هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
الحب بزمن الثورة الصناعية.. عندما فرقت المواصلات المتحابين

الحب بزمن الثورة الصناعية.. عندما فرقت المواصلات المتحابين

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

     

"مبهورين بكثرة الاختراعات وروعتها العجيبة، لم يعد أهالي موكاندو يعرفون من أين يبدؤون بالاندهاش. كانوا يسهرون حتى وقت متأخر، يتأملون المصابيح الكهربائية الشاحبة، يغذيها مولد الكهرباء الذي جاء به أورليانو الحزين، في رحلة القطار الثانية"(1)

   

شيئا فشيئا، أخذت الجدران الفاصلة بين عالمي الحقيقة والسحر بقرية "موكاندو" الخيالية في التهاوي، فما كان بأمس قريب محض حلم أخذ يتكثف اليوم إلى واقع. و"موكاندو" نفسها هي مجرد خيال جامح لا وجود له على صفحات رواية "مئة عام من العزلة". لكن ليست كل الأخيلة أوهاما، فـلموكاندو جذور تضرب في أعماق الواقع، حتى صارت له بمنزلة رمز وانعكاس.

  

أخذ التطور التقني يسير بخطى لاهثة بداية من القرن التاسع عشر. لم يقل معاصرو هذا التطور دهشة مما يحدث حولهم عن سكان موكاندو. ففي بداية ذلك القرن، أخذت السفينة البخارية تمخر عباب البحر، وبعدها بقليل، مُدت السكك الحديدية بين القرى ثم بين الدول فالقارات. لم تمر سنوات طويلة حتى صافحت الطائرات سحب السماء، وقبل أن يستفيق الناس من دهشتهم، كانت الصواريخ قد صعدت بنا إلى القمر (2).

  

فجأة، تقلصت المسافات، وبدأ الجميع يتحدثون عن موت الجغرافيا(3)، حيث لم تعد الأميال الطويلة تقف عائقا، ودنا منا كل ما كان بعيدا، فاتسعت خطواتنا وقطعت ما لم يحلم أجدادنا بالوصول يوما إليه. باختصار، اختلفت تجربتنا للحياة بعد مجيء الثورة الصناعية بشكل جذري عما قبلها.  

  

 

لكن، بينما أخذتنا كل تلك السكك الحديدية والسفن البخارية والطائرات النفاثة قريبا من كل بعيد، فإنها في الوقت ذاته أبعدتنا عن كل قريب. وهنا تكمن المفارقة، فكل مسافة نقطعها اقترابا من شيء ما، نقطعها أيضا ابتعادا عن آخر.

  

من هنا، أخذت نغمة الاشتياق تتكرر في الأغنيات. فعندما يصعد أحدهم على متن باخرة أو طائرة أو قطار، قاطعا آلاف الأميال لمكان بعيد، دائما ما يترك وراءه قلبا يحبه، وتقف المسافة هنا كحاجز منيع. فالرسائل تأخذ أسابيع أو حتى شهورا لتصل، ولوقت قريب نسبيا، لم تكن خطوط الهواتف قد مُدت عبر البلدان، ولا كان هنالك إنترنت، وهكذا صارت مرافئ السفن والمطارات ومحطات القطار مستودعات كبيرة لمشاعر الحنين.

 

وجاءت الأغاني كأرشيف صادق لمشاعر الناس الذين سكنوا على الحافة بين عالم قديم منعزل، وآخر جديد صار كل جزء منه متصلا بالآخر، حيث تحركت بين وصف الشعور بالدهشة حيال تلك الآلات العملاقة التي مكّنتنا من أشياء شبيهة بالسحر، وبين دموع انسكبت عبر الكلمات لتعبر عن الاشتياق لحبيب مبتعد، وأمل أن تحمل تلك الآلات مرة أخرى من نشتاق له إلينا.

  

ومن بين كل الأغاني التي تناولت نغمة الاشتياق إلى الحبيب البعيد، تُعدّ أغنية "La Paloma" هي الأشهر*. وقد ألّفها الإسباني "سيباستيان إيرادير" في منتصف القرن التاسع عشر، بعد نحو ثلاثين عاما على عبور أول سفينة بخارية للمحيط الأطلنطي. مات إيرادير مغمورا دون أن يعرف قط حجم الشهرة التي ستحققها أغنيته، حيث لم تتوقف "La Paloma" -والتي تعني الحمامة- عند حدود موطنها الأصلي إسبانيا، بل سافرت كثيرا وبعيدا متخذة جذورا لها في لغات وثقافات أخرى. وفي كل مرة، تُعاد كتابة كلمات الأغنية مع الاحتفاظ باللحن والفكرة الأصليين (4).

   

  

في أغنية "La Paloma"، يحكي بحار إسباني عن حبيبته المكسيكية التي حملته باخرته بعيدا عنها. يخاطبها البحار ويخبرها أنه سيبعث بأشواقه إليها مع حمامة، وقريبا سيعود إليها. تتردد هذه الفقرة الرقيقة من البحار إلى حبيبته في الأغنية:

"إن رفّت عبر نافذتك حمامة
عامليها بحب
فهي تحمل إليكِ روحي
احكي لها عن حبك يا حبيبتي
وكلليها بتاج من الزهور
فهي مني"

 

لم تكد الباخرة تقطع المحيطات حتى وصلت السكك الحديدية القارات النائية ببعضها البعض. وكان للقطارات تأثير قوي وملموس في حياة الناس اليومية، حيث سهّلت وسرّعت بشكل كبير الانتقال البري بين أرجاء البلد الواحد. لكن قبل وجود القطارات، كان الخيار الوحيد هو الانتقال عبر العربات التي تجرها الخيول. ولهذا، نجد للقطارات وجودا كبيرا في أغاني مختلف البلدان والثقافات (5).

  

وفي كثير من الأحيان، تتخطى القطارات قيمتها الوظيفية في الأعمال الفنية لتصير رموزا لأشياء أخرى، تختلف باختلاف هذه الأعمال. ولعله لا يوجد مثال أوضح على هذا من رواية "آنا كارينينا" لليو تولستوي. ففيها، يظهر القطار مرتين: مرة في بداية الرواية وأخرى في نهايتها، وفي المرتين يأتي ظهور القطار كرمز للقدر الذي لا مفر منه.

  

أما في الأغاني، فكثيرا ما يشكل شريط السكة الحديدية رمزا لخط يقسم حياة كاتب الكلمات إلى نصفين؛ فبعد رحلة القطار، سينطلق الكاتب إلى حياة جديدة، أو يهرب من أخرى قديمة. وقد يقضي رحلته بحثا عن الذات، أو رجوعا لحب قديم سافر أحد طرفيه بعيدا عن الآخر. ومن أعذب الأغاني التي عبّرت عن هذا المعنى أغنية "Train Song" للمغنية الإنجليزية "Vashti Bunyan".

 

 

نتابع في الأغنية امرأة على متن قطار ما، ويمكننا أن نتخيلها وهي تنظر عبر النافذة إلى المساحات الواسعة وليس هنالك من صوت سوى صوت عجلات القطار وهي تدور وتدور. إلى الشَمال يتجه القطار، وفي مكان غريب عنها، ستبحث عمن أحبت. لا يوجد على بالها كلمات تقولها له فقد مرت حياة بأكملها على آخر لقاء، حياة فارغة كالمساحات الواسعة المنبسطة أمام عينيها. لم يعد أمامها سوى بضعة أميال. وقريبا ستصل إلى حيث ينتمي قلبها.

  

لم يتوقف الأمر في القرن العشرين على تحقيق قفزات هائلة في الصناعة والعلم والتكنولوجيا، بل امتد التطور أيضا للقتال والحروب. وشهد العالم إبان القرن العشرين أفتك حروبه، والذي كان للتطور العلمي دور كبير فيها. صارت كل الآلات المخترعة سابقا أدوات للحرب. لم تعد البواخر والقطارات والطائرات فقط تنقل الأحباء إلى مكان ناءٍ، بل صارت تأخذهم إلى حيث لن يعودوا أبدا.

  

لم تكد الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها، حتى دخلنا عصرا جديدا، "عصر الفضاء". دخلت القوتان العظميان في العالم آنذاك، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي سابقا، في سباق محموم اتخذ من استكشاف الفضاء حلبته. توّج هذا العصر بوضع أول إنسان لقدمه على القمر في يوليو/تموز من عام 1969(6). لم يمر عصر الفضاء على الناس مرور الكرام، بل خلب عقولهم وجعلهم يفكرون في الإمكانات المفتوحة أمام الإنسان في تلك المرحلة الجديدة.

  

أثّر هذا على الفنانين والأدباء. من أولئك الأدباء الأميركي "راي برادبري" مؤلف رواية "فهرنهايت 451". ففي عام 1951 كتب مجموعة قصصية مكونة من ثماني عشرة قصة تتناول تعقيدات علاقة الإنسان بالآلة والتكنولوجيا في العصر الحديث. واحدة من قصص المجموعة تتناول قصة رائد فضاء يعمل في كواكب أخرى ويضطر للسفر بعيدا عن عائلته للفضاء الخارجي لمدة ثلاثة أشهر ولا يمكث معهم سوى بضعة أيام ليسافر مرة أخرى(7).

  

 

في أغنية "Elton John" الشهيرة "Rocket Man"، تتكرر الثيمة نفسها. حيث تتنبأ الأغنية بوقت تصير فيه مهنة رائد الفضاء كأي مهنة اعتيادية يقوم بها أي شخص. تبدأ الأغنية بزوجة رائد الفضاء وهي تحزم أمتعته ليسافر في رحلة جديدة. في الفضاء البارد، يشعر رائد الفضاء بالوحشة. يشتاق للأرض ولزوجته وأطفاله، لكن للأسف، فالمريخ ليس المكان الأنسب لتربية الأبناء. في عزلته، يشعر أنه ليس ما يظنه الجميع، ليس بطلا، وليس عالما، بل مجرد رائد فضاء وحيد يؤدي مهنته خمسة أيام في الأسبوع.

   

________________________

الهوامش:

(*)من أشهر التنويعات على "La Paloma" نسخة إلفس بريسلي والتي أُعيد تسميتها إلى No More ونسخة ماري ماتيو ونانا موسكوري باللغة الفرنسية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار