اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/9 الساعة 13:49 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/13 هـ

انضم إلينا
الموسيقى ودماغ الإنسان

الموسيقى ودماغ الإنسان

مها فجال

محررة موسيقى
  • ض
  • ض

"تأثير الموسيقى أكثر تغلغلا وقوة من كل الفنون الأخرى، فبينما تتناول تلك مجرد ظلال، تنفذ الموسيقى إلى الجوهر"

(أرثر شوبنهاور، العالم إرادة وتمثلا)

 

يجلس العجوز هنري، منكس الرأس كعادته علي كرسيه المتحرك في إحدى زوايا دار المسنين. ران على كيانه صمت عميق، ابتلع ذكريات أعوامه التي جاوزت التسعين وأضاع عنه وعيه باللحظة الحاضرة. نسج الصمت حوله سياج عازل فصله عن كل الآخرين. كان كميت يتنفس. لكن، داخل هنري، كانت الحياة لا تزال نابضة. كل ما كان بحاجة إليه هو كسر الصمت الذي فرضه عليه مرض الزهايمر. لم تقدر على القيام بتلك المهمة سوى الموسيقى.

 

وضع المعالجون على رأس هنري سماعة متصلة بجهاز آي بود، انطلقت منها موسيقاه المفضلة من أيام الشباب. انفرجت أسارير العجوز الواجمة أبدا وأخذ في الغناء والتحرك على إيقاع الأنغام. كان كأنما بُعث من موات.

 

حالة هنري ليست استثناء. في الوثائقي Alive Inside، نتبع دان كوهين مؤسس منظمة "الموسيقى والذاكرة" في رحلته حول دور المسنين في الولايات المتحدة لإقناع إداراتها بتزويد العجزة المصاب الكثير منهم بأمراض الشيخوخة كالخرف والزهايمر بأجهزة الآي-بود كجزء من البرنامج العلاجي. لقطة بعد أخرى، نرى الموسيقى تنفذ إلى أعماق المسنين وتوقظ داخلهم ذكرياتهم وهوياتهم التي أضاعها عنهم المرض وتبعثها مجددا إلى الحياة.
 


يلفت الفيلم أنظارنا إلى تأثير الموسيقى على دماغ الإنسان، ويجعلنا نتساءل ماذا أيضا تقدر على فعله تلك النغمات المنظمة؟ أي محاولة للبحث عن إجابة هذا السؤال لابد أن تأخذنا عبر كتابات "أوليفر ساكس"، عالم الأعصاب البريطاني الذي كتب طويلا وكثيرا عن الموسيقى والدماغ.

 

معجزات موسيقية
في كتابه "نزعة إلى الموسيقى" يروي لنا ساكس عن أكثر حالات الأمراض والإصابات الدماغية غرابة والتي لعبت فيها جميعا الموسيقى دور البطولة. من أكثر تلك الحالات بعثا على الدهشة حالة "كلايف ويرنج".

 

قبل أن يهاجمه المرض في الأربعين من عمره، كان ويرنغ خبير في الموسيقى الكلاسيكية، مغني تينور، قائد أوركيسترا وعازف بيانو مرموق يعمل بإذاعة الـBBC. في يوم السابع والعشرين من مارس من عام 1985 أصيب كلايف بما شخصه الطبيب علي أنه حُمى شديدة.  لكن تلك الحمي لم تكن سوي أول الأعراض لفيروس هاجم مخ كلايف ودمر أجزاء منه جاعلا إياه صاحب أسوأ حالة فقدان ذاكرة تم تسجيلها.

 

فقد كلايف كل ذكرياته عن حياته الماضية بالإضافة لفقدانه القدرة على تكوين أي ذكريات جديدة. صارت ذاكرته مداها من سبع لثلاثين ثانية. كل ثلاثين ثانية تمثل له أول استفاقة من غيبوبة طويلة. تنفتح عيناه لتبصران حوله مفردات لواقع ما إن يحاول التفكير فيه لفهمه حتى ينساه. تركه مرضه في حالة من الاغتراب والعجز عن الاستيعاب، سلبه كل قدرة عن التواصل، فهو لا يستطيع حتى إجراء محادثة طبيعية.

 

شيء واحد فقد بقي سليما. لم يفقد كلايف القدرة علي لعب الموسيقى. عن هذا كتبت زوجته ديبورا، "حمل زخم الموسيقى كلايف من فاصلة إلى فاصلة. كان يصمد خلال بناء القطعة كما لو كان المدرج الموسيقى خطوط ترام وكان هناك طريق واحد للذهاب. كان يعرف بالضبط أين كان لأن هناك سياقا في كل عبارة موسيقية مفروضا، بواسطة الإيقاع، والمفتاح واللحن. ما أروع أن يكون حرا. ومع توقف الموسيقى، كان كلايف يقع في هوة النسيان مرة أخرى. لكن في تلك اللحظات التي كان يعزف فيها، كان يبدو طبيعيا."(1) بطريقة أو بأخرى، أعطت الموسيقى كلايف وسيلة ما للتواصل.
 


كلايف ليس الوحيد الذي ساعدته الموسيقى على التواصل، فـلم يكن للانس فاردون البالغ من العمر خمسة وعشرين عاما من باب يمرق منه إلى العالم سوى الموسيقى. ولد لانس أعمي لأبوين مصابين بالصمم وتم تشخيصه في السابعة من عمره بحالة شديدة من التوحد تسببت في عجزه عن التواصل اللفظي مع الآخرين. أقصى ما يقدر عليه هو الإجابة عن الأسئلة بـ "نعم" و"لا". وبالرغم من هذا، فقد حُبي لانس بموهبة موسيقية قوية.

 

وهو بعد دون عامه الأول، كان لانس يجد متعة كبيرة في العزف على لعبة بيانو. أدرك أخوه الأكبر موهبته عندما كانا صغيرين وتجمهر حولهما مجموعة من الناس ليشاهدوا أخيه وهو يقلد المغني الأمريكي بينج كروسبي. لعب لانس في أوركسترا مدرسته قبل أن يقوم بالأداء في قاعة كارينجي المرموقة.

 

عن قدرة الموسيقى على مساعدة مصابي التوحد على التواصل قال إدوارد روث، أستاذ العلاج الموسيقىّ بجامعة ميتشجن، أن الأطفال الذين أجري عليهم رنين مغنطيسي أثناء ارتجالهم للموسيقى أو سماعهم لموسيقى مرتجلة أظهروا نشاط في مناطق الدماغ المسؤولة عن التواصل. "لو قدر لك النظر لأدمغتهم، ما استطعت أن تعرف الفرق بين من يتواصلوا عبر الموسيقى ومن يتواصلوا عبر الكلام."(2)

 

لم تثبت الموسيقى فقط أنها وسيلة تواصل لمصابي التوحد، فقد أثبتت دراسات علمية أن العلاج الموسيقىّ يساعد وبشدة مرضى السكتات الدماغية علي تحسن حالتهم النفسية والجسدية (3). كما لوحظ تأثيرها علي تخفيف الأعراض المصاحبة للأمراض النفسية كالقلق والاكتئاب والشيزوفرانيا(4).
 

(مجموعة من المصابين بالسكتة الدماغية أثناء جلسات العلاج الموسيقي)

 

بعد أن رأينا التأثير العميق الذي تمارسه الموسيقى علينا، بقي علينا أن نتساءل، لماذا تمتلك الأنغام مثل هذه القوة؟

 

لماذا تؤثر علينا الموسيقى؟
هنالك مجموعة مختلفة من النظريات التي تبحث في إجابة هذا السؤال لكن أحدا لم يصل لنتيجة قاطعة. إحدى هذه النظريات ترى في الموسيقى شكل بدائي من أشكال التواصل سبق اللغة وحمل داخله نموذجا لها. تشير هذه النظرية إلى أن هنالك أنماطا معينة من الموسيقى لها نفس الأثر على الأشخاص بغض النظر عن مجتمعاتهم وثقافاتهم، وتفترض أن هذه الأنماط ربما كانت أصوات أطلقها أسلافنا من حناجرهم للتعبير عن مختلف المشاعر، نفس المشاعر التي تنتابانا إلى الآن عندما نستمع إليها (5). بينما ترى نظرية أخرى أن الموسيقى نشأت عن حركات الجسد ومن ثم فمعجم الموسيقى الشعوري مستوحى من هذه الحركات، كمثال على هذا فسماع أحدهم يجري يصيبنا بالقلق بينما يثبتنا وقع الخطى الخفيف (6). 
كلمات مفتاحية: موسيقى فن فنون عزف
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك