اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/21 الساعة 17:57 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/1 هـ

انضم إلينا
ستانلي كوبريك.. الرعب والاغتصاب على أنغام الموسيقى الكلاسيكية

ستانلي كوبريك.. الرعب والاغتصاب على أنغام الموسيقى الكلاسيكية

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
بانسيابية وسرعة، تنطلق السيارة فوق الطريق الذي خلا إلا منها، وعلى جانبيها، تمتد الأشجار الكثيفة التي سُرعان ما تتبعها الجبال على امتداد الطريق. غير بعيد، يُتابع النهر جريانه عبر الوديان، وفي الأفق تلوح سماء الصباح زرقاء وينساب على صفحتها الغمام الأبيض. تتابع السيارة انطلاقها حتى تصل إلى وجهتها، قصر قديم الطراز نكتشف فيما بعد أنه فُندق. (1)

  

قد يبدو المشهد السابق لجبال الروكي الأميركية واحد من مشاهد الطبيعة التي تبعث على الهدوء وتُلقي في النفس السكينة، مشهد جميل يُمكن حتى استخدامه -على حد وصف أحد النُقاد (2)- في إعلان للسيارات. لكن عندما تُتابع هذا المشهد في الدقائق الأولى من فيلم المُخرج ستانلي كوبريك "التوهج" (The Shining)، سيكون الهُدوء والسكينة آخر ما قد يختلج صدرك.

 

افتتاحية فيلم "التوهج"
السبب من وراء هذا يقع في اختيار كوبريك لمقطوعة "يوم الغضب" (Dies Irae) لتلعبها مؤلفة الموسيقى "ويندي كارلوس" في الخلفية من المشهد- بعد أن أعادت توزيعها على آلة السِنثسَيزر (Synthesizer)* الإلكترونية. ألقت المقطوعة الكلاسيكية بظلالها الثقيلة على المشهد، بل وسيطرت عليه تمامًا، استطاعت أنغامها المُنذرة أن تُحوّل ما كنا سنراه كتتابع مُريح لمناظر طبيعية بدونها، إلى شيء آخر يشي بمجهول يبعث على الخوف. دون كلمة واحدة، يُخبرنا كوبريك عبر تعالي صرير السنثازيزر عند الاقتراب من الفندق أن السيارة وسائقها يتقدمان إلى وجهة ملعونة.
  

   

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يُوظف فيها المخرج الأميركي ستانلي كوبريك مقطوعات الموسيقى الكلاسيكية في أفلامه لتكشف عمّا يُبطنه مشهد ما من معنى لا تُظهره الصورة. فقبل "التوهج" بأكثر من عشر سنوات، تحديدًا في "2001: أوديسة الفضاء" (2001: Space Odyssey)، بدأ كوبريك في تطوير تلك التقنية. وكان استبدال كوبريك للموسيقى الحديثة التي تُكتب للفيلم خصيصًا، بأُخرى كلاسيكية ألفها صاحبها قبل عشرات السنين قد بدأ كصُدفة بحتّة، سُرعان ما تحوّلت إلى أحد أبرز الخصائص الأسلوبية المُميِزة لسينماه.

 

لا صوت يعلو فوق صوت ستراوس
جرت العادة في عملية صناعة الفيلم أن يستعين المُخرج بموسيقى مؤقتة تُرافق مشاهده، وذلك حتى تُعطيه تصوّر أفضل عن الفيلم ريثما ينتهي من كَلًفه بتأليف موسيقى الفيلم الأصلية من عمله. وهذا بالضبط ما حدث في فيلم "أوديسة الفضاء"، حيث كلّف "ستانلي كوبريك" المُوسيقيّ "ألفرد نورث" بتأليف موسيقاه، وفي الوقت نفسه، عمل على تطوير مشاهد الفيلم باستخدام موسيقى لستراوس وليجيتي كان أبرزها مقطوعتي "فالس الدانوب الأزرق" و"هكذا تحدث زرادشت".

 

في أحد الحوارات، عبّر نورث عن سعادته البالغة بهذه المُهمة قائلًا: "شعرت بالحماسة الشديدة للعمل مع كوبريك مُجددًا، خاصة بعد تجربتي معه في فيلم سبارتكوس والتي كانت رائعة. طالما رأيت في كوبريك أعظم المُخرجين موهبة، سواء الشباب منهم أو الكبار، كما أسعدتني أيضًا فكرة العمل على فيلم لا يحتل الحوار منه سوى خمس وعشرون دقيقة فقط." لكن تلك السعادة لم تدم طويلًا، فبعد أن انتهى نورث بالفعل من تأليف موسيقى الفيلم التصويرية، عرف أن كوبريك قد استغنى عنها لصالح مقاطع الموسيقى المؤقتة، ما اُعتبر سابقة في عالم صناعة السينما. (3)

 

صدّم قرار كوبريك هذا الكثيرين، منهم المؤلف الموسيقيّ المرموق "بيرنارد هيرمان"، صاحب الموسيقى التصويرية لفيلمي"سائق التاكسي" و"سايكو". قال هيرمان عن هذا: "إن دل استخدام مخرج ما لمقطوعات موسيقية قديمة على شيء، فلن يدل سوى على السوقية. أرى في فيلم "2001: أوديسة الفضاء" ذروة السوقية في عصرنا. لا أستطيع أن أصدق مُرافقة مقطوعة "الدانوب الأزرق" لمشاهد من الفضاء الخارجيّ!"(4)

  

(مشهد "فالس الدانوب الأزرق" من فيلم "2001: أوديسة الفضاء")

 

لم يتفق النُقاد تمامًا مع ما قاله هيرمان، فمُنذ صُدور الفيلم وإلى الآن، نجد مكانه محفوظ في قوائمهم عن أفضل الأفلام في تاريخ السينما. كما أشاد بعضهم إشادة خاصة باختيارات كوبريك المُوسيقية، ومن هؤلاء الناقد المعروف "روجر إبرت". كتب إبرت عن فيلم "2001: أوديسة الفضاء" يقول: "دونًا عن كل أفلام الخيال العلمي الأخرى، لا يسعى "2001" إلى إثارتنا، بل على بعث الروع في نفوسنا، الشيء الذي لعبت فيه الموسيقى دوّرًا ليس بالهيّن.. كأي موسيقى تصويرية أخرى، عملت الموسيقى التي ألفها "ألفرد نورث" على إبراز الحدث، على إعطائنا إيحاءات شعورية، بينما تقع الموسيقى الكلاسيكية التي اختارها كوبريك خارج الحدث، ترفعه إلى مرتبة الجليل وتُضفي على المَشاهد جدية وتسامي." (5)

 

(افتتاحية فيلم "2001: أوديسة الفضاء" على موسيقى "هكذا تحدث زرادشت")

  

الاغتصاب على أنغام الموسيقى الراقصة
بمرور السنوات، أخذت مهارة كوبريك في اختيار ما يُناسب أفلامه من مقطوعات كلاسيكية في النُضج والتطور، ليُدِخل عليها بعد هذا أساليب جديدة، لعل أبرزها كان استخدامه للطباق(6) -خاصة في أفلامه التي احتوت على مشاهد رعب- فيرافق إحدى مشاهده مقطوعة تُخالف الإيحاء البصري أو الشعوري للمشهد تمامًا. من إحدى الأمثلة على هذا افتتاحية "التوهج" التي استعرضناها في البداية والتي جمعت ما بين مشاهد تبعث على الاسترخاء وموسيقى تُثير الفزع. كما أعاد توزيع المقطوعات الكلاسيكية في بعض أفلامه على آلة السِنثسَيزر الإلكترونية والتي تتميز على قدرتها على خلق أصوات غريبة وحادة تعجز عن إصدارها الآلات الأُخرى، مما يُعزز شعور المشاهد بالخوف ويعطى الموسيقى إيحاءً عصريًا.

 

ويعتبر فيلم "التوهج"-الذي يتناول قصة رجل سافر مع زوجته وابنه للعناية بفندق مهجور في شهور الشتاء ليهبط ببطء في هاوية الجنون- من أكثر الأفلام التي أثرت عليها اختيارات كوبريك الموسيقية، حتى وصفها الناقد "كوبرين بونيه" أنها واحدة من شخصيات الفيلم الرئيسية (7). فمُعظم مشاهد النصف الأول من الفيلم لا تحتوي على ما يثير الرعب على المستوى البصري، لتبقى الموسيقى المسئول الأساسي على إضفاء جو من الخوف والترقب.

 

وفي أكثر من مشهد، تُعطي الموسيقى طبقة من المعنى تخالف الحوار، فمثلًا عندما يذهب داني -الابن- إلى جاك-الأب- ويسأله إذا ما كان ينوي قتله وأمه، يُجيب جاك بانفعال أنه لم يكن ليفعل ذلك أبدًا. تُرافق هذا المشهد مقطوعة (Music for Strings, Percussion and Celesta)، والتي جاءت في الخلفية من كل المشاهد التي تُصور جاك يتقدم في طريق الجنون، لُتنبأنا أن ما يقوله لداني بعيد عن الصواب. (8)

 

ونجد في فيلم كوبريك "برتقالة آلية" (Clockwork Orange)- والذي يتناول مُستقبلًا خياليًّا بإنجلترا، وتدور أحداثه حول "ألكس" الشاب السيكوباتي الذي يتخذ من التنكيل بالآخرين هواية- استخدام أوسع لأسلوب الطباق، مُغاير للـ"توهج". فبينما يُكثِر كوبريك في "التوهج" من المزاوجة بين مشاهد جمالية وموسيقى مُخيفة، يفعل في "كلوك ورك أورنج" العكس، ليحتوي الجانب البصري من المشهد على ما هو مُرعب، وترافقه على الجانب الآخر موسيقى خفيفة. ففي أحد المشاهد، يقتحم ألكس وعصابته منزل أحد الأشخاص ويُكتفوه ريثما يغتصب ألكس زوجته بينما يُدندن أغنية (Singin' in The Rain)، الأغنية التي سبق وغناها جين كيلي عام 1952 في فيلم موسيقيّ يحمل الاسم نفسه، والتي طالما اقترنت في الأذهان بمشاعر السعادة والبهجة.

 

(جين كيلي يغني: Singin' In The Rain)

 

ويمتد أسلوب الطباق في فيلم "برتقالة آلية" ليشمل الصورة نفسها، فعند ارتكاب ألكس وأصدقاءه أشنع الجرائم، نجدهم يرتدون ملابس بيضاء، كما يبدأ الفيلم وهم يجلسون معًا ويشربون الحليب المُضاف إليه مُخدِر في إحدى الحانات، مما يُعاكس رمزية الحليب واقترانه في الأذهان بالأطفال ومن ثم بالبراءة.

  

يقول ستانلي كوبريك: "على الفيلم أن يعمل على مُستوى أقرب إلى الموسيقى والرسم منه إلى الكلمات. فالأفلام تُعطينا الفرصة لإيصال معاني مُعقدة ومُجردة دون الحاجة المُعتادة للجوء إلى الكلمات."(9) ويقول أيضًا:" على الفيلم أن يكون أقرب إلى الموسيقى منه إلى الأدب، أن يكون تتابعًا من أجواء ومشاعر. أما الموضوع، وما يقع خلف الشعور، والمعنى، فكل هذا يأتي في مرتبة لاحقة."(10)

 

نجد رؤية كوبريك تلك مُتحققة في كل أفلامه التي نأت بكل شكل عن الوضوح والمُباشرة وجاءت مُحملة بطبقات من المَعنى والرمزية. وحتى يصل لتلك النتيجة، ابتعد كوبريك عن الكلام وما قد يترتب عليه من ابتذال للمعنى، واتخذ من لغة السينما الشاعرية وسيلة ينفذ بها إلى نفس المُشاهد. ولعل أكثر الأدوات التي ساعدت كوبريك على الوصول لمُبتغاه كانت الموسيقى الكلاسيكية، والتي اثبت كوبريك عبر مزاوجتها بمشاهد لم يكن حتى ليتخيلها مؤلفيها، ثراء المُعجم الشعوري لتلك الموسيقى، وقدرتها على التجدد أبدًا لتُجاوز الزمن.

  

 




______________________________________

 الهوامش:

(*): السِنثسَيزر هو جهاز موسيقي يُصدر الأصوات إلكترونيا، ومن خلاله يستطيع العازف إيجاد ودمج العديد من الأصوات باستخدام مفاتيح هذا الجهاز والتي تساعد على تغيير مواصفات الأصوات الصادرة منه مثل حدته أو صداه وما إلى ذلك.


(**): أصبح أغلب مؤلفي الموسيقى يستعملون هذه النوعية من الأجهزة لما فيها من أصوات معظم الآلات الموسيقية مثل البيانو، والكمان، والطبول، فضلا على قدرته إصدار أصوات أخرى مثل صوت أمواج البحر، والرياح، والرعد. (المصدر: ويكيبيديا)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار