اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/11 الساعة 16:11 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/17 هـ

انضم إلينا
موسيقى الراي.. من وهران الجزائرية إلى آفاق العالمية

موسيقى الراي.. من وهران الجزائرية إلى آفاق العالمية

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

كنافذة مُشرّعة على اتساع العالم هي المدينة الساحلية، فبينما تقع غيرها من المُدن مُختنِقة داخل البلدان، محدودة من كل الجهات بمدن أُخرى، تنفتح هي على رحابة البحر الواسع، وتحتضن في القلب منها كل ما تحمله رياحه من ثقافات مختلفة. حينها، تعمل كبوتقة تنصهر فيها مختلف الثقافات والتقاليد والفنون لتُخرِج لنا بعدها تقليدا ثقافيا جديدا يكون مزيجا من ذلك كله.

  

هكذا كانت الإسكندرية المصرية التي التقت بها رياح الشرق الفرعوني بالغرب اليوناني لتلد لنا الثقافة الهلنستية، وهكذا كانت أيضا نيو أورلينز الأميركية التي امتزجت بها أنغام أوروبا بإيقاعات أفريقيا وكوّنا معا موسيقى الجاز، ومثلهما كانت وهران الجزائرية، حيث انصهرت معا التقاليد الموسيقية لإسبانيا وفرنسا والعرب والإفريقيين ليخرج لنا مولود جديد هو موسيقى الراي [1].

  

الجيل الأول: في قلب وهران
بدأت قصة الراي بمدينة وهران عام 1920، في ذلك الوقت كانت الجزائر واحدة من مستعمرات فرنسا التي مضى على احتلالها قرابة مئة عام، عاشت فيها الجزائر صراعات كثيرة رغبة في نيل استقلال لم تحققه سوى بمضي أربعين سنة أخرى، وقد كان من أعماق ذلك المجتمع المُحتَل -المفروض عليه عُنوة الغرق في الفقر، والانبطاح تحت القمع- أن انبثق الراي.

   

مدينة وهران الجزائرية التي خرج منها مولود الراي الناتج عن امتزاج الثقافات المختلفة بفنونها وتقاليدها

مواقع التواصل 
  

جاءت أغاني الراي حينها كانعكاس صادق لمجتمعها، تصور معاناة أهله تحت وطأة الاستعمار الذي سلبهم أراضيهم وحرياتهم وفرض عليهم سطوته لمدة قرن كامل. أما عن كلمة "الراي"، فهي تعني "الرأي" أو "الرؤية". لربما جاءت تلك الكلمة إذن للإشارة إلى كون تلك الأغاني تعبر عن رأي أفراد من الشعب عما يمرون به.

  

اعتمدت موسيقى الراي في بداياتها بشكل أساسي على الشعر الملحون، والإيقاع القوي والألحان التقليدية، وعُزفِت غالبا على آلة الناي، وعُرِف مغنوها الذكور بالشيوخ والإناث بالشيخات [2]. أما عن الشيخات، فحالهن لم يختلف كثيرا عن حال نساء ذلك العصر، من محاولات المجتمع الكثيرة للتضييق عليهن، إلى اعتبارهن مارقات عن قواعد الأدب والاحتشام. ورغم ذلك، فقد خرج منهن أكثر من موهبة عظيمة حظيت بعدها بتقدير العالم أجمع، ولعل أبرز من غنى الراي من النساء الشيخة ريميتي، التي أُطلق عليها لقب "جدة الراي".

 

الشيخة ريميتي
عُرفت سعدية بضياف -التي أُطلق عليها لاحقا "الشيخة ريميتي"- بصوتها الجهوري ويديها المُخضبتين بالحناء، ورغم أن اسمها "سعدية" فقد عاشت حياة بائسة كتب الفقر واليتم والترحال فصولها الأولى. وُلدت سعدية في (مايو/أيار) عام 1923 وبدأت في الغناء وهي بعد في الخامسة عشر من العمر، ولم تتوقف حتى موتها عن عمر يناهز الثلاثة والثمانين [3].

   

  

كموسيقى الراي نفسها كان تاريخ الشيخة ريميتي مليئا بالحظر والمنع، فبغنائها لكلمات إيروتيكية وتناولها لمواضيع جريئة وضعت الشيخة ريميتي نفسها في موضع العداء مع السلطة، والحكومة الجزائرية -كسائر الحكومات العربية- وضعت نفسها موضع الوصي على الشعب ومنعتها من الغناء بالجزائر منذ عام 1962 وحتى موتها. لكن رغم هذا، لم يقف المنع يوما دون حصول ريميتي على شهرة واسعة جعلت آخر حفلاتها التي أقامتها بفرنسا قبل يومين فقط من موتها يحضرها قرابة أربعة آلاف شخص.

   

إلى العالمية
في طريقها الطويل من قلب وهران الجزائرية إلى الآفاق العالمية مرت موسيقى الراي بمراحل كثيرة اختلفت فيها أطوار علاقتها مع المجتمع الجزائري وسلطاته السياسية والدينية، لتنتقل من المنع والتحريم والاضطهاد لفنانيها -الذي وصل في بعض الأحيان إلى القتل- للتكريم والاحتفاء والإشارة إليها كرمز للثقافة الجزائرية [4]، كما تطورت أيضا أنغامها من الآلات والألحان الشعبية التقليدية بوهران إلى الامتزاج بأنواع من الموسيقى الغربية الحديثة كالجاز والهيب هوب.

  

لم ترق للسلطات موسيقى الراي، وحاولت بكل السبل حظرها، فمنعت بثها على قنوات التلفاز. فلم يبق حينها منفذ لها سوى أشرطة الكاسيت المُهرَبة التي استطاعت الانتشار عبرها والوصول لمستمعيها بطول الجزائر وعرضها

مع سقوط الاحتلال الفرنسي عام 1962 وتولي جبهة التحرير الوطنية حكم الجزائر فُتحت أعين أجيال جديدة من الشباب على أن القمع لا يأتي بالضرورة من الخارج، وكبر ذلك الجيل واختار الراي موسيقى له يعبر خلالها عن سخطه وهمومه، وليتمايز عن الجيل السابق أسقط لقبي "الشيخ" و"الشيخة" واتخذ بدلا عنهما لقبي "الشاب" و"الشابة"[5].

  

بطبيعة الحال، لم ترق للسلطات -التي لا تطرب آذانها سوى لنشاز النفاق- موسيقى الراي، وحاولت بكل السبل حظرها، فمنعت بثها على قنوات التلفاز. لم يبق لموسيقى الراي حينها منفذ سوى أشرطة الكاسيت المُهرَبة التي استطاعت الانتشار عبرها والوصول لمستمعيها بطول الجزائر وعرضها. هذا وقد بلغ حب الشباب لموسيقى الراي درجة كبيرة لم تملك معها السلطة سوى الرضوخ والاعتراف الضمني بموسيقى الراي عن طريق إقامة أول مهرجان رسمي لها بوهران عام 1985. [6]

     

لكن حتى سطوة جبهة التحرير لم تكن شيئا مقارنة بالسلطة الدينية المتطرفة، ففي التسعينيات من القرن الماضي، انخرطت الجزائر في حرب أهلية دموية بين الجماعات الدينية من جهة وجبهة التحرير الوطنية من جهة أخرى وقع خلالها آلاف القتلى والضحايا. كما رأت السلطة السابقة في الراي تهديدا لها، رأت الجماعات الدينية المتطرفة في جرأته خروجا صريحا عن القواعد المتزمتة التي تريد فرضها عنوة على المجتمع، وانبرت بعدها تهدد الفنانين وتتوعدهم، وإن كان بعضهم قد ظل في شك من قدرة الجماعات الفعلية على إصابتهم بالأذى فقد قطع قتلهم لمغني الراي الشاب حسني أمام منزل والديه عام 1994 ثم اغتيالهم لمنتج الراي رشيد بابا أحمد بعدها بعام واحد الشك باليقين[7].

   

  

سواء هربا من السلطة السياسية قبل الحرب أو من السلطة الدينية المتطرفة بعدها، لم يجد كثير من مغني الراي أمامهم سوى الهجرة حفاظا على سلامتهم الشخصية وحملوا فنهم معهم، وعوضا عن موت الراي لانفصاله عن تربته الأصلية بالجزائر، استطاع ذلك الجيل المُهاجِر من الفنانين إحياءه من جديد في الخارج، وإيصال أنغامه للعالم أجمع.

  

لعل من أشهر مُغني ذلك الجيل هو الشاب خالد، والذي صار يُعرف لاحقا بملك الراي. هاجر الشاب خالد -المولود بوهران في عام 1960- إلى فرنسا في 1989، وهناك حققت بعض من أغانيه نجاحا مُدويا كان له دور كبير في تعريف أوروبا بموسيقى الراي، من تلك الأغاني تُعد "ديدي" هي الأشهر، وفي حفل افتتاح كأس العالم بالبرازيل عام 2010 قام الشاب خالد بغنائها[8].

    

كما حاز أيضا الشاب مامي على شهرة واسعة لتعاونه مع المغنيّ البريطاني ستينغ (Sting) في الأغنية الشهيرة "Desert Rose". وفي عام 1999، اشترك الشاب خالد وفاضل ورشيد طه في واحدة من أشهر حفلات الراي على الإطلاق بباريس، حضرها حوالي 14,000 شخص. لاحقا، تم إطلاق تسجيلات الحفلة بألبوم غنائي سُمي [9]"1,2,3 Soliels"، وتُعد أغنية "عبد القادر" التي اشترك الثلاثة في غنائها أشهر أغاني الحفل. الجدير بالذكر أن أغنية "عبد القادر" من الأغاني التراثية التي يناجي فيها كاتبها أولياء الله الصالحين لمساعدته، وقد قام الثلاثي بتقديمها بآلات معاصرة وإيقاع سريع لاقى إعجابا كبيرا.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك