اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/1 الساعة 16:43 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/16 هـ

انضم إلينا
غنى "أسيبك لمين" ثم تركها!.. حوار مع محمد عباس

غنى "أسيبك لمين" ثم تركها!.. حوار مع محمد عباس

  • ض
  • ض
بين البدايات التي تصاحب اشتعال شرارة الثورة، وبين انتكاساتها، يصبح الفن الثوري طريدا في الشتات، أو أسيرا لا يجد في زنزانته من يسمع له، أو خامدا تحت الثرى، إلا أن للصوت امتدادا، حتى وإن سعت لإسكاته السلطة. في هذه المقابلة نستضيف المطرب محمد عباس، أحد أولئك الذين غنوا فوق منصات ميادين الثورة المصرية، ثم نفتهم الانتكاسات بعيدا.. نحاوره عن المسافة بين أغنيته الأولى: "أهاجر وأسيبك لمين"، حينما كان ثائرا يكمل دراسته بطب القصر العيني.. وبين أغنياته الأخيرة التي غناها من المهجر بعد أن تفرقت به السبل، وأصبح إماما لمسجد بإحدى الولايات الأميركية.
           
أهلا بك معنا محمد عباس، دعني أبدأ معك من النهاية، لماذا غادرت مصر؟
{قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسعَة فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}.. هذا هو الموضوع ببساطة، المكان هنا أصبح ضيقا على أهله، لكن أرض الله واسعة.
               
حققت أغنيتك الأولى: "أهاجر وأسيبك لمين" ملايين المشاهدات على صفحة "كلنا خالد سعيد" الثورية، كما استخدمها الجيش كخلفية لفيديو دعائي لقوات الصاعقة المصرية، ثم كانت المرة الأخيرة التي تغني فيها الأغنية في مصر على منصة رابعة.. أين الأغنية بين كل هؤلاء؟
أضيف إلى معلوماتك أن بعض صفحات أبناء مبارك استخدمتها كذلك بنفس الطريقة.. لكن دعني أحكي لك عن هذه الأغنية أولا، حتى تفهم الأمر في سياقه. الأغنية خرجت في نهاية العام 2010، أي قبل الثورة بثلاثة أشهر، نعم كان الوضع متأزما وخانقا في مصر، فكانت هذه الأغنية التي تعزف لحنا يمزج بين الشجن الذي نعايشه في حياتنا اليومية، وبقايا أمل يجددها فينا الوطن من حين لآخر، هكذا دون تخصيصها لشيء بعينه.. لكن بعد انتشار الأغنية بعض الشيء، قامت "صفحة كلنا خالد سعيد" بنشرها بفيديو جديد، وكان هو الأعلى مشاهدة وقتها وبين الأكثر انتشارا على وسائل التواصل الاجتماعي، وارتبط في الأذهان بالوقفات التي تبعت قتل الشهيد خالد سعيد رحمة الله عليه.
           

المنشد المصري محمد عباس

مواقع التواصل
                         
هذا يعني أن الأغنية في الأصل لم تكن من إنتاج صفحة كلنا خالد سعيد؟
لا، الأغنية كانت مشاعة على الإنترنت.. ووجدت طريقها إلى مدراء الصفحة المجهولين وقتها، فقاموا باستخدامها.. وهذا لم يزعجني إطلاقا، على العكس تماما.. كان هذا أحد الأسباب الهامة التي ساعدت على انتشار الأغنية وإيصالها بطريقة مرضية.

             

إذا، فالأغنية بالنسبة لك تمثل الثورة؟
الأغنية فن في النهاية.. ومهما فعلت، لن تستطيع أن تربط الأغنية إلى جوارك بحبل تجرها للمكان الذي تقف فيه فقط.. ستكون إجابة فضفاضة ودرامية بعض الشيء، لو قلت إن الأغنية كانت لمصر، عن الوطن والحرية.. لكن صدورها في نهاية العام 2010، يقول إنها مجرد إحساس شاب مصري يريد أن يقول شيئا ما ينتمي إلى هذا المكان؛ وفقط.. كونها حُسبت لاحقا على الثورة التي كنت أنتمي لها، فهذا بالطبع شيء يشرفني، أما كونها حسبت على أطراف أخرى قامت الثورة لإسقاطهم، فهذا شأنهم.
      

           

في أحد لقاءاته المتلفزة بعد الثلاثين من يونيو/حزيران قال الشاعر جمال بخيت، -شاعر أغنيتك الأولى- إن الإخوان احتالوا عليه ليأخذوا "أهاجر وأسيبك لمين" وينسبوا رصيدها لهم.. ما تعليقك على هذا؟
أحترم الأستاذ جمال بخيت.. هو شاعر كبير بالطبع، لكن لا أعرف لماذا قال هذا الكلام.. لقد كان أول من بارك لنا الأغنية وعبر عن فرحته بها بعد الثورة.. لكن ربما تتغير وجهات النظر بتبدل التواريخ، لا أعرف.

        

كنت مع رابعة وغنيت لضحاياها.. ألم تفكر في خطورة أن تحسب كفنان على طرف يؤدي إلى خسارتك؟
خسارتي؟ نعم خسرت، وخسرت كثيرا.. لست بمعزل عن هذه الفكرة وأفهمها جيدا.. لكنني لست سلعة لأقيّم مواقفي الشخصية والإنسانية من منظور نفعي محض.. خسرت أقرب أصدقائي في فض رابعة.. أعتقد أن هذه  الخسارة أكبر بكثير من مجرد خسارات رقمية في سوق المبيعات والحفلات، أو بضعة شتائم أتلقاها على صفحتي على فيسبوك من مخالفين، تشوهت الصورة لديهم وسط حرب الكراهية التي تشنها وسائل الإعلام ضد كل من ليس معهم.. قولا واحدا كان هذا موقف شخصي، أتحمل مسؤوليته تماما وأقبله بخيره وشره، ولا أعتقد أن هذا شيء ينبغي أن يضايق أحد.. وإن ضايقهم فهذا شأنهم.
        

      

كيف تحل إشكالية كونك في بلد وكون باقي صناع الأغنية في بلد آخر؟
لا شك أن تواجد الشاعر والملحن والمغني في مكان واحد يساعدهم على سرعة الإنتاج والتواصل.. لكن بعد أن تفرقت السبل؛ نحن ما زلنا على تواصل مستمر لتشارك الأفكار.

    

وكيف تسجل أغنيتك وأنت موجود في مكان والملحن والموزع موجودين في مكان؟
أسجل الصوت هنا في أحد أستوديوهات أميركا.. ويشرف صديقي الملحن صهيب شكري على تسجيل الموسيقى مع الموزع.. ثم يقوم مهندس الصوت بدمج كليهما.. هذا ليس أفضل حل بالطبع، لكنه الحل المتاح دوما إذا لم تتوفر فرصة أن نلتقي ونسجل في بلد واحد، مثلما فعلنا مؤخرا أثناء تسجيلنا لأغنية "موطني" في إسطنبول.

                

              

يظل اسم محمد عباس مقترنا بما يسمي لدى قطاع من الجماهير بـ"فن الإسلاميين".. هل تعتقد أن هناك ما يسمي بـ "الفن الإسلامي؟"
لا أقتنع -من الأصل- بهذه المسميات.. فلا يوجد في نظري ما يسمي بفنان إسلامي، وفنان ثوري، إلى آخره.. الثورة كانت ضرورة اجتماعية، وكانت جزءا من واقعنا حينما بتنا في الشوارع 18 يوما، فعبرنا عن ذلك من خلال الوسيط الذي نفهمه.. والإسلام هو عقيدة ندين بها في كل مناحي حياتنا، فأنا مسلم قبل أي شيء.. لكن أعبر من خلال هذا الفن عن الإنسان وكل ما يمر به في حياته من ثورة ومحبة وغضب وروح.. بالطبع من البديهي أن يكون الدين هو الضابط النهائي لكل هذه الأطر.. وإلا فلِم تسمي عقيدة؟

        

إذا، فمن وجهة نظرك لماذا شاعت هذه التسمية؟
الإجابة لها وجهان.. وجه يروّجه المخالفون في سياق حالة الاستقطاب.. فيكون هنا استخدام تسمية "فنان إسلامي" هو لوصمَك بشكل أو بآخر، وصبغك بصورة ذهنية سيئة بوجه ما.. وعلى الضفة الأخرى؛ يحب المنتمون إلى هذا الاتجاه نسبتك إلى أنفسهم في ظل نفس حالة الاستقطاب.. وأنت في النهاية إنسان قبل أن تكون مُسمى، تعبر عن وجهة نظرك الشخصية وتتحمل مسؤوليتها وحدك.  
         

             

قلت إنك تحب أن تغني للإنسان بكل حالاته، بينما لا نرى مغنيا ملتزما يغني للحب، أين المشكلة؟
لن أراوغ وأخبرك بأن الغناء للوطن والثورة والحرية حب إلى آخر هذا الكلام برغم صحته.. أفهم أنك تتحدث عن الحب العاطفي.. لكن من قال إنني لم أغني في هذا؟ غنيت لزوجتي وأهديت لها أغنية يوم زفافنا.. لا مشكلة لدي مع الغناء العاطفي؛ مادامت الكلمات غير خادشه وموجهة إلى الشخص الصحيح.

     

ومن يخبرك بأنها غير خادشة وموجهة إلى الشخص الصحيح؟
بل الإنسان على نفسه بصيرة.. أنا غنيت لزوجتي، وحاولت أن أُضمّن بعض المعاني الشخصية الجميلة.. لكنني غير مطالب بأن أتغزل فيما هو أبعد من ذلك، حتى أكون عاطفيا على طريقة السوق.

 

هل أنت راضٍ عما ينتجه الإسلاميون من أغنيات؟
سبق وأخبرتك أثناء حوارنا أن لفظة "فنان إسلامي" حينما تستخدم أصبحت تأتي في سياق أن تلصق بك وصمة ما.. وهذا للأسف حدث؛ لأن الصورة الذهنية لما ينتجه الإسلاميون سيئة جدا.. وبمنتهى الصراحة هذا كلام حقيقي.. قليل من الأعمال الجيدة، ومكتبات معبئة بكثير من الرديء القليل الجودة.

 

هل تُرجع هذه الرداءة للانعزال عن المجتمع كما يقول البعض؟
في الحقيقة كلنا منعزلون عن بعضنا هنا.. هل تستطيع أن تقول إن الفنانين الذين يغنون للبلد بكلمات بليدة، ويغنون للحب بطريقة مللناها؛ هم أناس غير منعزلين عن المجتمع؟.. دعنا نهرب من هذه العناوين الفضفاضه ونتجه إلى الحقيقة بشكل مباشر.. المشكلة هي المال.. أعطني مالا أعطيك أغنية جيدة.. وبالعربي الفصيح؛ الإسلاميون لا يدفعون في هذا.. هم على استعداد لإنفاق كل ما لديهم على أشياء أخرى.. لكن الفن شيء فرعي في تصورهم، للأسف.
                 
 

أنهى محمد عباس حفظ القرآن، واصل دراسته حتى حصل على إجازة فيه، وبعد اجتيازه للعديد من الاختبارات أصبح إماما ومديرا لإحدى المساجد بأميركا

مواقع التواصل
         
لهذا السبب لا تعتمد على الفن مصدرا لدخلك؟
في الحقيقة مسألة التفرغ للفن، خاصة الفن الذي نقدمه،  بعد أن سافرت وأصبحت مسؤولا عن أسرة وأبناء مسألة شبه مستحيلة.. لا يكفي فقط أن يكون لديك مشروعا فنيا أو فكرة.. لابد أن تمتلك المال الذى يرعى هذه الفكرة.

    

إذاً، ماذا تفعل الآن؟
سافرت قبل إتمام دراسة الطب في مصر، لذا أجري الآن دراسة معادلة في إحدي الجامعات الأميركية.. كما أعمل إماما ومديرا لمسجد بإحدى الولايات الأميركية.

     

هل تشعر بأن عملك إماما لمسجد يرضي طموحك؟
أفهم قصدك.. لكن دعني أخبرك بأنني أنهيت حفظي للقرآن في الثانوية العامة، وكنت أصلي إماما بالمسجد الكبير في شارعنا منذ الصغر.. واصلت دراستي للقرآن وحصلت على إجازة فيه.. وبعد أن اجتزت اختبارات كثيرة هنا وعرضت مشروعي عليهم، تحمسوا لي وأصبحت إماما ومديرا لهذا المسجد.. مرّ عامين على وجودي هنا، لم أكن فيهما إماما بالمعنى التقليدي الشائع في مصر.. بل كنت مشرفا على إدارة أنشطة وفاعليات كثيرة، وأخيرا نفّذت أحد أحلامي؛ بإنشاء مدرسة "الأترجّة" للقرآن، وهي مدرسة تابعة للمسجد يدرس بها ما يزيد عن المائة طالب من مختلف الجنسيات.. أعتقد أن هذا هو مشروع عمري، وأشعر بالمعنى وأنا أعلم الصغار القرآن.
           

                 

يعترض البعض على مسمى "فن هادف" التي تستخدم في بعض الأوساط، متعللين بأن الفن لا يشترط أن يكون له هدف محدد؟
الفن في النهاية ليس سلوكا عدميا.. فحتى لو كنت تهدف إلى الإمتاع من الفن دون توجيه أية رسالة، فهذا في النهاية هدف، يمكننا في هذه الحالة تأويله إلى هدف الإلهاء أو تضييع الوقت.. لكن أن تقول بأن ثمة شيئا بلا هدف تماما؛ فهذه عبارة بلا معنى أصلا.. لكن الفكرة كلها هي في كيفية أن توصل هذا الهدف وبأي حرفية وذكاء.

       

غنيت بموسيقى وغنيت بدون موسيقى.. هل كنت متأرجحا بين الأحكام الفقهية، أم كنت تُرضي شريحة الإسلاميين التي ترفض المعازف؟
دعني أكون صريحا معك.. لقد كنت مترددا جدا في البداية بشان حكم الموسيقى، شأني شأن أي أحد، قرأت وسمعت أغلب الآراء الفقهية في هذا الأمر، لكن حتى حينما ارتحت للأخذ بجواز استخدام الموسيقى، كنت أتعامل باحترام كامل مع من يميلون إلى غير ذلك.. فهذا في النهاية هو قول قطاع كبير من العلماء الأجلاء، ولا يمكنني أن أتعامل معه بهذا الاستخفاف الذي نراه الآن.. نعم هناك مسائل خلافية، وهناك من يفضلون الأخذ بالأحوط، وهذا حسن.

           

لا يفكر محمد عباس في العودة إلى مصر، خاصة بعد معاناته من الملاحقة الكثيرة ونجاحه أخيرا في الخروج من مصر ونيل لحظة استقرار

مواقع التواصل
        
وهل ما زلت متأرجحا بشأن الموسيقى؟
لا أستطيع أن أقول هذا.. لكن نعم أحيانا أفكر في الأمر، وهذه طبيعة الحياة.. لابد أن تراجع نفسك دائما بشجاعة.. وبعيدا حتى عن الشائع الذي يقوله الناس.

    

دوما ما تزخر الحوارات الفنية بالسؤال الكلاسيكي المعروف: "لماذا أنت مقل في أعمالك الفنية؟"، لكن بعيدا عن كلاسيكية السؤال تتباعد الفترة الزمنية بين أعمالك الفنية بعض الشيء، فلماذا؟
والإجابة الكلاسيكية للفنانين دوما تكون: "بسبب التدقيق في الاختيار".. لكن في الحقيقة، -وكما سبق وأخبرتك في حوارنا- أن المسألة مادية بحتة.. الموسيقى صناعة مكلفة وتحتاج الكثير من المال لتصنع شيئا جيدا.. لكن على كل حال؛ نبحث -أنا وصديقي الملحن صهيب شكري- هذه الأيام عن ممول للألبوم الجديد الذي نعمل عليه.. أتمنى أن نوفق في ذلك بشكل أسرع، لأن لدينا الكثير لنقوله.

    

أخيرا.. لماذا لا تعود إلى مصر؟
ولماذا أعود؟ لقد عانيت كثيرا في البداية حينما خرجت من مصر.. فلم أكن بعد قد أنهيت دراستي، وكنت قد تزوجت ولدي مسؤوليات كبيرة وديون.. أنا الآن أب، وأواصل دراستي، ومشروعي القرآني.. وبعد سنوات من الكد، أشعر أنني بالكاد أستطعت أن ألتقط أنفاسي.. تعبت كثيرا من أجل نيل لحظة ساتقرار، بعد كثير من الملاحقة.
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار