اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/20 الساعة 14:26 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/11 هـ

انضم إلينا
"الآلة الجهنمية".. الإنسان العادي بطلًا للحياة الحديثة

"الآلة الجهنمية".. الإنسان العادي بطلًا للحياة الحديثة

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

"لقد أخذت نفس الكأس وصببت فيه خمرًا جديدًا"

  

هكذا كتب الروائي والمسرحي العربي "أحمد علي باكثير" في مقدمة مُعالجته لأسطورة أوديب*، وهكذا فعل هو وغيره العشرات من الكُتّاب على مر الزمن. فالأسطورة الإغريقية عن "أوديب" الذي يحاول الهرب من نبوءة الآلهة بأنه سيقتل أباه ويتزوج أمه، لتأخذ به الطرق لأعلى ذُرى المجد ثم لا تلبث أن تطرحه أرضًا بأبشع الطرق ظلت مصدر إلهام الشعراء منذ أسخيلوس وسوفوكليس وحتى فولتير وكوكتو. وفي كل مُعالجة، يأخذ كل كاتب هيكل الأسطورة الخارجي ويُصب فيه أفكاره جاعلًا منها خلقًا جديدًا.

   

فأسخيلوس وضع أوديب جانبًا وركز على خطيئة لايوس-أبو أوديب-الأولى بعصيانه الآلهة وإنجابه لطفل. وسوفوكليس، في معالجته الأشهر والأعظم، جعل التناقضات العنيفة تمتزج في قلب أوديب ليصوره كرجل مُندفع وعنيف تعمى بصيرته قبل أن يعمى بصره، لكنه في الوقت ذاته طيب حيّ الضمير. وفولتير جعل منه إنسانًا كريمًا غير مُهتم لا بالسلطة ولا بالملك ولا يدبر في سبيلهما المؤامرات. (1)

   

أما المؤلف المسرحي والمخرج السينمائي الفرنسي "جان كوكتو" في مسرحيتة "الآلة الجهنمية" التي عالج فيها الأسطورة، اختار أن يصنع شيئًا مُختلفًا تمامًا منها ومن كل شخوصها، ليأتي بما يُشبه الثورة على التراجيديات القديمة مُستخدمًا واحدة من أعظمها، مُحاولًا في هذا أن يُزيح البطل الأسطوري من قلب الحدث وأن يُمهد الطريق للإنسان العادي ليتولى هو دور البطولة.

 

جان كوكتو (مواقع التواصل)

  

كوكتو وآلته الجهنمية

في كثير من أعمال الأدب الحديث، نجد أنه قد تم ترسيم الحدود واضحة بين ما هو بشري وما هو إلهي، أحيانًا بنفي الإلهي خارج حيز البشري ليشغل بهذا بُعدا آخر مُختلفا، وأحيانًا أخرى بإحالته لعدمٍ لا وجود له من الأساس. وفي مسرحية كوكتو "الآلة الجهنمية"، نجد أنه اتخذ الخيار الأول واضعًا الآلهة في موضع خارج الزمن، أو يمكن أن نقول "قبل" الزمن، كونها قد سبقته إلى الوجود ورسمت أحداثه بدقة واضعة كافة البشر ومصائرهم في القلب منه. لكن وجود الآلهة في هذه المسرحية هو وجود كالعدم، فلم يكن منها سوى أن صنعت آلة، آلة جهنمية، ترسم حركاتها أقدار البشر، وهي في ذلك باردة، متُجمدَة، بلا قلب أو وعي، تسير تروسها في مدارات حُددَت منذ بدأت في الدوران، ومع سيرها، تُسيّر حياة الإنسان، دون أن يكون لها أذن لتسمع توسلاته بالرحمة، أو عاطفة تُشفق عليه، أو حتى منطق يستطيع أن يفهمه هو.

 

لا يدعنا كوكتو نحذر تلك المعاني بتبطينها بشكل خفي في سطور الحوار، بل يطرحها أمامنا عارية وصادمة منذ البداية، حيث يُردد "الصوت" في نهاية أول تمهيد له: "شاهد أيها المُتفرج، آلة من أدق الآلات تصميمًا، ضُبطت بحيث تدور حركتها مُتصلة بطيئة طوال حياة إنسانية مُعينة، وقد صنعتها الآلهة الجهنمية لتُحطم بها، بطريقة رياضية بحتة، واحدًا من بني الإنسان".

 

وعلى الرغم من هذا، نجد في الفصل الثاني، إلهين من البانثيونات القديمة، أنوبيس إله الموت عند الفراعنة، ونيميسيس إلهة الانتقام عند الإغريق. لكننا سُرعان ما ندرك أن كوكتو هنا قد جرد تلك الآلهة من منزلتها الرفيعة وجعلها آلهة من "الدرجة الثانية"، مثلها كأي موظف، تأخذ الأوامر من علٍ وتنفذها دون فهم لمغزاها. فتنزل نيميسيس لعالم البشر في جسد شابة جميلة تستطيع التحوّل لوحشٍ مُرعب اسمه "الهولة"-نفس الهولة التي تظهر في أسطورة أوديب ومسرحية سفوكوليس-تطرح لغز على كل من يمر بها، وعندما يعجز عن حله، تقتله. لكن على عكس الهولة في الأسطورة التي ترتدي ثياب الوحش المُدمر الذي لا يأبه لحياة من يقتل، نجد الهولة هنا، أيضًا كموظف، تشعر بالضجرٍ والذنب حيال ما تفعل دون فهم، فتقول في بدايات حوارها مع أنوبيس: "لقد ضقت ذرعًا بالقتل. ضقت ذرعًا بالموت أقدمه كل ساعة!". ليأتي رد أنوبيس لها، تمامًا كإنسان توقف عن شغل نفسه بالتساؤلات التي لن يجد لها إجابة وبالثورة على وضع لا يملك تغييره ليرضخ في النهاية للأمر الواقع: "لا نملك إلا الطاعة. السر له أسراره. والآلهة تمتلك آلهتها. لنا آلهتنا ولهم آلهتهم. هذا ما يُسمى باللانهاية".

 

هكذا يحط كوكتو من شأن الآلهة القديمة، جاعلًا إياها أعلى بقليل فقط من البشر، وتبقى تُشاركه تساؤلاته التي لا تنتهي حول الحياة والمعنى من وراء دوره فيها، لكنها، على العكس منه، أقرب منزلة للآلهة العُليا المجهولة التي تستخدمها كأدوات في رسم حياة الإنسان. وهكذا أيضًا، نجد أن كل شخصيات كوكتو في مسرحية "الآلة الجهنمية" هي بيادق شطرنج تحركها أيادٍ خفية في لعبة لا أحد فيها يعلم من الفائز ومن المغلوب، أو لماذا أصلًا تدور.

 

 

 

ولم تكن الآلهة القديمة فقط هي من حطَّ كوكتو من شأنها، بل لاقى البطل الأسطوري "أوديب" نفس المعاملة على يديه ومعه سائر الشخصيات الأساسية للأسطورة ومسرحية سفوكوليس. فيوكاستا هنا لا تظهر بهيئة الزوجة المُحبّة أو المرأة العطوف كما عهدناها، بل يجعلها كوكتو امرأة مولعة بشكلها، تشعر بالنقم على أفراد الشعب الذين يرقصون ويلهون بينما هي في حداد إجباري على زوجها المُتوفي حديثًا لايوس، فتقول تعبيرًا عن هذا: "كلهم في حداد، كلهم! كلهم! كلهم! ويرقصون وأنا لا أرقص. إنه لظلم مُبين"، كما تنجذب للشباب الأصغر سنًا وتقول لتريزياس العرّاف في إشارة لجنديّ شاب: "إنه جميل! تقدم قليلًا. انظر يا زيزي، يالها من عضلات! إني أعبد السيقان، جس عضلات الكتف هذه، تبدو كأنها من فولاذ!"

 

وعلى عكس سوفوكليس الذي اختار أن تبدأ مسرحيته بأوديب ملكًا في أعلى مجده، تعامله الجماهير كإله وتطلب منه أن يجد للطاعون الذي نزل بهم حلًا، اختار كوكتو أن يبدأ به مُراهقًا في التاسعة عشر، لا يهرب كأوديب الأسطوري من كورانثه تفاديًا لوقوع النبوءة المشؤومة، بل فقط لأنه قد أُصيب الضجر الذي يود تبديده بالمغامرة، فيقول للهولة في لقائهما بالفصل الثاني: "بصراحة، اتخذت من وعيد القتل وارتكاب الزنا حجة للهروب من القصر وإشباع رغبتي في المجهول".

 

كما يُعرّي كوكتو لقاء أوديب بالهوّلة من هالاته الأسطورية، ناسبًا الفضل في حل اللغز لا لأوديب كما في الأسطورة، بل إلى الهولة نفسها التي وقعت في حبه وقالت له الإجابة. وفي المُقابل، نجد أن أوديب كان قد اقترب منها لا كرجل له من الذكاء ما يكفي لحل لُغزٍ لاقى بسببه المئات حتفهم، بل كفتى مُتعجرف. فعندما تسأله الهولة-التي ظهرت له في البداية في شكلها الإنساني كفتاة-عمّا يُأهله لمعرفة الجواب، يقول لها: "لا أظن أن الوحش الساذج يتوقع أن يجد نفسه وجهًا لوجه أمام تلميذ أفضل أدباء كورانثه." (2)

  

 

ولا تتوقف سخرية كوكتو اللاذعة عند هذا الحد، بل تمتد للأسطورة نفسها والتي يُحوّل بشاعتها إلى نكتة، فعندما يروي أوديب للهولة النبوءة التي سمعها بأنه سيقتل أباه ويتزوج أمه، لا يكن منها حينها سوى أن ترد: "أليست الطريقة المضمونة لإحباط النبوءة هي الزواج من امرأة تصغرك سنًا؟" وهكذا، يهدم كوكتو على لسانها الأساس المنطقي للأسطورة من جذوره. فقد بدا هذا الحل أكثر بداهة وسهولة من الهرب من بلدته والزواج من امرأة تكبره سنًا، ليكتشف في النهاية أنها، ويالمفاجأة، أُمه!

 

لم تكن تلك السخرية هي اتجاه كوكتو وحده، ففي زمن كتابة المسرحية بعد الحرب العالمية الأولى، بدت كل هذه الهالات الأدبية والشعبية التي كُلل بها موت شخص واحد مُضحكة بجانب الملايين الذي لقوا حتفهم بأبشع الطرق في حرب لم يشهد الإنسان الحديث في ذلك الوقت ما يُعادلها فظاعة. ولهذا، أراد كُتّاب المسرح الحديث أن يُنزلوا أبطال التراجيديا، الذين كانوا دائمًا إما مُلوك إما أنصاف آلهة، من عليائهم، وأن يضعوا مكانهم البشر العاديين. فيقول المسرحيّ الأمريكي الكبير أرثر ميلر في بداية مقاله "التراجيديا والرجل العادي": “إن أجواء التراجيديات القديمة ما عادت قائمة، فهي لم تكن تناسب سوى أصحاب المكانات الرفيعة من الملوك ومن كانوا على شاكلتهم." في الوقت الذي رأى فيه ميلر أن: "في الشخص العادي مادة ثرية للتراجيديا في أعلى درجاتها كما كان الملوك قديمًا". (3)

 

وقد كانت السخرية في "الآلة الجهنمية" هي الأداة التي استخدمها كوكتو ليُعري أوديب من أرديته الأسطورية ويجعل منه شخصًا كأي شخص أخر، جاعلًا من "أوديب ملكًا"-كما أسماه سوفوكليس في مسرحيته-محض إنسان آخر، لا يملك قدرة أو عظمة أو ذكاء أوديب الأسطوري، لكنه يتشارك معه في مصيره البشع. وبينما يحصل أوديب سوفوكليس في النهاية على مغفرة الآلهة**، يظل أوديب كوكتو يترنح تحت ثقل القدر الذي كتبته عليه آلة جهنمية لن تسمع لتوسلاته صوتًا وليس لها قلب ليُشفق عليه، مُلخصًا في تلك الصورة كل مشاعر إنسان القرن العشرين حيال عذابات الوجود.

 __________________________________________

(*)تأمر الآلهة لايوس ملك طيبة بعدم الإنجاب من زوجته يوكاستا، مُحذرة إياه أن الولد الذي سيأتي من صُلبه سيقتل أباه ويتزوج أمه. لكن لايوس ويوكاستا لا يطيعان أمر الآلهة، فتحمل يوكاستا من زوجها ذكرًا، ولا يلبثان أن يُحاولا التخلص منه عند ميلاده اتقاءً للنبوءة المُروّعة. لكن "أوديب" ابنهما لا يموت، ويعثر عليه ملك كورنثه فيتبناه وزوجته، ليكبر الصبي في كنفهما ظانًا أنهما أبواه الأصليان. لكن تلك الحياة الهانئة لا تستمر طويلًا، فيبعثر صوت النبوءة البشعة هدوءها، مُخبرًا أوديب بنفس الذي أخبره للايوس. وأوديب، كلايوس ويوكاستا، يحاول الهروب من ذلك القدر البغيض، فتطوى قدماه الأرض هربًا من أرض كورنثه حتى تصل به إلى طيبة، وهو لا يعلم أنه في هذا يتبع خطوات اللعنة بدقة. وفي الطريق، يقتل شيخًا عجوزًا كان قد تشاجر معه هو في الحقيقة لايوس، وينتصر على وحش مُخيف اسمه الهولة كان يُروّع أهالي طيبة. وهكذا يُصبح أوديب ملكًا على طيبة ويتزوج من ملكتها يوكاستا كمكافأة له على تخليص الناس من الوحش المُروّع. حينها، يظن أوديب أنه وصل لذروة المجد، في حين أنه في كان قد خطى بنفسه لهاوية ما لها من قرار.

 

تستمر حياة أوديب ويوكاستا في سعادة ونعيم لا يُعكر صفوهما شيئ، حتى تتكشف لهما الحقيقة المُريعة في النهاية، فأوديب هو في الحقيقة ابن يوكاستا، ومن قتله في الطريق لم يكن سوى أبيه لايوس. تهوى عليهما تلك المعرفة كمطرقة تدمرهما بعنف وقسوة، لا تستطيع يوكاستا تحملها فتشنق نفسها، ولا يقوى أوديب على النظر لنفسه ورؤية قاتل أبيه والزاني مع أمه في الانعكاس، فيفقأ عيناه.

  

(**) يقع هذا في مسرحية "أوديب في كولونس" ثالث أجزاء "ثلاثية طيبة" بعد "أوديب ملكًا" و"أنتيجوني". 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار