اغلاق
آخر تحديث: 2017/4/9 الساعة 15:49 (مكة المكرمة) الموافق 1438/7/13 هـ

انضم إلينا
محمد منير.. من طرب الرفض والثورة إلى نشاز السلطة

محمد منير.. من طرب الرفض والثورة إلى نشاز السلطة

أحمد سامي

محرر سينما
  • ض
  • ض

شاب نوبي أسمر البشرة ذو جسد نحيل وشعر مجعد غير مصفف وأزياء غير مهندمة، وتبدو حتى غير متناسقة، حركات عفوية دائمة على المسرح، وإمساك غريب للميكرفون، أداء تلقائي ولهجة هجين من القاهرية والنوبية، لا يرتدي بذلات أنيقة ولا ربطات عنق ملفتة، لا يألف ثيمات الأغاني المكررة بين الهجر والفراق، ويقدم موسيقى تخلط بين الجاز وتراث النوبة الموسيقي.
 

لكن أبرز ما ميز الشاب الجديد هو موقفه المعارض السلطة، والتمرد الكامل من حيث الشكل والمضمون الفني على مطربي جيله، وغربة مع قليل من المحبين التفوا حوله؛ لو سألت أحدهم الآن عن غربة أن تكون من محبي منير وقتها؛ لأجابك على الفور كأن تكون من مشجعي نادي الزمالك في عالم يكتسي باللون الأحمر.

 
 

بعد انفتاح الرئيس أنور السادات حدثت في مصر تغيرات جليّة، تدنٍّ ملحوظ في الذوق العام، وحالة من البلادة تكسو المجتمع المصري، فقد اغتال شبح الاستهلاك كل ما هو أصيل تقريبا، ولم ينج منه حتى الفن ومفردات الجمال، كل شيء بين السيئ والرديء، ورحيل ملائم تماما لآخر عمالقة جيل الأبيض والأسود (فريد الأطرش - عبد الحليم حافظ - أم كلثوم) غياب عمالقة تميزوا بالطرب الأصيل والارتباط الدائم بالسلطة.
 

وفي نهاية السبعينيات وبفعل الصدفة أو ربما إرادة خفيه للجمال، وفي مقهى وادي النيل بميدان التحرير التقى منير بالشاعر عبد الرحيم منصور، والموسيقار الشاب -وقتها- هاني شنودة، والملحن النوبي أحمد منيب، وبدأ منير غناءه بالدف والإيقاع يصاحبه عود أحمد منيب في تجمعات المثقفين في مقاهي التحرير.

  

يمكن اعتبار المجموعة بأكملها خليطا من المغمورين المبتدئين باستثناء الشاعر عبد الرحيم منصور ذائع الصيت وقتها؛ لكنه حديث العهد بالشعر الغنائي، وللمفارقة كان منير الوحيد من بينهم الذي لم يقدم للجمهور بعد، رفقة هذه الصحبة قدم منير "علموني عنيكي" ألبومه الأول لكنه لم يلق أي نجاح تجاري، واختلف الأمر قليلا مع "بتلوموني" ألبوم منير الثاني الذي لقي نجاحا وإن كان نسبيا[i] .

 

يتعرّف منير بعد ذلك على عازف الدرامز يحيى خليل؛ ليبدأوا في تكوين فرقتهم الخاصة وإبداع الموسيقى التي تعبر عنهم وخلط الجاز بالإيقاع الشرقي والتراث النوبي؛ ليحققا معا نجاحا غير مسبوق، ويصدرا مجموعة من أفضل الأعمال الفنية "شبابيك" و"اتكلمي" و"بريء"، ويعلق الأديب عادل أسعد الميري على تعاون يحي خليل مع منير قائلا "أحدث نقلة نوعية هائلة في مستوى الأداء الموسيقي لمنير"[ii].
 


ظهور منير الأول كان إيذانا بصعود جماعي لمجموعة من المبدعين قدموا فنا عبروا فيه عن أنفسهم وعن رؤيتهم لحياة الناس، وأعلن منير -من خلال الشكل الذي خرج به على الجمهور والأغاني التي قدمها- أنه ينتمي للشارع والمهمشين، كما يروي الشاعر مجدي نجيب عن "منير" فى بداياته  وقد تنبأنا جميعا بأنه الجديد القادم من جنوب مصر لتجديد دماء الأغنية وخروجها من مأزق التكرار لكي تكون أكثر ارتباطا وتعبيرا عن الناس وحياتهم"
[iii]


ويضيف نجيب في كتابه "من صندوق الموسيقى: زمن الغناء الجميل" لقد كان منير يختلف عن نجوم الفن في ذلك الوقت "، أما الموضوعات فقد كانت مختلفة عن موضوعات أغنياتنا التي كانت متربعة ومستقرة حتى عام 1973.
 

بدأ غناءه بالدف والإيقاع يصاحبه عود أحمد منيب في تجمعات المثقفين واحتفالاتهم وفي منازلهم، وكنت أشفق على أصحاب الغناء في تلك الفترة من صدمتهم بهذا النوع الجديد الذي لا يعتمد على بهرجة الآلات الموسيقية والغناء بالملابس الرسمية، لقد كسر منير هذه القاعدة ليقف بتي شيرت وبنطلون جينز على المسرح بلا أناقة ولا كريمات على الوجه، كان مكتفياً بالتجمل بغنائه الذي لا يشبه غناء أحد من معاصريه لا في الألحان أو الكلمات أو طريقة الأداء.

 

الأمر الذي يؤكد عليه منير نفسه في حوار سابق أجرته معه مجلة "المصور" عام 1995 "كل أغنياتي لمصر.. هي الحبيبة في كل ما غنيت"، اهتمام منير بمناقشة القضايا الاجتماعية في أغانيه دفعت مكتبة الكونجرس الأميركي لوضع اسمه ضمن قائمة أهم فناني العالم مناقشةً لقضايا مجتمعاتهم في أعمالهم[iv].

 

"الشعب حبيبي وشرياني، أهداني بطاقة شخصية

الاسم الكامل إنسان، الشعب الطيب والدايا

المهنة بناضل بتعلم، تلميذ في مدرسة شعبية

المدرسة فاتحة على الشارع، والشارع فاتح في قلبي

أنا قلبي مساكن شعبية"

 

أصبح منير من خلال مظهره ونوع الغناء الذي يقدمه ينتمي للشارع فهو أكثر شبها بعابريه؛ حتى لو رأى البعض أن تعبيره عنهم لا يجد صداه إلا في تجمعات المثقفين والنخبة،[v]  فمنير وقبل صعوده الأول على المسرح كان قد انتمى لقافلة طويلة من المظالم؛ بحكم نشأته النوبية وتعرض أسرته للتهجير بعد غرق قرى النوبة تحت مياه بحيرة ناصر في أوائل السبعينيات .[vi]

 
 "الفنان بلا تمرد أو تحريض أقرب إلى التسلية، وأنا لن أكون مسلواتي مهما حييت"

(محمد منير)

 

لم يكن ارتباط منير بالشارع والجمهور يقتصر على البعد الاجتماعي لأغانيه فقط؛ بل بموقف سياسي يمكن اعتباره على يسار السلطة، بداية من اشتراك منير في المسرحية السياسية "الملك هو الملك" وتأديته لكامل أغانيها التي كتبها فؤاد نجم؛ ليكون الموقف الأوضح من كل فناني جيله من السلطة، فمحمد منير هو "المغني الوحيد المثقف في مصر" بحسب ما أدلى به حجاج أدول في حوار مع جريدة القاهرة أبريل 2004 .

 

واستمرت تلك المواقف لسنوات لم يقبل منير حتى بمساومته في أمور تبدو عادية؛ فحين طلب منه منظمو حفل افتتاح المتحف النوبي عام 1997، ارتداء زي رسمي مراعاة لحضور رئيس الجمهورية للحفل رفض منير إلا أن يخرج كما اعتاد بهيئته العفوية وطلته المتمردة، مواقف جعلت من منير وفنه ممنوعيْن من الظهور على التلفزيون الرسمي للدولة في وقت كان هو النافذة الإعلامية الوحيدة للجمهور وبشكل أكثر عدائية وغرابة سحب التلفزيون المصري كاميراته التي كانت تغطي "الاحتفالية الألفية بالهرم" فور صعود منير المسرح.


لأن خيانة واحدة لا تكفي
  

"لا عمري أبداً خنت فني ولا فني خانني"

(محمد منير)


مع بداية الألفية حدث تغير ملفت للملك (اللقب الذي حازه بفعل فنه ومواقفه المناوئة للسلطة) تمثل في تعاون فني مع المنتج نصر محروس؛ تعاونٌ نتج عنه تغير مفاجئ لم يعد معه فنُّه مفهوما، غاب عن أغانيه البعد الاجتماعي، وأصبحت كلماتها ركيكة وحتى موسيقاه المميزة اختفت، فبعد أن غنى للمحشي والفطير؛ لم يعد غريبا أن يطل علينا بأغانٍ تقول "مش كل كل ولا أي أي" بعد أن كان يغني "الدم على الأرض خريطة مشتاقة ليوم الحرية"[vii]

 

ويوم غزت برامج المواهب الغنائية الشاشات العربية لاقى الأمر استهجانا من منير، باعتبارها محاولة لتسليع الفن واستهلاكه لا تقديرا للموهبة نفسها؛ قائلا في تصريحات عديدة له إن "برامج المسابقات الغنائية ضعيفة ولا تفيد المواهب"، إلا أن منير فاجأ جمهوره في منتصف عام 2013 بالظهور في أحد تلك البرامج "آراب أيدول" ذات الإنتاج الخليجي!



منير الذي استهجن كثيرا مثل تلك البرامج واعتبرها عديمة المواهب، وأن لجان تحكيمها غير مفيدة ظهر ليثني على "جميع الأصوات الشابة الموجودة بالبرنامج" وأثنى كذلك على الدور الكبير الذي تقوم به لجنة التحكيم، يحق لجمهور منير التساؤل عن سر ذلك التغير المفاجئ لقناعات نجمهم المفضل، ومنير لا يبخل على محبيه بالإجابات أبدا "اعتبروني عيل وغلط وبصراحة أصوات متسابقي أراب أيدول هذا العام أكثر من ممتازة"[viii]

 

التغير المفاجئ لقناعات منير القيمية وانحيازاته ضد مواقفه (هو) شخصيا السابقة دفعت الصحفي هشام لاشين للتساؤل "لماذا يتنازل مطرب يساري متمرد عن قناعاته ومواقفه المعارضة على طول الزمن لأي سلطة؛ ليتحول إلى طبال في بلاطها يغرد على إيقاعات رسمية ممنهجة، تدعو للكذب وتجميل الواقع القبيح؛ لمزيد من تخدير الناس الذين يئنون في الشوارع ويصرخون من الغلاء والخراب والمرض والجوع؟". 
 

صوت الجنوب العاق
بعد انتشار أخبار عن بداية منير في تصوير مسلسل "المغني" لقي الأمر سخرية في السوشيال ميديا باعتبار أن "قصة صعود مطرب" أمر تم استهلاكه بالفعل على الشاشة! خصوصا وأن منير الممثل يفتقد حميميته مع الغناء في التمثيل وتخرج تعابيره جامدة وأحيانا تشعر أن ردود أفعاله تأتي متأخرة عن المشهد.

 

أمر آخر جعل الكثير من المتابعين مترقبين صدور العمل نفسه، رغبة دفينة في التعرف على النوبة -بلد الناس الطيبين- التي عانت تجاهل الدولة لها وعدم دراية غالبية المصريين بطبيعة النوبة ومظلوميتهم التاريخية عندما تعرضوا للتهجير القسري من قراهم في عهد عبد الناصر لتلقي بهم الدولة في "وادي جهنم" كما أطلق عليه النوبيون فيما بعد[ix]، حتى ظهور منير وتأثره واستعانته بالفن النوبي؛ خصوصا مع تعاونه في بدايات مشواره مع الملحن النوبي أحمد منيب فخرجت أعماله في بداياتها معبرة عن الهوية والثقافة النوبية.

 

على الرغم من كل ذلك الغضب الذي قوبل به مسلسل المغني من أهالي النوبة لم يجد منير الأمر يستحق أي مداخلة أو توضيح أو محاولة استرضاء غير مكلفة؛ ليكمل منير مسلسل خياناته المتكررة.

لسان الحال يقول أخيرا ستجد النوبة معبرا دراميا عنها يقدمها لأبناء بلدها الذي يجهل بعضهم مجرد وجودها حتى، لذا استبشر النوبيون خيرا بمسلسل "المغني" لأن أغلب حلقاته صورت بأسوان، وظنوا أن منير سيحكي عنهم وعن تاريخهم المنسي ومظلوميتهم التاريخية، إلا أنهم فوجئوا -ومن البداية- بتزييف وتسطيح للنوبة بداية من اللهجة النوبية التي تم استبدالها باللهجة الصعيدية، والجهل ببعض الحقائق التاريخية بخصوص أماكن وقرى النوبة[x].


استمر "المغني" في تزييف وقائع حياة النوبيين الأمر الذي وصل ذروته في الحلقة الخامسة من أحداث المسلسل؛ حيث قام المسلسل بتزييف واقعة تهجير أهالي النوبة، وصورهم مهللين سعداء بوقائع التهجير التي تمت بصورة غير إنسانية ومهينة، وتم شحنهم في صنادل نيلية متهالكة؛ وليس في مراكب فخمة ومجهزة كما صورها المسلسل.

 

وانتشرت حالة من الغضب في ردود أفعال النوبيين على مواقع التواصل الاجتماعي، أعلنت عن مقاطعة كل ما يتعلق بالمسلسل على صفحة "أهل النوبة"، وإطلاق حملة "#المغني_لا_يمثل_النوبة"، للتعبير عن غضبهم ورفضهم لتزييف التاريخ النوبي، ما دفع الأديب النوبي حسن نور للتعبير عن حزنه من منير والتساؤل "إزاي هان عليه نفسه وأهله؟[xi]"! 

 

وعلى الرغم من كل ذلك الغضب الذي قوبل به مسلسل المغني من أهالي النوبة لم يجد منير الأمر يستحق أي مداخلة أو توضيح أو محاولة استرضاء غير مكلفة؛ ليكمل منير مسلسل خياناته المتكررة.
 

محمد منير أبا زيد جبريل متولي من مواليد قرية منشية النوبة بأسوان، تلقى منير تعليمه المبكر وقضى فترة الصبا في أسوان قبل أن يهاجر مع أسرته للعاصمة بعد غرق قرى النوبة تحت مياه بحيرة ناصر التي خلفها السد العالي، ستجد هذا التعريف في الملف الخاص بمنير على ويكيبديا، في رحلة تتويج "الكينغ" كانت النوبة هي الجمال الأخير الذي تمت خيانته.

 

أنا قلبي مساكن شعبية
وفي عام 1789 توجهت مسيرة نسائية كبيرة لقصر فرساي تهتف ضد الملكة ماري أنطوانيت لأجل الخبز، يشاع أن آنطوانيت عندما سمعت هتاف شعبها أسفل القصر، سألت إن كانوا لا يجدون الخبز، "لماذا لا يأكلون الكعك ؟" هكذا ببساطة، على الرغم من أن الواقعة نفسها تقابل بالتشكيك أحيانا؛ إلا أن الواقع أكثر غرابة وسخري.

ففي العام 2016 وبعد وجود أزمة كبيرة في منتج "السكر" في مصر خرج منير في إحدى حفلاته وفي محاولة منه لتوعية جمهوره بأن الأزمة متكررة، "وأن الحاجة أم الاختراع" إذ؛ فما الذي يقترح علينا الكينغ؟ لا تجدون السكر الأمر بسيط إذن "علينا أن نستخدم العسل بدلا منه في الشاي" وأضاف "الشعوب لازم تستفيد من ميراثها والتجارب اللي فاتت".

 

الاستفادة الوحيدة التي قدمها منير هنا من الميراث الحضاري هو كيف نعيد تقديم المساخر التاريخية بوقاحة! وقد لاقت تلك التصريحات استهجانا واسعا في مواقع السوشيال ميديا، الأمر الذي تم بالاستعانة بتراث منير الموسيقي نفسه:

 

"ده حبيبي عايز له سكر
        
منين أجيبله سكر
باب الحكومة مسكر حبسوني وحبسوه
   سو يا سو حبيبي حبسوه"

قنديل: سؤال أخير لما بتشوف حاجة لمنير دلوقتي، بتحس بإيه؟

محمد صلاح: بأحس إن منير بقي موبايل بكاميرا. [xii]


تتبع التغير الذي طرأ على منير بتمعن يجعلنا ندرك بوضوح أنه لم يكن مفاجئا ولا صادما كما يعتقد بعض محبيه؛ فالتغير لم يكن متعلقا -فقط- بنوع الموسيقى والكلمات التي بات يقدمها؛ بل تغيير شمل جمهور منير نفسه، فالمطرب الذي غنى في الأوبرا لسنوات بتذكرة لم تتجاوز قيمتها عشرين جنيها، لم يعد يغني سوى في الساحل الشمالي وقرى البحر الأحمر بتذاكر ذات أسعار فلكية، فمنير لم يعد يغني سوى لطبقة واحدة يمكنها أن تدفع قيمة تذاكره
[xiii] وبالتأكيد هي ذات الطبقة التي يمكنها أن تستخدم الكعك بديلا عن الخبز والعسل بديلا عن السكر.
 

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك