اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/12 الساعة 15:24 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/24 هـ

انضم إلينا
هل كانت نسبية أينشتاين من وحي الموسيقى؟

هل كانت نسبية أينشتاين من وحي الموسيقى؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

أُصيب أينشتاين وهو بعد في الخامسة من عُمره بمرض شديد أقعده طريح الفراش، وللتسرية عنه أعطاه كل من أبويه هدية سيكون لها أكبر الأثر فيما بعد في تشكيل شخصيته واهتماماته، أعطاه والده "هيرمان" بوصلة، بينما رتبت له أُمه "باولين" التي كانت تهوى عزف البيانو أن يتلقى دروس كمان.

  

عندما أمسك أينشتاين الطفل البوصلة بكلتا يديه ووجدها تتحرك دون أن يمسّها أحد، سرَت قشعريرة دهشة امتزجت بالسعادة بجسده كله، فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي يُبصر فيها شيئا يتحرك بلا حاجة إلى أن يحركه آخر وكأنه واقع تحت تأثير مجال قوي خفي. يقول أينشتاين عن تلك الحادثة: "لا أزال أستطيع أن أتذكر -أو على الأقل أعتقد أنني أستطيع أن أتذكر- أن هذه التجربة أحدثت في نفسي أثرا عميقا ودائما. لا بد أن هناك شيئا خفيا يحكم الأحداث".

  

وقد كانت إزاحة الغموض عن ذلك الشيء الخفي هو ما وهب أينشتاين حياته كلها له، لينتج عن هذا نظريتان ستغيران للأبد الطريقة التي نرى بها العالم: النسبية العامة والنسبية الخاصة. وفي طريقه الطويل إلى إنجازاته العلمية ظلت هدية أمه ملاذه الذي يلجأ إليه كلما استعصت عليه المسائل المُعقدة، فحتى آخر أيامه بقي ارتباط أينشتاين بالموسيقى التي عشق عزفها كما الاستماع إليها عميقا.

 

والحقيقة أن الباحث عن شخصية أينشتاين وحياته سيجد، بجانب عشقه الشديد للموسيقى، الكثير مما سيثير اهتمامه، بعيدا عن الصورة النمطية لذاك العجوز أشعث الشعر غريب الأطوار الذي دأبت الثقافة الشعبية على تصويره. فمنذ كان على قيد الحياة وأغلب ما يتم تداوله عنه مجرد مُفارقات لم تحدث قط، كرسوبه في الرياضيات -عندما سمع أينشتاين ذلك الخبر ضحك بشدة وعلّق: "لم أرسب قط في الرياضيات، وقد أتقنت حساب التفاضل والتكامل قبل أن أبلغ الخامسة عشرة"- أو مبالغات حيال سلوكه وعاداته الشخصية.(1) لكن خلف تلك المُفارقات والمبالغات، ووراء هالات الإعجاب والتمجيد، يكمن إنسان شاعري للغاية، كل ما أراده هو أن يكشف في قوانين الكون عن ذاك التناغم العميق الذي وجده في الموسيقى.(2)

 

عازف الكمان

           
لم يبدأ حُب أينشتاين للكمان وهو بين الخامسة والسادسة من عُمره عندما أشرفت أُمه على إعطائه دروس العزف، فحينها كان يعزف بشكل آليّ بلا شغف تماما كما سيفعل مَن أجبره أبواه على أمر لا يُحبه. لكن الأمر تغيّر تماما بعدها بعشر سنوات، والسر؟ موتسارت.(3)

         

يروي أينشتاين عن هذا: "تلقيت دروس الكمان منذ كُنت في السادسة وإلى أن بلغت الرابعة عشرة، لكنّي لم أحظ قط بأي توفيق مع مُعلميّ، الذين لم تتخط الموسيقى بالنسبة لهم حدود التدريبات الآلية. بدأت أتعلم بحق عندما بلغت الثالثة عشرة بعد أن وقعت في حب سوناتات موتسارت، فلقد أجبرتني مُحاولة إعادة إنتاج ما بها من جمال فني وسمو مُتفرد على أن أرتقي بمستواي في العزف، وهو ما حدث فعلا بفضلها دون أن أتدرب بشكل منظم. فالحُب مُعلم أفضل من الإحساس بالواجب، على الأقل بالنسبة لي".

    

منذ ذلك الحين، نشأت علاقة حميمة بين أينشتاين وموسيقى موتسارت، التي قال عنها: "إن موسيقى موتسارت نقية وجميلة لدرجة أنني أراها انعكاسا للجمال الكامن في الكون ذاته. فككل ما هو جميل، كانت تجسيدا للبساطة". وتقول الباحثة شاونا هالفي عن حُبه لها: "فضّل أينشتاين الموسيقى شديدة التركيب والحتمية لباخ وموتسارت عن غيرها من الموسيقى، فقد كان يتخيّل موتسارت يقطف الموسيقى من الهواء كما لو كانت دائمة الوجود في الكون. كان يرى نفسه يفعل نفس الشيء كموتسارت، لم يكن ما يصنعه هو مُجرد وضع للنظريات، بل كان استجابة للطبيعة بانسجام مع الكون".(4) وقد تركت الموسيقى بما فيها من فن وخيال مُجرد أثرها على طريقة تفكيره، فأينشتاين لم يكن يُفكر بلغة الأرقام والمعادلات الجامدة، ولا حتى عن طريق الكلمات المُحددة، بل كان يدع العنان لخياله حتى يقوده إلى التفكير في أسرار الكون، يرافقه في هذا حدسه الشاعري.(5)(6)

    

فقد بدأت أفكاره فيما سيصبح بعد هذا نظريتي النسبية العامة والخاصة على هيئة تجارب فكرية، تساءل في أحدها عمّا سيحدث إذا استطاع شخص ما الانطلاق بسرعة الضوء بمُحاذاة شعاع ضوئي، وفي أخرى تخيل الزمكان على هيئة قماشة مشدودة، ثم تخيل نفسه يدع كرة بولينغ (الشمس) تتدحرج فوقها، أتبعها ببعض كُرات البلياردو (الكواكب). بالطبع ستتجه كرات البلياردو نحو كرة البولينغ، ليس بفعل طاقة غامضة (الجاذبية)، بل بسبب الانحناء الذي سببته كُرة البولينغ في نسيج القماشة (الزمكان).(7)

          

         

كانت تلك التجربة الفكرية البسيطة الأساس الذي أتبعه بكثير من الحسابات الرياضية لتتبلور في النهاية نظرية النسبية العامة ويقوّض بها ثلاثمئة عام من فيزياء نيوتن الكلاسيكية، ويفتح الباب لحقبة جديدة من العلم الحديث. احتاج الأمر إلى نحو مئة عام كاملة لتتطور التكنولوجيا ونتمكن من إجراء تجربة عملية فقط في العام الماضي 2016 اكتشفنا بها وجود موجات الجاذبية (Gravitional Waves) تماما كما تنبأ أينشتاين.(8)

 

وتتساءل الباحثة شاوني هالفي عن سبب توصل أينشتاين دونا عن غيره من علماء عصره إلى تلك الاكتشافات الثورية، وفي نهاية البحث تخلُص إلى أن هذا جاء نتيجة لولعه بالموسيقى الذي جعله يُفكر كفنان أكثر منه كعالم، فأينشتاين نفسه يقول: "قادني إلى اكتشاف النسبية حدسي، وقد كانت الموسيقى المُحرك الأساسي وراءه، جاء اكتشافي نتيجة لِوَحْيٍ موسيقيّ".(9) ولهذا، فقد كان أينشتاين يُعلي من قيمة الخيال تماما كفنان، ويتحدث غير مرة عن محدودية المعرفة في مقابل سعة الخيال، وقد قال عن هذا في أحد اللقاءات: "أنا فنان أُحلّق في خيالي بُحرية، فالخيال أهم من المعرفة. المعرفة محدودة لكن الخيال يسع العالم"، وفي لقاء آخر: "ستأخذك المعرفة من الألف إلى الياء، لكن الخيال سيأخذك إلى كل مكان".(10)

 

وقد بقيت الموسيقى تشحذ خيال أينشتاين وتمد له يد العون كُلما واجهته الصعوبات، فيروي ابنه هانز ألبرت: "كلما بلغ به الإرهاق مبلغه أو واجه تحديا صعبا في عمله لجأ إلى الموسيقى، وكان هذا يحل جميع صعوباته". ويقول أحد أصدقائه: "كان كثيرا ما يعزف الكمان في مطبخه في وقت مُتأخر من الليل، ويرتجل الألحان وهو يمعن فكره في مسائل مُعقدة، ثم فجأة في وسط العزف يصيح في غاية النشوة والإثارة: وجدتها!، كما لو كان حل المسألة قد جاءه وحيًا أثناء عزفه".(11)

 

منذ أن رتبت أُمه تلقيه لدروس العزف وهو بعد طفل وإلى نهاية حياته بقي الكمان الصديق الأقرب إلى أينشتاين الذي يلجأ إليه متى احتاجه، ويبثه أنغاما ما كان عصيًّا على الكلمات. سافر كثيرا لكن دوما برفقته، وحقق كثيرا بمساعدته، حتى إنه كان يعتبره إنسانا ويدعوه تحبُّبًا "لينا".(12) يقول أينشتاين عن كمانه: "الكمان هو صديقي القديم الذي أقول وأغني بواسطته ما لا أعترف به حتى أمام نفسي، وما يجعلني أضحك عندما أراه في الآخرين".(13)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار