اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/2 الساعة 15:31 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/6 هـ

انضم إلينا
اللوحات الانطباعية في موسيقى ديبوسي

اللوحات الانطباعية في موسيقى ديبوسي

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
تخيل أنك تسير في الصباح الباكر وسط حديقة مزهرة ثم تقف أمام بحيرة لتستمتع بمشاهدة زنابق الماء تتفتح، وتشعر بالهواء النقي ونسيم الزهور المنعش يملأ رئتيك، هكذا رسم الرسام الانطباعي كلود مونيه (1840-1926) لوحاته، وهكذا أيضا حول كلود ديبوسي (1862-1916) هذه اللوحات دون قصد إلى موسيقى.

 

في لوحات مونيه الانطباعية، تختفي الشخوص المرئية حتى تكاد تتلاشى تحت لمعان الضوء، وتتألق آشعة الشمس وهي تنشر خيوطها على كل جزء في اللوحة، تتوهج أسطح المنازل وتظهر الألوان الزاهية في المراعي والحدائق، حتى الظلال نجدها ملونة وليست رمادية، فكل شيء في لوحات الانطباعيين يسطع ببريق عجيب.

 

كان الانطباعيون يرسمون المناظر كما تنطبع في وجدانهم في لحظة معينة من النهار وتحت ضوء الشمس، وليس كما هي عليه بالفعل، فجعلوا من طريقة عملهم تلك ما يميزهم عن طريقة عمل الكاميرا التي كانت لتوها قد ظهرت لتنافس الرسم، ولم يقتصر تأثير الانطباعية على الفن، بل انتشر ليصل إلى عالم الأدب والشعر من خلال بول فيرلين وبودليير وألبير سامان وغيرهم، فكانوا يميلون في شعرهم إلى الانطباعات الذهنية للكلمات عن طريق أصواتها.

 

أما في الموسيقى فقد تبنى كلود ديبوسي هذا المذهب دون أن يتعمد ذلك، فكل ما كان يريده هو أن يتحرر من الموسيقى القديمة ويخلق شيئا جديدا، ولقد كانت موسيقاه تعبر بشكل جوهري عن التصوير الانطباعي، الذي يختصر العالم في أضواء وألوان وحركة وحالات وجدانية مختلفة، لقد كان مهتما بالمزاج وبالجو أكثر من اهتمامه بالهياكل الموسيقية.

 

في بداية حياته كان ديبوسي يميل إلى الرسم، ربما يفسر لنا هذا الميل حبه الشديد للأضواء والألوان فيما بعد، يقول الناقد كميل موكلير: إن المناظر الطبيعية في لوحات مونيه هي في الحقيقة سيمفونيات من الأمواج المضيئة، وموسيقى ديبوسي تحمل شبها ملحوظا مع تلك الصور اعتمادا على القيم النسبية للأصوات التي تتحوّل في موسيقاه إلى بقع وألوان ذات رنين وإيقاع"

 

موسيقى ديبوسي مع لوحات كلود مونيه

 

أظهرت كتابة ديبوسي الموسيقية منذ بداية حياته الفنية استقلالا وأصالة عجيبين، فألف أربعا وعشرين مقدمة للبيانو دون أن يعتمد على أي نوع من النماذج المعروفة، وكل مقدمة تتميز بطابع خاص بها، وألف الكثير من المقطوعات الموسيقية التي تعبر عن نظرته الخاصة للطبيعة والتي تشجع السامع ليتخيل مشاهد وصورا من الطبيعة الحية، واستلهم  ديبوسي من لوحة "الآنسة المختارة" للفنان الانجليزي "دانتي جابرييل روزيتي" أول مؤلفاته الهامة، فقام بموسيقاه برسم صورة سماؤها زرقاء قاتمة ومن وسطها تلمع الدرر المتألقة.

 

مقطوعة مستوحاة من لوحة الآنسة المختارة


 

تتميز الموسيقى الانطباعية بأنها لا تعبر عن العواطف العميقة شديدة الذاتية، مثلما عبرت عنها الجزء الأكبر من الموسيقى الرومانسية، فالموسيقى الرومانسية تركز بشدة على قص موضوعات بالغة الحساسية والتي تعبر من خلالها بكثافة عن الفرح والحزن والغضب والموت، لكن الموسيقى الانطباعية بلا شكل محدد، فهي تعكس مشاعر وصور غير واضحة المعالم، تماما مثل اللوحات الانطباعية.

 

تثير الموسيقى الانطباعية في المستمع شعورا بالعوالم السحرية الغرائبية التي يسودها الغموض والضبابية، وتذكرنا بالعصور الثقيلة الساحرة، فعندما نستمع إلى مقطوعة ضوء القمر أشهر مقطوعات ديبوسي على الإطلاق، نتخيل القمر يلقي بضوئه على شاطيء البحر في ليلة هادئة، ربما تتسل إلينا برفق بعض الذكريات الحالمة، ذكريات المشي ليلا في ضوء القمر ومشاعر الشجن والحنين والدفء، فنتذكر تلك الليالي التي غمرنا فيها الحب، تجسد موسيقى ضوء القمر اللحظات العذبة التي نسرقها من الحياة، لحظات الراحة والمتعة الهادئة والاطمئنان، والكثير من الأشياء الأخرى التي لا يمكن وصفها.

 

مقطوعة ضوء القمر مع لوحات مونيه


 

إن أسماء المقطوعات الموسيقية لديبوسي نفسها تشبه أسماء اللوحات الانطباعية، مثل: "الحدائق أثناء المطر"، "انعكاسات في الماء"، "الرياح تهب على السهل"، "جنية الماء"، "الضباب"، "أوراق الشجر الذابلة"، "السمك الأحمر"، يقول محمد رشاد بدران أن كل هذه الأسماء توحي لنا بتراقص الأضواء، وبالانعكاسات المتلألئة، وبالبقع المتحركة من الألوان، وقد نثر عليها نقاب من الغموض يحجب رؤية الأشياء في أوضاعها المحددة.

 

في مقدمته المسماه "خطوات على الثلج" ولكي تخرج لوحته الموسيقية متقنة يكتب ديبوسي عبارة توضيحية للعازف على كراسته الموسيقية يقول: "هذا الايقاع يجب أن يكون له القيمة الموسيقية التي التي لإطار يحتوي منظرا موحشا، لفضاء تكسوه الثلوج"، وعندما نستمع إلى مقطوعة "الجزيرة السعيدة" التي تنتمي إلى مجموعة "تأمل صامت" وهي واحدة من أكثر مؤلفات ديبوسي شعبية وشهرة، نشعر بتأثيرها الذي يبعث على الاسترخاء، تتدفق الموسيقى بهدوء وببطء حتى تصبح مثل شلال مياه في حركتها، ثم تبدأ في الاختفاء حتى تتلاشى بالتدريج.

 

كان ديبوسي مسحورا بعوالم الليل والنجوم وبالبحر، فكان يحب الظلام وأضواء الغسق عندما يحف كل شيء طبقة من الغموض والضبابية، ويروى أنه كان يقف ساعات طويلة في وقت الغسق على جسر بول فيرلين ليتأمل مياه نهر السين التي ينعكس عليها الضوء، وكان يعشق البحر والمحيط والمطر.

 

مقطوعة صور البحر

 

يقول محمد رشاد بدران: "إن أسلوب ديبوسي يثبت جدارته العجيبة في تعقب التغير المستمر للمشاعر والإدراك وكل ما يصل لحواسنا بطريقة مضطربة، لقد كان شاعرا حالما تراه يعيد الحياة إلى أحلام في اليقظة، وهو يقوم بالوصف في إيجاءات خفيفة، تلمس من مشاعرنا نقطها الأكثر حساسية فتولد لدينا صورا مرئية".

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك