اغلاق
آخر تحديث: 2017/1/29 الساعة 16:26 (مكة المكرمة) الموافق 1438/5/2 هـ

انضم إلينا
السلفية الجهادية وخطابها تجاه الربيع العربي

السلفية الجهادية وخطابها تجاه الربيع العربي

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
إبان اندلاع ثورات الربيع العربي بدءا من تونس ثم مصر ثم ليبيا وسوريا واليمن والعراق, كانت هناك مراهنة كبيرة من المراقبين السياسين والمتابعين للشئون السياسية في الشرق الأوسط على نهج "اللاعنف" لمواجهة السلطة في الشرق الأوسط، "فقد انتهى عقد بن لادن وظهر عقد البوعزيزي"(1), ففي مقابل آليات "اللاعنف" ستندثر آليات العنف -حسب قولهم- وستختفي مقولاته المؤسسة وسردياته التي ظلت قائمة منذ منتصف القرن العشرين على فترات متباعدة ومتقاربة وفي صور مختلفة وبلدان عربية عديدة.(2)

 

وبرغم أن المتابع للأحداث السياسية في المشرق العربي سيلاحظ خفوت خطاب العنف وشعبية التنظيمات المسلحة في بعض البلاد التي طالتها شرارات الربيع العربي مثل مصر وتونس, "فالربيع العربي هو ببساطة عودة السياسة إلى الناس وعودة الناس إلى السياسة بعد اغتراب وابتعاد طويلين؛ بسبب من المصادرة والاحتكار المديدين لكل ما هو سياسي في مجتمعات عربية معينة من جانب نخب عسكرية" (3), إلا أن الربيع تحول إلى خريف وشتاء مُرعد في البعض الآخر من تلك البلاد, فقد دخلت ليبيا منعطف العنف، ودخل الثوار في حرب مع مرتزقة القذافي, ودخلت سوريا في مسار طويل وغامض من العنف ردا على جرائم جيش النظام, أما العراق فقد دخل في دوامات من العنف والطائفية والحروب والأزمات لا أحد يعلم متى ستنتهي.
 

في هذا التقرير سنحاول أن نستكشف موقع "الربيع العربي" في خطاب "السلفية الجهادية" كيف رأت السلفية الجهادية "الثورات العربية"، وكيف استقبلت تنظيمات السلفية الجهادية الربيع العربي؟ وهل كان موقف تنظيمات السلفية الجهادية من الثورات موحدا؟
 

نظرة السلفية الجهادية للثورة
بمتابعة خطاب السلفية الجهادية يمكن أن نلاحظ أن موضوع "الثورات" يحتل موقعا مركزيا في خطاب تنظيم القاعدة (رويترز) 

بخلاف السياق التاريخي الغالب للسلفية -بشكل عام- التي لا تميل للقتال أو الثورة أو العمل المسلح أو الخروج على الحاكم(4) جاء خطاب "السلفية الجهادية" ليكون خطابا تحريضيا ضد النظم الحاكمة في البلاد العربية ومعاديا للنظام العالمي.

 

كان خطاب "سيد قطب" هو الخطاب المؤسس الأشهر الذي أحدث قطيعة مع الخطاب السلفي الإصلاحي القديم ليؤسس لخطاب جديد يحرض على تحرير الإنسان من "جاهلية" المجتمع والسعي لتحقيق "حاكمية" الله كاملة في الأرض(5)، وقد وجدت جماعات "السلفية الجهادية"-كما ستُسمى فيما بعد- ضالتها في هذا الخطاب وأسست عليه خطابا يعادي النظام العالمي، ويعادي السلطة القائمة في بلاد المشرق العربي والبلاد ذات الأغلبية المسلمة في العالم.
 

لكن قبل أن نتكلم عن نظرة السلفية الجهادية للثورة، ما السلفية الجهادية؟

باختصار يمكن تعريف تيار"السلفية الجهادية": بأنه كل تيار سلفي يعتمد آلية التغير المسلح، سواء بالتنظير أو الممارسة.(6)؛ لذلك فالسلفية الجهادية تدعم "الثورة" التي هي شكل من أشكال الخروج على الوضع الراهن وتمرد عليه، لكنها تريد أن تضبط هذا الفعل بـ"حاكمية الشريعة الإسلامية" التي يعد تطبيقها في المجتمع الهدف الأول لتنظيمات السلفية الجهادية، لكن هل السلفية الجهادية يمكن أن تدعم الثورة في شكلها السلمي أم أنها تشترط العمل المسلح كآلية وحيدة للتغير؟

بمتابعة خطاب السلفية الجهادية من خلال التنظيم الأبرز في هذا التيار، وهو تنظيم "القاعدة" يمكن أن نلاحظ أن موضوع "الثورات" يحتل موقعا مركزيا في خطاب "تنظيم القاعدة"، فلا يوجد قيادي مركزي إلا وتكلم عن الثورة ودعا إليها أو أيدها، ومن أشهر المواقف وأهمها تلك التي صدرت عن الظواهري -الزعيم الحالي لتنظيم القاعدة- في أعقاب أحداث عمال المحلة. وعلق عليها في شريط "الأزهر عرين الأسود - شوال 1429".(7)

 

كيف تحدث تنظيم القاعدة عن ثورات الربيع العربي؟

جاءت الثورة في صدارة الخطاب الجهادي وتبوأت صدارة اهتمام القيادات ابتداء من زعيم القاعدة السابق أسامة بن لادن قبل اغتياله في 2011، وحتى القيادة في فرع أنصار الشريعة التابع لتنظيم القاعدة في ليبيا واليمن.

رويترز
 برغم أن ثورات الربيع العربي قد أعلنت أنها ثورات سلمية خاصة في مصر وتونس، وأنها تنتهج آليات اللاعنف وترفض العنف وخطابه حتى ضد السلطة وذراعها العسكري متمثل في الشرطة وقوات محاربة الشغب(8)، إلا أن الثورة قد احتلت مكانا متميزا في خطاب "تنظيم القاعدة "فمع اندلاع ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا، جاءت الثورة في صدارة الخطاب الجهادي وتبوأت صدارة اهتمام القيادات ابتداء من زعيم القاعدة السابق "أسامة بن لادن" قبل اغتياله في 2 مايو 2011، وحتى القيادة في فرع "أنصار الشريعة" التابع لتنظيم القاعدة في ليبيا واليمن.

 

فقد سجلت مؤسسة "السحاب" الإعلامية كلمة صوتية لزعيم تنظيم القاعدة السابق "أسامة بن لادن" نُشرت في 21 مايو2011، وقال فيها عن الثورات: "أمتي المسلمة نراقبُ معكِ هذا الحدث التاريخيّ العظيم، ونشاركُكِ الفرحةَ والسرورَ والبهجةَ والحبور، نفرحُ لِفرحكِ وَنترحُ لِتَرَحكِ، فهَنِيئًا لكِ انتصَارَاتُك، (..) أضَاءت الثّورةُ مِن تُونُس (...) وبسرعَةِ البَرقِ أَخذَ فُرسَانُ الكنَانَةِ قَبَسًا مِن أَحرَارِ تُونُسَ إِلَى ميدَانِ التّحرِير، فانطلَقَت ثَورةٌ عظيمةٌ، وَأَيُّ ثَورَة (...) وَلم تَكُن هذِه الثّورَة ثَورَةَ طَعَامٍ وكِسَاء، وإِنَّمَا ثَورَةُ عِزٍّ وَإِبَاء، ثَورَةُ بَذلٍ وَعطَاء.(9)
 

بعد اغتيال بن لادن تولى د.أيمن الظواهري قيادة "تنظيم القاعدة" ثم حاول ترجمة حماسة بن لادن عبر تقديم ما يلزم من تأييد وتوجيه لـ "الثورات"، فأصدر وثيقتين في الغرض هما" :توجيهات عامة للعمل الجهادي - 16 سبتمبر2013"، وكذا "نصرة الإسلام - رمضان 1433 هـ/ 2012" وفي البند الثاني عشر تحدد الموقف من الثورات بثلاث نقاط مركزية نذكر منها:
 
1- التأييد؛ لأن تأييد المظلوم ضد الظالم واجب شرعي بغض النظر عن كون أحدهما مسلمًا أو غير مسلم.
2- المشاركة؛ لأنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فرض علينا.(10)
 

وفي البند الثالث عشر ثمة دعوة إلى تشجيع وتأييد كل من يساند حقوق المسلمين المهضومة ويتصدى للمعتدين عليهم بالقول والرأي والعمل، وتجنب توجيه الأذى لهم باليد والتجريح بالقول، ما داموا مؤيدين وغير معادين للمسلمين.
 

والبند الرابع عشر حفظ حقوق المسلمين واحترام حرماتهم أينما كانوا، أما البند الخامس عشر فيدعو إلى: الانتصار للمظلومين والمستضعفين مسلمين أو غير مسلمين ممن ظلمهم واعتدى عليهم، وتأييد كل من يساندهم ولو كان من غير المسلمين. (11)
 

ولم يكن "عطية الله الليبي" -القيادي والداعية البارز بتنظيم أنصار الشريعة في ليبيا- بعيدًا عن هذا الخط في تأييد الثورات العربية واعتبارها حدثا تاريخيّا كبيرا، رغم أن خطابه عنها المسمى بـ"ثَوْرَة ُالشّعُوبِ وَسُقـْوط ُالنِّظَامِ العَرَبِيِّ الْفَاسِدِ" 24 فبراير 2011، سبق نشر خطاب بن لادن بنحو ثلاثة أشهر، وتزامن مع سقوط الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك
 

وفي أول تقييم له، رأى أن: هذه الثورات وخاصة ثورة مصر لم تكن ثورة على النظام المصريّ والنظام العربي الفاسد الخبيث فحسبْ، بل إن أبعادها أشمل وأعمق، (..)، بل سقطت معه أيضا فكرة الاستقرار الذي جعلوه صنماً عبده الطواغيت الأنذال وعبّدوا الناس له، استقرار المنطقة، الذي ليس معناه إلا توافر كل عوامل الطمأنينة لهم والأمن من أي منغّصٍ ينغص عليهم أحوالهم الباذخة الناعمة الفارهة". 
 

وبحسبه أيضا "كان لا بد للثورة أن تأتي مهما طال الزمن، فهذه سنن كونية نعرفها من التاريخ والمعارف (..) فإن تراكم الفساد بالطريقة الحاصلة في أمتنا ومجتمعاتنا العربية والإسلامية لا يمكن أن يستمر طويلاً جداً حتى يؤدي إلى الانفجار"(12).
 

 كذلك افتتح إصدار "مؤسسة الملاحم" التابعة لتنظيم قاعدة الجهاد في الجزيرة - أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ - 12أكتوبر 2011 أسئلته التي وجهها للقائد العسكري، قاسم الريمي، بـ"موقف المجاهدين في اليمن من هذه الثورات"، فلم تخرج إجابته عن مواقف قيادة القاعدة ورموزها، فلم يخرج موقف "تنظيم القاعدة في اليمن" عن التأييد للثورات والتحريض عليها ومباركتها.(13)
 

أمّا الداعية الجهادي المعروف بأبي محمد المقدسي، فقد أكّد في سياق حديثه عن الثّورة في سوريا ضرورة دعم هذه الهبَّة الشعبيّة، والانخراط في صفوف المتظاهرين، بل إنّه رأى أنّ المُشاركة في هذه التّظاهرات السلميّة، هو أمر "متعيّن على كلّ قادر من المسلمين"، ولو أدّت المواجهات مع الأمن إلى "سقوط بعض القتلى". (14)
 

هذا بالنسبة لتنظيم القاعدة، لكن هل كان هذا الموقف موحدا لدى كل تنظيمات السلفية الجهادية ؟

لقد رأينا أن كل تنظيمات القاعدة وفروعها في ليبيا واليمن والأردن، كان موقفها مؤيدا للثورات ومشابها لموقف القيادة المركزية، لكن هل كان موقف الفرع الآخر من السلفية الجهادية "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" ثم "دولة الخلافة" -فيما بعد- مشابها لموقف "القاعدة"؟
 

كيف تحدث تنظيم "داعش" عن الربيع العربي؟
مع اندلاع ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا، جاءت الثورة في صدارة الخطاب الجهادي وتبوأت صدارة اهتمام القيادات (مواقع التواصل الاجتماعي)

يشير الباحث والمراقب د/ أكرم حجازي  إلى أنه أثناء اندلاع ثورات الربيع العربي كان تنظيم "الدولة الإسلامية" قد تلقى ضربة موجعة وخرج مُطاردا إلى صحراء الأنبار، ثم ظهر العدناني في  7 أغسطس 2011متحدثا رسميا جديدا لـ "تنظيم الدولة" في كلمة بعنوان: "إن دولة الإسلام باقية"، ولم يشر من قريب أو من بعيد في عديد من خطاباته، لأي ذكر لعواصف الثورات الشعبية. (15)

 

وفي كلمته" سبع حقائق- يناير 2013" استعمل العدناني عبارة "خروجكم المبارك" (16) في وصفه للحراك الشعبي في العراق، كما وردت كلمة "المتظاهرين" أكثر من مرة، لكن تنظيم "الدولة" لم يبد الحماسة التي أبداها تنظيم "القاعدة"، ولم يذكر في خطابه كلمة "ثورة" إلا في خطاب البغدادي في 21 يوليو 2012، (17)، وهو الوحيد الذي وردت فيه كلمة "ثورة" بصيغة  "ثورتكم المباركة".
 

وحسب "د أكرم حجازي" فإنه -وبعكس تنظيم القاعدة- تمسك "تنظيم الدولة" بمنهج العنف والعمل المسلح كخيار وآلية مقدسة، رافضا النهج السلمي للتظاهرات، وواصفا إيها بـ"الضلال عن الطريق". فقد جاء خطاب العدناني السلمية دين من؟ - 31 أغسطس 2013، ردا على تمسك الإخوان المسلمين بالمنهج السلمي، في التعامل مع الانقلاب العسكري في مصر: "إن أمتنا الغالية اليوم تعيش في عبودية وذل، والدليل على ذلك: ما عرف بثورات الربيع العربي، التي خرجت تطالب بالحرية والكرامة، ... إلا أن المسلمين في هذا الخروج ضلوا طريقهم، فلا عرفوا الداء ولا اهتدوا إلى الدواء إلا ما شاء الله، فظنوا أن الخلاص بتغيير الأنظمة وتبديل الحكام، وظنوا أن الوسيلة لرفع الظلم ونيل الكرامة بالمظاهرات السلمية"(18).
 

وحسب "حجازي" كان هذا موقفا سلبيًّا صريحا تجاه ثورات الربيع العربي من "تنظيم الدولة"، في حين أن هذه التظاهرات في سوريا هي من أعطت لتنظيمهم "قُبلة الحياة".
 

خاتمة
احتل الربيع العربي موقعًا متميزًا في خطاب "تنظيم القاعدة"، لكن "تنظيم الدولة" رأى فيه ذلا وخنوعا وانحرافا عن الطريق، وقد كان لهذا أثر على مواقف كل منهما فيما بعد، لكن تبقى معضلات وإشكاليات الاستبداد وتسويغه نظريا وواقعيا، ويبقى الواقع متأزما في المنطقة العربية كما هو.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك