اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/10 الساعة 15:12 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/18 هـ

انضم إلينا
السخرية كأداة لمواجهة البؤس.. "صامويل بيكيت" وصراع الوجود الإنساني

السخرية كأداة لمواجهة البؤس.. "صامويل بيكيت" وصراع الوجود الإنساني

  • ض
  • ض
صامويل بيكيت، المسرحي والروائي والشاعر، صاحب نوبل، ولغتين (الإنجليزية والفرنسية)، وبلدٍ يُعتبر الثالث ضمن مملكة (أيرلندا).. واحدٌ من أكبر رواد التجريب في القرن العشرين. كان على صلة بشكل كبير بجيمس جويس ومارسيل بروست؛ إذ قرأ واستوعب أفكارهم، كما كتب دراسات عنهم، بالإضافة إلى صلته بكافكا، إلا أنه انفصل عنهم فيما بعد، لتكون له صبغته الخاصة.
 

أعماله الدرامية الأولى ارتبطت بالتراث الأدبي الفرنسي. فرنسا، البلد الذي دافع عنها وحارب فيها أثناء الحرب العالمية الثانية رغم أنه لم يكن مضطرًا إلى ذلك، وكتب وترجم بلغتها. كان بيكيت مولعًا بالفنون، بالأخص الفنون البصرية وصديقًا للعديد من الرسامين والنحاتين، ما ساعده في التكوين البصري لأعماله، المسرحية بالذات. كان أكثر ميلًا للبساطة والتكثيف وعُرف عنه صرامته ضد مخرجي مسرحياته وعدم تهاونه في أي تفاصيل تخص عمله، على مستوى الصورة التي يطمح إليها ونبرات الصوت كذلك.

 

التجريب كان لعبته وولعه. التجريب العنيف والقاسي، واللغة المتقشفة والفظة. كان بيكيت فنانًا بحق، بارع وشديد الأصالة، لا مجرد كاتب مرحلي مرتبط بمرحلة تاريخية ما. صنع كتابته من الجوهر الإنساني الذي لا يتغير مع الزمن، وهو ما كان معنيًا به، حتى في مسرحياته؛ حيث يظهر الزمن شبه منعدم تقريبًا، ما يهم هو الإنسان وماهيته ووجوده. الوجود الإنساني الملتبس والمرهون بانتظار تغيير ما أو أي شيء قد يُحدث الفارق، أو على الأقل يطمع للاستفادة مما هو موجود حوله أو للدقة ما تبقّى حوله. بؤس المصير الذي يخشاه الإنسان. كل شيء ملتبس ومبهم، حتى صورة المرء أمام نفسه؛ إذ يظهر الرعب باختلاط كل شيء على الإنسان وفداحة أن يكون محكومًا بما لا يعرف؛ حيث يبدو أن كل ما يستطيع فعله هو الانتظار طمعًا في أي انتصار.

  

المسرحي والروائي والشاعر الأيرلندي الراحل "صامويل بيكيت" والمتوفى عام 1989

مواقع التواصل 
  

كيف يمكن مواجهة اللامعقولية واللامعنى للحياة؟ سلاح "المسرح البيكيتي" في مقابل البؤس؛ كان الفكاهة إن لم تكن السخرية اللاذعة. بيكيت نفسه كان يقول إنه لا شيء مثير للضحك والسخرية أفضل من البؤس. السخرية غير الخالية من المرارة. كل مسرحيات بيكيت -ربما- يمكن اعتبارها مسرحية واحدة بتنويعات وتوزيعات مختلفة، تتشارك كلها في الدراما المصقولة بدرجة عالية، ومحاولات استكشاف الجانب الوجودي للإنسان، بالإضافة للمزج القوي للخيال والهزل الغرائبي والمنطق الذي يفضي إلى اللامعقول، والحال المرعب الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان وفرصه -شبه المنعدمة- في أن يتجاوز ذلك الحال نحو ضفة أخرى أكثر رفقًا وقبولًا وإشباعًا للعوز الإنساني.

 

في نص "أيام هانئة" كان بيكيت مهتمًا بورطة وجود الإنسان على هذه الأرض، وبوحدة الإنسان وخوائه، صراعِ الوجود الذي يخوضه، وعلاقةِ الفرد بنفسه، وعلاقتهِ بالآخر. كان لدى بيكيت الكثير ليقوله عن أي مدى يمكن للإنسان التندر بأوهامه، في بيئة قاحلة، خاوية من الأمل في إنبات أي شيء. أيام هانئة وفضاء مغلق؛ حيث كل شيء ضروري ولا يمكن الاستغناء عنه. فكرة الفضاء المغلق هذه والتي كان يقدرها بروست، وبنى كلود ليفي شتراوس نسقه كله حول هذه الفكرة.(1) اللغة ليست مسعفة عند بيكيت كما عند جويس. جويس كان يرى أن الكلمات بمقدورها فعل أي شيء، بيكيت على العكس، كان يراها عبئًا، حيث يقول -على لسان ويني إحدى الشخصيات بالمسرحية- إن "الكلمات يحيق بها الفشل. هناك أوقات يحيق فيها الفشل بالكلمات. أليس كذلك؟"

 

كتب بيكيت مسرحية " أيام هانئة" عام 1960، وأول أداء لها كان في 17 سبتمبر عام 1961 على خشبة مسرح شيري لان في نيويورك. المسرحية التي تقوم اعتمادًا على شخصيتين فقط: ويني امرأة في عمر الخمسين، وويلي رجل في عمر الستين. ويني أكثر شخصيات بيكيت تطرفًا، وأحد أصعب الأدوار النسائية في تاريخ المسرح (البعض يعتبرها المعادل النسائي لهاملت شكسبير)؛ امرأة مدفونة في ربوة من الرمال حتى صدرها، والرمال تصل حتى عنقها في الفصل الثاني والأخير من المسرحية. مظلة، وحقيبة وويلي، هذا كل ما يحيط بها، مع ضوء مسلط على وجهها. رغم صعوبة الدور الذي أدته روث وايت في العرض الأول، تسابق عليه، من أجل الفوز به، أشهر نجمات المسرح: بريندا بروس، ماري كين، مادلين رينو، إيفا كاتارينا شولتز، بيغي أشكروفت، إرين وورد، وبيللي وايتلو.  وأشهر مخرجي العرض، البريطانية ناتالي إبراهامي، كانت تقول: "أردت فقط أن أقف على التجربة. الواقع أني شعرت بدفء وراحة متناهيين وكأني جنين".

 

الممثلة "جوتا لامب" على خشبة المسرح في دور "ويني" من مسرحية "أيام هانئة" لصموئيل بيكيت، في فيينا، عام 2002

رويترز
     

ويني شبه مدفونة في منتصف الربوة، امرأة في سن الخمسين تبدو شديدة العناية بنفسها، في مطلع المسرحية تظهر وهي غارقة في النوم، وويلي تحجب الربوة رؤيته، أي تتصدر ويني المسرح كشخص وحيد.. يرن الجرس، ويني لا تنتبه، يرن عدة مرات، تستيقظ، وتتلو ما يشبه الصلاة، ثم تقول لنفسها: "ابدئي يومك يا ويني"، ثم تلفت نحو ويلي: "مسكين أنت يا ويلي.. ليس من الممكن مساعدته".(2).. رغم وضع ويني فهي تحاول الاهتمام بنفسها؛ تغسل أسنانها، وتستخدم مظلتها والمرآة لترى نفسها. تبدأ المرارة بالظهور:" لا طعم.. لأي شيء.. لا متعة". تحاول مواساة نفسها بأن كل شيء فيه صعوبة وهي لا يتوجب عليها الشكوى.

  

في الفصل الثاني والأخير من المسرحية، تبدو ويني مدفونة حتى رقبتها، مغمضة العينين ولا تستطيع أن تدير رأسها أو تحنيه أو ترفعه حتى. يضيق كل شيء من حولها، المظلة والحقيبة يبقيان إلى جوارها، ومسدس يظهر على يمينها. الضيق يزداد، والرمال تعلو كأنها ستقبض روحها (في "نهاية اللعبة" يضيق المكان حتى يصبح صندوقي قمامة، وفي"كراب" يصير المكان جرة)، الضيق يزداد ومعه يضيق الجسد، ويضيق الكلام وتعلو الصرخة. لا يمكن أن تشعر برجليها، لا يمكن أن تعرف ما إن كان فيهما حياة، لا تعرف ما إذا كانا موجودتين أم لا. وتقول لنفسها: "لابد من أنها البرودة الأبدية، البرودة الأبدية المهلكة". وهي تحاول أن تقتنص لحظة سعيدة واحدة فقط. تحاول الكلام، آخر ما تبقى لها، وآخر ما يمكن أن تفعله لأجل لحظة سعيدة التي اعتادت الظن أنها -السعادة- توجد داخل رأسها، لكنها تستمع إلى صرخات، صرخات داخل رأسها.

   

تصرخ فيَّ ويلي: وما الذي كان يفعله طوال الوقت؟ ألم يسمعها وهي تصرخ؟ وتسأله هل تبقى شيء؟ تتأسف منه عن إزعاجه، وتتمنى أن تكون متسامحة مع كونها وحيدة. تطلب منه أن يمسك بيدها، لكن يدها مغروسة في الرمال، كأنه قد مر زمن طويل على آخر مرة تلاقت أيديهما فيها. يبدأ ويني في الزحف نحوها، فيظهر تعبير السعادة على وجهها، لكنه يعجز عن التقدم ويظل مستندًا على قدميه ويديه، فيزول تعبير السعادة عن وجهها، ويظلان محدقان كل واحد منهما في الآخر.

  

 (رويترز)

 

تقييد الرمال لقدرات ويني بشكل كامل، وأنها تتجه نحو الموت، هو تقلص لدائرة الوجود، وجود الإنسان. الشعور بعقم الفعل الذي يمتد لعقم الحياة نفسها. ونية بيكيت السردية على طول المسرحية كانت إظهار مرونة المرأة (الطرف الأضعف، والوحيد) في مواجهة التحديات التي لا يمكن التغلب عليها؛ والسخرية أنها -ويني- تواجه مآسيها بغسل أسنانها، أو باستخدام المظلة، كأن الاقتراب من النهاية شيء بسيط. النهاية، الاستسلام للمصير؛ العجز عن الحركة والاستمرار في التحديق، التحديق في الفراغ ربما، التحديق في الخسارة. الرغبة الدائمة في الاعتقاد بأن الوجود البشري المحدود يمكن النظر إليه على أنه سعيد. أيام سعيدة، مانيفستو التداعي، أيام بالكاد سعيدة، في الواقع كل ما يتبقى مجرد فراغ.

 

بيكيت متشائم؟ نعم. التشاؤم المجرد؟ لا. هو كان مشغولًا بالعوز الإنساني. لا قيمة لشيء؟ نعم، لكن ما لا قيمة له لا يجب الحط من شأنه. في أيام سعيدة رغم كل شيء ويني تحاول الحفاظ على نفسها، خلال "في انتظار جودو" فلاديمير يقول لاستراجون:" كون حذائك يؤلمك لا يمنعك من غلق أزرار قميصك حتى يبقى الأمل قائمًا". تشاؤمية بيكيت القصوى التي تزيد في وعيها أن الألم القاسي يكشف عن تعاطف بلا حدود، وأنه في النهاية ليس هناك مفر من الاستنجاد ومساعدة كل شخص للآخر.

  

ما الذي قد يريده الواحد من صامويل بيكيت؟ عندما سألته إيفا كاثارينا شولتز أن يعطيها مفتاح أيام سعيدة، أجاب بيكيت: "لا تسأليني عن أي معنى فيها. إنها مجرد ما هي عليه." (3) هارولد بنتر، المسرحي البريطاني، والفائز بنوبل هو الآخر، يجيب: "لا أريد منه -بيكيت- الفلسفات، والمنشورات، والدوجما، والعقائد، والمخارج، والحقائق، والإجابات. يكفيني أنه الكاتب الأكثر شجاعة، وكلّما سحق أنفي في البراز أكثر، ازداد امتناني له أكثر وأكثر".

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك