اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/17 الساعة 17:01 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/26 هـ

انضم إلينا
"مجد مزيف".. تامر حسني والبحث عن تكريم وهمي

"مجد مزيف".. تامر حسني والبحث عن تكريم وهمي

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

وقف الفتى نركسوس يتأمل انعكاسه على صفحة البُحيرة، ولمّا غابت عنه حقيقة أن ذاك الواقف على الجانب الآخر منه لم يكن سوى نفسه، ظنّها شخصًا آخر وهام بها عشقًا. لكن ظل معشوقه نائيا عنه، لا سبيل لوصله، فجاء الحزن واعتصر قلب نركسوس الذي ضاعت عنه كل رغبة في الحياة وذوّت روحه، وكانت نهايته أن مات كَمَدًا دون أن يدري قط أن من أحب لم يكن سوى انعاكسه.

 

ربما تكمن المأساة الحقيقية في أسطورة "نركسوس" الإغريقية في كوّنه لم يستطع "التقاط" ذاته، أو الانفصال عنها ثم تأملها من بعيد كموضوع للعشق. فالآن مثلًا، نجد من حولنا الكثيرين الذين -مثل نركسوس- وقعوا في غرام أنفسهم، لكن عوّضًا عن الموت حُزنًا، يعيشون حياة طويلة يحولوها لمتحف لا توجد به سوى تنويعات على تُحفة واحدة اسمها "أنا"، ويصير شغلهم الشاغل هو لفت الأنظار إليها، ومن ثم، أن يجعلوها مشهورة.(1)

 

في بحثها المُعنوّن "الشُهرة والذات الاجتماعية"، ناقشت الباحثة "دارا جرينوود" هذه الظاهرة والأسباب التي تجعل المرء يُكرّس حياته في سبيل السعي إلى الشُهرة، ثم ناقشت ثلاثة من أهم تلك الأسباب وهي: الرغبة في الانتماء، والنرجسية (حب الذات بشكل مرضيّ) والرغبة في التواصل. 

 

وفي سياق بحث جرينوود والأسباب التي ساقتها، نستطيع أن نقترب أكثر من فهم ما الذي قد يجعل من أحدهم على استعداد لفعل أي شيء للفت الانتباه وتحقيق الشهرة. فوفقًا لبحثها، قد يرتبط البحث عن الشهرة في بعض الأحيان بغريزة البقاء نفسها، فالشخص المعروف أكثر، المحبوب أكثر، سيجد من يدفع عنه الخطر أكثر ومن ثم تزيد فرصه في البقاء. وفي أحيان أخرى، تكن الرغبة في الشهرة استجابة للخوف من الموت، حيث يجد البعض في دوام الذكرى نوعًا من الخلود ومن ثم، التغلب على الفناء(2).

  

لماذا يظل من نالوا الشهرة وصعدوا لمصاف "نجوم المجتمع" في حاجة دائمة للفت الانتباه، والإتيان بأي فعل في سبيل هذا؟

مواقع التواصل
  

ربما إذن لارتباطات الشهرة بالرغبة في البقاء وتسكينها لخشية الموت، نستطيع تفسير أكثر التصرفات شططًا والتي تطالعنا بها الصُحف كل يوم لأشخاص كانت رغبتهم الوحيدة هي لفت الانتباه. فمنذ فترة بسيطة، نشرت الصحف الأميركية قصة مُراهقة دفعت الشاب الذي ربطتها به علاقة دفعًا للانتحار(3)، حتى ينظر إليها الآخرين بنظرة "الحبيبة الثكلى"، وأخرى قتلت حبيبها عن طريق الخطأ أثناء تنفيذهما لخُدعة اشتملت إطلاق النار عليه، كان ذلك في سياق فيديو أرادا تصويره ثم رفعه على اليوتيوب لتحقيق مُشاهدات عالية، لكن انتهى الأمر تلك النهاية المأساوية(4).

 

قد يُجيبنا البحث إذن عن سؤال "لم يسعى أحدهم للشهرة؟" ويفسر لنا مثل تلك التصرفات الغريبة. لكن ما يبقى مُحيرًا هو سؤال: لماذا يظل من نالوا الشهرة وصعدوا لمصاف "نجوم المجتمع" في حاجة دائمة للفت الانتباه، والإتيان بأي فعل في سبيل هذا؟ من الأمثلة المثيرة على هذا، حادثة وقعت منذ وقت قصير، بطلها هذه المرة ليس الإغريقي "نركسوس"، بل المُغني المصري "تامر حسني".

 

صناعة أسطورة الذات
بدأت القصة مطلع هذا الشهر، عندما نشر تامر حسني وسط وسائل الإعلام خبرا مفاده أنه سيسافر إلى لوس أنجلوس ليتم تكريمه ووضع بصمته في الباحة الأمامية للمسرح الصيني بهوليوود، بالإضافة لعرض فيلمه الأخير "تصبح على خير" بإحدى قاعاته.
   

  

ونظرًا لتاريخ المسرح الصيني العريق الذي يعود إلى عشرينيات القرن الماضي، وإلى المنزلة الرفيعة التي تحتلها باحته الأمامية التي طبع على قرميدها أهم فناني أميركا والعالم بصماتهم (5)، راود البعض الشك حيال رواية تامر حسني تلك. 

    

وبالرغم من الاحتفاء الكبير الذي قابل به مُعجبي تامر حسني الخبر ووصفهم إياه بأنه فخر لكل المصريين والعرب، لم يستطع هذا أن يمنع الشكوك من الطفو على السطح. بدأت الكثير من التساؤلات المنطقية تظهر، منها: ماذا فعل تامر ليستحق هذا التكريم؟ وكيف يصل تامر إلى ما لم يسبقه إليه عربي آخر حتى عمر الشريف صاحب الثلاث جوائز جولدن جلوب وترشيح الأوسكار؟ بل وكيف ينال ما لم ينله الكثير من نجوم السينما الأميركيين وغير الأميركيين من أمثال ليوناردو ديكابريو وأنيجلينا جولي وسلمى حايك وبينولبي كروز ومونيكا بالوتشي؟ وحتى نَشْر تامر حسني لمراسم التكريم وطبع بصمة يده لم يُسهم في تبديد تلك الشكوك.

     

  

لم يمض وقت طويل حتى بدأت الحقيقة تتكشف؛ إذ نشرت إحدى المواقع العربية مقالة توَصل فيها كاتبها أن مجلة "إنيجما" (Enigma) المصرية الصادرة باللغة الإنجليزية هي المسؤولة عن هذا الحفل، وأنها من قامت بالتواصل مع المسرح الصيني لاستئجار إحدى قاعاته وعرض فيلم تامر حسني بها بغرض الترويج. وعند تواصله معها، أكدت المجلة أن بصمة تامر حسني لن تكون في الباحة الأمامية للمسرح دون أن توضح أين ستكون تحديدا. كما أشار الكاتب أن إيجار إحدى قاعات المسرح لأي جهة صار مُتاحًا مؤخرًا بعد أن اشترته شركة (TCL) الصينية.(6)

 

بعد هذا ببضعة أيام، انتشر فيديو على الفيسبوك للمُمثل المصري المُقيم بأميركا "سيد بدرية"، ذهب فيه بدرية إلى الباحة الأمامية للمسرح الصيني، وبعد بحث مُطول عن القرميدة التي تحمل بصمة تامر حسني، لم يجد شيئًا.

 

 

ويبدو أن الجدل الذي أثاره الأمر قد تصاعد حتى وصل لإدارة المسرح نفسها، حيث قامت بعدها بإطلاق بيان رسمي بخصوص حفل تامر حسني. وقد جاء نص البيان كما تداولته الصُحف المصرية كالآتي: "إلى من يهمه الأمر، بعد سلسلة من التساؤلات بشأن احتفالية وضع تامر حسني لبصماته الإسمنتية، نود أن نوضح أنها مؤقتة، وأن الاحتفالية أقيمت في المسرح الصيني من أجل الترويج فقط لأحدث أفلامه "تصبح على خير" ونود التوضيح أن احتفالية تامر حسني ليست فعل مستقل بذاته، فنحن دائمًا ما نجعل مشاهير وشخصيات خيالية وحيوانات شهيرة تضع بصمات يديها وقدميها عندنا، لمجرد الترويج لأعمال فنية خاصة بهم، ولكننا نزيلها بعد انتهاء احتفاليتاهم، واحتفالية بصمات تامر حسني، تندرج تحت هذا البند، والذي وضع بصماته لأغراض ترويجية فقط، ولن يتم الاحتفاظ بها في فناء المسرح. " (7)

  

وحتى بعد أن ظهرت الحقيقة، لم يتراجع تامر حسني عن موقفه أو ينشر في بيان رسمي اعتذارا لجماهيره. ونجد فيما فعل تامر مُحاولة لصناعة أُسطورة شخصية للذات، فحتى عندما لا يوجد فعلًا على أرض الواقع ما يصوّغ تلك الأسطورة، لا ييأس، بل يقوم بنحتها بنفسه. 

 

 

تُعيد تلك الحادثة إلى أذهاننا سؤال: لماذا قد ينخرط شخص مشهور أساسًا في بعض التصرفات "الصبيانية" كما يراها البعض مُحاولةً لجذب الانتباه؟ لكن حتى نستطيع مُحاولة الإجابة بشكل أفضل، لا بد ألا ننسى أن هذه ليست المرة الأولى التي يدّعي فيها تامر حسني شيئًا لتظهر بعد قليل عدم صحته.

 

ريما تعود لعادتها القديمة
في عام 2010، نشر تامر خبر فوزه بجائزة "بيج أبل أوورد" (Big Apple Award) التي وصفها بالـ "العالمية، ومنحه لقب "أسطورة القرن"، لأنه، وفقًا لموقع "في الفن": أول فنان في العالم يغني ويمثل ويلحن ويؤلف أغانيه ويؤلف قصص أفلامه وينتج ويخرج، بالإضافة إلى تحقيقه شعبية عالية جدا على مستوى العالم." (8)

 

وعند بحث ميدان عن تلك الجائزة لمعرفة أكثر عن تفاصليها، لم نجد لها ذِكْر في أي موقع لصحيفة أجنبية مرموقة، كما لم نعثر لها على صفحة بموسوعة "ويكيبيديا". وعلى موقع الخاص بالجائزة، اكتشفنا أنها وضعت الكثير من الكيانات المصرية والعربية الإعلامية في صفحة شركائها الإعلاميين ومنهم على سبيل المثال روتانا ونجوم إف أم ونايل إف أم(9)، مما يجعلنا نتساءل، هل يا ترى جائزة موسيقية ترعاها إحدى شركات الإنتاج الموسيقيّ سيكون لها الحد الأدنى من المصداقية؟

  

انتشرت عن تامر حسني أخبار تُفيد تأجيره لمُعجبات بحفلاته للارتماء عليه وإضافة حالة هيستيرية حوّله (مواقع التواصل)

  

ومما يؤكد أكثر على عدم مصداقية الجائزة تصريح الفنانة مريام فارس أثناء حوار تليفزيوني مع الإعلامي عمرو أديب أن معظم الجوائز التي يدعيّ الفنانون العرب أنها عالمية يتم منحها لهم لقاء دفع الفنان لمُقابل مالي أو إحياؤه لحفل في الموعد الذي تُحدده إدارة الجائزة، وخصّت بالذكر الوورلد ميوزك أوورد والبيج أبل ميوزك أوورد الذي طالما تباهى بهما تامر حسني (10).

 

بالإضافة لما سبق، غير مرة انتشرت عن تامر حسني أخبار تُفيد تأجيره لمُعجبات بحفلاته للارتماء عليه وإضافة حالة هيستيرية حوّله، آخرها ما صرّح به اللبناني جو رعد الذي جاء فيه: "هناك شاب يدعى ربيع هو  من يستأجر الفتيات لحفلات تامر حسني" (11)

 

آخذين كل ما هذا في الحُسبان، ربما تنطبق على نمط شخصية تامر حسني ما كتبته الباحثة إلان جولومب عن الشخصية النرجسية في كتابها "حبيسين للمرايا"، حيث قالت: "على مستوى ما من اللاوعي، يقوم الأشخاص النرجسيون بإنكار صورتهم السيئة بشكل لا يُحتمل عن ذواتهم، هربًا منها، يُحيلون أنفسهم لأشكال برّاقة ذات عظمة لا نهائية مُحاطة بحواجز نفسية لا يُمكن اختراقها. ويكمن الهدف الوحيد لخداع الذات هذا في حماية أنفسهم من الانتقادات الخارجية التي يرهبونها بشدة، والهرب مما تموج به أرواحهم من فقدان للثقة" (12)

 

على ضوء ما سبق، بإمكاننا استنتاج أن تصرفات تامر حسني تلك كلها إنما تنبع من رغبة عميقة في نحت أسطورته الشخصية، فعلى العكس من نركسوس الذي وقع في غرام انعاكسه على صفحة البُحيرة ثم مات حزنًا لاستحالة ذلك الحُب، يُحاول تامر حسني باستمرار أن يجعل صورته المُفرطة في العظمة عن نفسه واقعًا ماثل أمام كل الأعين. لكن يبدو أن تلك الرغبة سيطرت عليه للحد الذي اختار معه لأسطورته جسدًا هشًّا من أكاذيب، ناسيًا أن للكذبة بُنيانا مُفَككا ينهار عند أدنى تمحيص، وأنه إن عاجلًا أم آجلًا ستتهاوى أسطورته المُتخيَلة ولا يبقى منها سوى حُطام من أوهام.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار