر الحديث وصرخة بحث عن الحب

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 

يقول سيغموند فرويد إن الرسام الهولندي فنسنت فان غوخ ربما كان سيعيش أطول إذا نجح في الحب، ويُرجع معاناته طوال حياته إلى غياب الحب وتعرضه للرفض وفشله في أن يجد رفيق درب يحتمي بصحبته من وحشة الوحدة والاكتئاب. في إحدى رسائله لأخيه ثيو يكتب: "لن أعيش بدون حب"، فنسنت الذي كان يعتقد أن الحياة لا معنى لها بدون الحب لم يجد هذا الحب أبدا.

 

ما يُكسب كلمات فرويد أهمية حقا أن حكاية فنسنت المؤلمة لم تكن لتسكن القلوب في كل أنحاء العالم لو أنها لم تكن -بطريقة ما- حكاية كل شخص، فمن ذا الذي لم يتعرض في حياته للفشل وانكسار القلب والرفض في رحلة البحث عن الحب؟ إن سيرة حياة الفنان تكتسب أهمية خاصة عندما يعبر فنه وحياته عن لحظة تحول تاريخية، عندما تعكس حكايته روح العصر وتلخص القيم السائدة في فترة تاريخية معينة. لقد كان فان غوخ من هؤلاء الفنانين الذين يتحدى فنهم الزمن.(1)

 

كذلك تشبه حكاية الفنان النرويجي إدفارد مونش حكاية فان غوخ مع الحب. عندما كان شابا تعرض للكثير من خيبات الأمل في الحب، مما جعله يرى الحب قوة مدمرة مقترنة بالموت. فعاش حياته محاولا تجنبها، لم يتزوج وظل وحيدا ومنعزلا حتى النهاية يعاني من المرض والاكتئاب. إن آلام الحب وخيباته كانت وراء الكثير من الأزمات النفسية التي مر بها العديد من المبدعين.

 

وربما ليس من الصعب ملاحظة أن موضوع الحب هو أحد أكثر المواضيع ظهورا في الفنون بأنواعها، وما يجعل من حياة المبدعين وأعمالهم قوة مؤثرة هو قدرة المبدع على التعبير بحساسية فائقة عن التجارب التي يعيشها ويشعر بها ولا يستطيع غيره التعبير عنها. لذلك يتوقف جزء كبير من نجاح الأعمال الإبداعية على قدرتها على التعاطف والتعبير عن أسئلة البشر وآلامهم المشتركة.(2)

 

"الرغبة في الاندماج مع شخص آخر هي أكبر توقان لدى الإنسان، إنها أشد عواطفه جوهرية"

( إريك فروم، فن الحب)

  

إدفارد مونش، انفصال 1896 (مواقع التواصل)

  

لم تقتصر معاناة فان غوخ ومونش مع الحب على افتقادهم للحب بمعناه الرومانسي فقط، بل عانى كلاهما من عدم وجود الأهل والأصدقاء بالقرب. لطالما حاول فان جوخ إقناع أخيه ثيو بالحياة معا وكذلك دعواته المستمرة لغوغان لكي يشاركه السكن والرفقة، خصوصا أن الناس كانوا يتجنبونه لأنهم يرونه شخصا غريب الأطوار. ومعظم الناس في الغالب يعتبرون غريبي الأطوار ليسوا أشخاصا مثلنا علينا أن نراعي مشاعرهم.

 

كذلك مونش الذي تعرض مع موت أمه المبكر وهو طفل صغير لقسوة الأب الذي كان يعمل طبيبا عسكريا لديه عقيدة دينية صارمة، ظل يهدد من خلالها مونش بالعقاب بالجحيم. وعندما علم هذا الوالد بانضمام مونش إلى مجموعة البوهيمين في أوسلو من الكتاب والفنانين الرافضين للقيم البرجوازية سخط والده عليه سخطا شديدا. لقد كانت حياة وأعمال فان غوخ وإدفارد مونش التي تصدرت مشهد الفن مع بداية القرن العشرين ومع صعود قيم الحياة الحديثة -وكما يرى "رادو" عالم التحليل النفسي- بمنزلة "صرخة بحث عن الحب".(3)

   

على اليمين لوحة العامل والطفلة لإدفارد مونش وعلى اليسار لوحة الخطوات الأولى لفان جوخ. لقد كانوا يحلمون بدفء العائلة والحب (مواقع التواصل)

   

الاكتئاب.. تكلفة حياة حديثة بلا روابط

يصف "إيميل كريبلن" الطبيب النفسي الألماني الاكتئاب في إحدى كتاباته قائلا: "إنه يشعر بالعزلة والتعاسة وكأنه مخلوق حرم من قدره، كما يشكك في وجود الخالق، ويعيش في حالة استسلام كامل تغلق في وجهه كل أبواب الأمل، فيعيش أيامه بصعوبة ويرفض كل شيء، وكل ما حوله مصدر للقلق، لا يرى في شيء إلا الجانب المظلم والمتاعب التي يمكن أن تنشأ. أما الأشخاص المحيطون به فجميعهم مخيبون للآمال، لذلك فهو يعاني صدمة تلو الأخرى في علاقاته بهم، وتظل حياته بلا معنى، ويحاوطه شعور بالتفاهة والضآلة، فتتسرب إلى رأسه فكرة التخلص من حياته دون أن يعلم السبب، غير أن كل ما يعلمه أن شيئا ما قد انكسر بداخله".(9)

 

هذا ما تشير إليه الدراسات أن الناس في الحياة المعاصرة يعانون من الاكتئاب بصورة أكبر مما كانت مجتمعات الماضي تعاني منه. ويرجع الكثير من العلماء السبب إلى افتقاد الإنسان في الحياة الحديثة للحب والشعور بالأمان، والذي يكون في الكثير من الأحيان هو الدافع وراء الرغبة في الإنجاز والنجاح وتحقيق الطموحات. فالإنسان في ظل الثقافة الاستهلاكية في المجتمعات الحديثة، لا يحصل على التقدير والحب والاهتمام إلا بمقدار ما حقق من إنجازات ونجاحات دون النظر إلى أي شيء آخر.(4)(5)(6)

 

كذلك فإن أحد أسباب الاكتئاب الحديث هو معاناة الإنسان المعاصر من الانفصال والاغتراب، فهو لا يشعر بالانتماء إلى قوة أكبر منه ترعاه وتعتني به. وهذا ما تطرحه فكرة "موت الإله" التي أعلنها نيتشه، والتي لا تعني هنا موت الإله بالمعنى الحرفي، إنما موت المعنى التقليدي للأخلاق في المجتمعات الصناعية التي سيطرت عليها النزعة الفردية التي تضع الترابط الاجتماعي في ذيل أولوياتها، وأصبح أفراد المجتمعات الحديثة يعانون من وحدة وعزلة مزمنة.(7)

 

إدفارد مونش، سوداوية (مواقع التواصل)

 

يقول د. عبد الستار إبراهيم: "أسوأ الضغوط وأكثرها ارتباطا بالتوتر والاضطراب النفسي هي تلك التي تحدث للفرد المنعزل والذي يفتقد للمساندة الوجدانية والصلات والدعم الاجتماعي والمؤازرة. بعبارة أخرى فالحياة مع الجماعة والانتماء إلى مجموعة من الأصدقاء أو إلى شبكة من العلاقات الاجتماعية والأسرية المنظمة، تعتبر من المصادر الرئيسية التي تجعل للحياة معنى، ومن ثم توجهنا في عمومها للصحة والكفاح والرضا، وتحملنا في الوقت نفسه على مقاومة الضغوط وتحملها". وقد أثبتت الدراسات أن الضغوط المتعلقة بالانفصال أو الفقدان مثل الطلاق أو موت الزوج أو الزوجة أو وفاة صديق أو قريب تشكل أشد الضغوط وأقساها في حياة الفرد وأكثرها تحفيزا للاكتئاب.(8)

 

يتبنى هذا الرأي أيضا أصحاب المدرسة الاجتماعية الذين يرجعون السبب إلى تزايد نسب الانفصال والطلاق في المجتمعات الحديثة، كذلك افتقاد الفرد الآن إلى الكثير من مصادر الدعم والحماية، فلم يعد الآباء قادرين على قضاء وقت أطول مع أبنائهم. كما أن مفهوم الأسرة الممتدة تقلص في كل المجتمعات تقريبا بما فيها مجتمعاتنا العربية كما يقول د. عبد الستار إبراهيم. لقد كانت الأسرة الممتدة في السابق تحيط الفرد في مراحل النمو المبكرة التي لها بالغ الأثر في تكوينه النفسي بالرعاية والأمان حتى في غياب أحد الوالدين، وهو الشيء الذي تقلص دون أن يكون له بدائل كافية تعوضه.(10)

 

"الاضطرابات الاكتئابية ما هي إلا انعكاس للبيئة الاجتماعية للشخص في الماضي والحاضر"

(لويس ولبرت، الحزن الخبيث)

  

 فان جوخ، حبيبان (مواقع التواصل)

    

الحب الزائف وتفكك الحب

تُحول المجتمعات الرأسمالية الحديثة كل شيء إلى سلع، العالم عبارة عن سوق كبير ومستهلكين وسلع، وكثيرا ما يتحول الإنسان نفسه إلى سلعة في هذا السوق، يحاول طوال الوقت عرض نفسه ومهاراته ومميزاته ليظفر بأفضل الأرباح، يقول إريك فروم: "إنه يعيش قوى حياته على أنها مستثمرة يجب أن تحمل له أقصى ربح ممكن بشروط السوق". لقد حدد المجتمع الرأسمالي معايير الجمال التي يجب أن يتبناها الناس والتي سيجد المرء بها أن دائما هناك الأفضل، وكذلك الطريقة التي يجب أن يحب بها كل إنسان، وعن طريق النصائح التي يلقنها الخبراء للأزواج أصبح معروفا ما الذي يجب على كل طرف أن يقوم به، وما الذي يجب أن ينتظره من الطرف الآخر.(11)

 

يقول محمود درويش: "..لا نصيحة في الحب ولكنها التجربة"، لكن الأفراد في الحياة المعاصرة لا يرغبون في التجربة، يرفضون المخاطرة ويبحثون عن علاقات مضمونة يعرفون شكلها سابقا، كما شاهدوه في وسائل الإعلام والإعلانات. يقول باومان في كتابه الحب السائل: "في ثقافة استهلاكية مثل ثقافتنا، ثقافة تفضل المنتجات الجاهزة للاستخدام الفوري والاستعمال السريع والإشباع اللحظي والنتائج التي لا تحتاج إلى جهد طويل، والوصفات السهلة المضمونة والتأمين ضد المخاطر كافة وضمانات استرداد النقود المدفوعة، فالوعد بتعلم فن الحب هو وعد بتحويل تجربة الحب إلى ما يشبه السلع الأخرى".(12)

 

عندما يتحول الحب إلى سلعة يصبح شكلا من أشكال الرغبة، "الرغبة هي اشتهاء للاستهلاك، اشتهاء للالتهام والابتلاع والهضم، اشتهاء للتدمير"، من ثم فالأشياء المدمرة هي نفايات -تحطمت شوكة الإغواء- علينا التخلص منها وتجربة أشياء جديدة، إذ إن "الأشياء القابلة للاستهلاك مغرية والنفايات منفرة وتحقق الرغبة يليه التخلص من النفايات". وهذا يعني فقدان الموارد التي يمكن أن تحميك ضد النكسات والفشل. أما الحب فهو على العكس من ذلك، إذ يهتم بالحرص على الرعاية والحفاظ على موضوع الرعاية، "فإذا كان هدف الرغبة الاستهلاك فهدف الحب التملك، وإذا كان تحقق الرغبة يعني تدمير موضوعها فإن الحب ينمو ببقاء موضوعه ودوامه، وإذا كانت الرغبة تدمر نفسها بنفسها فإن الحب يديم نفسه بنفسه".(13)

 

فان جوخ، حبيبان (مواقع التواصل)

  

في مدح الحب

في كتابه "في مدح الحب" يناقش آلان باديو الطرق الحديثة التي يروج للحب بها، تلك التي تضمن للناس حبا بلا مخاطر وبلا ألم، مثل مواقع المواعدات التي انتشرت ملصقاتها في باريس والتي تختار لك شريكك بحرص شديد عبر الإنترنت عن طريق إمدادك بصورة له وكذلك ذوقه في كل شيء وعمله وبرجه وكل المعلومات المتاحة عنه، ثم من خلال معادلة ما تخبرك أن هذا الشخص هو الأنسب لك وأن العلاقة معه ستكون خالية من المخاطرة. لكن هل هذا حب؟ يعتقد آلان باديو أن "الحب لا يمكن أن يكون هدية تمنح في غياب تام للمخاطرة". وهذا هو تماما ما تقوله الرأسمالية للعامل المؤقت الذي ليس لديه تأمين وظيفي أو عمل رسمي (لا التزام نحوك)، كذلك يقول الحبيب (لا التزام من جانبي) في عالم من العلاقات السطحية الاستهلاكية التي تبدو مريحة.(14)

 

يمنعنا الخوف في الكثير من الأحيان من الدخول في علاقات إنسانية خوفا من الرفض أو الفشل أو الألم، لكن هذا الخوف قد يكون أكبر عائق يحرمنا من أن تنشأ علاقات تواصل حقيقية بيننا وبين الآخرين. يقول راجي عنايت: "هؤلاء ينسون أن بإقامة العوائق في طريق العلاقات الحميمة ورفع السواتر التي تحميهم من آلام الحب، يحرمون أنفسهم من دفء وعمق المشاعر الحقيقية في الحياة، الإيجابي منها والسلبي".(15) وهو الرأي نفسه الذي يتبناه آلان باديو الذي يرى أن الحب يواجه عدوين: الأمان الذي تضمنه بوليصة التأمين، والمتع المحددة التي تبقينا في منطقة الراحة حيث الكل متشابهون والتي تشبه ما تلقيناه عن الحب سابقا.(16)

  

 

كما يرفض باديو اختصار الحب في نشوة البدايات، لا يرفض وجود النشوة لكنه لا يعتبر الحب هو اللقاء الأول، بل هو عملية بناء، تحتاج إلى الكثير من الوقت والصبر، لذلك من الصعب أن يتحمل الناس تكلفة هذا البناء في أزمنة تعتبر السرعة قيمتها الأولى. يرى باديو أن الحب مغامرة لكنها متماسكة كذلك، جانب المغامرة قد يكون ضروريا لكن لا يقل كذلك عن جانب التماسك. يقول: "إن التخلي عنه مع أول حاجز، مع أول اختلاف جاد، مع أول شجار، يعني تشويه الحب".(17)

 

"الحب الحقيقي هو الحب الذي ينتصر باستمرار، أحيانا بألم، فوق العوائق التي تقف حاجزا عبر الزمان والمكان والعالم"

 (آلان باديو)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار