اغلاق
آخر تحديث: 2018/10/9 الساعة 11:25 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/30 هـ

انضم إلينا
"كانوا همجا".. هل تشوه "الخلافة" نظرة الإسلاميين للمستقبل؟

"كانوا همجا".. هل تشوه "الخلافة" نظرة الإسلاميين للمستقبل؟

محمد فتوح

محرر رواق
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

"هذه القصة محاولة لعلاج واقع البشرية من خلال نظرة تستشف أستار المستقبل، حيث تقوم الخلافة الراشدة التي ستعم الأرض بلسما للناس، وشفاء لجِراحات عصور الهمجية، في جسد وروح البشرية المعذبة"

رواية "كانوا همجا" - عبد الودود اليوسف

 

في عام 1933م خطب حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان المسلمين، في المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين قائلا: "والإخوان المسلمون يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم"[1]. ليُدشن البنا بهذه الكلمات بداية التمازج، والذي لن ينفصل، بين حركات الإسلام السياسي والخلافة والتي تعددت تصوراتهم لها، [2[

 

بيد أنه وعلى الرغم من تعدد الرؤى حول الخلافة وإمكانيات تحقيقها، فإن حقيقة واحدة كانت موطن اتفاق بين الإسلاميين باختلاف مشاربهم. تمثلت هذه الحقيقة في تصور الخلافة على كونها النموذج الطوباوي [أ] للوجود. حيث وبمجرد قيام الخلافة، ستنتهي آلام المعذبين في شتى البقاع، وسيُقضى على الفساد، وسينتصر المسلمون وينمحي الظلم، وسيَعمّ الرخاء للعالم.

   

رسَخَ هذا التصور للخلافة في مِخيال الإسلاميين[3] حتى أصبحت الخلافة صورة من صور مُدن أفلاطون الفاضلة [ب] أو ضربا من ضروب "اليوتوبيا" [ج] حسب تعبير "توماس مور"، وبات النظر إلى الخلافة كونها فردوسا أرضيا، وموعدا ينتظره العالم ليعم الرخاء، وهو ما أطلق عليه فهمي جدعان "وعد الخلاص النهائي" عند الإسلاميين.[4]

 

في الشام، كان الشاب مصطفى السباعي على موعد لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين هناك ولينادي بأفكار حسن البنا، وليخرج أحد تلاميذ السباعي وهو الأديب الشامي عبد الودود اليوسف [د] برواية يجسد فيها تصور الإسلاميين لخلافة آخر الزمان، والتي سماها "كانوا همجا"، إذ يقارن اليوسف بين خلافة آخر الزمان وبين الشعوب الهمجية التي عاشت بعيدا عن سلطان الخلافة.

 

ومن هنا، اكتسبت الرواية أهميتها الخاصة، حيث حوّلت التصور الطوباوي للخلافة إلى نص فني متكامل، يُعرب عن تصور أبناء الإسلام السياسي للخلافة، ويستشرف شكلها في أدبيّاتهم بصورة عملية، وهو ما يمكن الحكم من خلاله على هذا التصور، قبولا أو نقدا [هـ].

   

السيارة العجيبة

"صعد أمير المؤمنين المنبر.. كان وجهه مقطبا.. عجب المسلمون له.. واهتزت قلوبهم خوفا عليه.. ما أروعه.. لا ينام حتى ينام الناس.. ولا يأكل إلا إذا شبع الناس.. فلماذا هو محزون؟! هل في العالم شيء؟ همسوا جميعا: اللهم قنا السيئات.. وآتنا الخير كله"

(رواية "كانوا همجا")

 

بث إعلام خلافة آخر الزمان خبرا بأن بشارة تنتظر المؤمنين في تمام الساعة السابعة مساء، وفي تمام السابعة إلا خمس دقائق، خرج أمير المؤمنين على التلفاز، لتبتهج النفوس برؤيته، مُعلنا مواصلة دولة الخلافة لاكتشافاتها النافعة للبشرية، حيث اخترع العلماء سيارة على شكل "النحلة" سيتم توزيعها بالمجان على كل "أخ" و"أخت" في أرجاء دولة الخلافة.

            

لا تسير هذه السيارة في الطرقات كما السيارات المعهودة، وإنما تطير في الهواء دون أن تصطدم بأخرى، حيث تبتعد السيارة إذا اقتربت منها أخرى تلقائيا، وتعمل بأدوات نظيفة للطاقة بعيدا عن المركبات القديمة التي تعمل بالبترول، والتي أنتجتها الشعوب الهمجية البائدة.

 

أعلن أمير المؤمنين هذا الخبر قائلا: "لن نستهلك بعد اليوم قطرة من النفط في محركات السيارات والقطارات والطائرات.. ولن تتكلف الخلافة قرشا واحدا لِمَدّ الخطوط الحديدية.. ولن تفقد عزيزا في صدام رهيب بين سيارتين.. فاشكروا الله الذي هيأ لكم هذه الخلافة الراشدة التي تطبق الإسلام".

 

هنا يتصل متصل بالبرنامج ويتساءل: "لكن؛ لماذا بالمجان؟! لماذا لا تربح دولة الخلافة من هذه السيارة الجديدة ؟!". ليتلوّن وجه المذيع ويظهر على ملامحه الغضب، ليُجيب: "أُذكّر الأخ السائل بأننا دولة الخلافة الراشدة، لا دولة من دول الجاهلية الهمجية. إننا إذا طبقنا هذا الاقتراح فإنه يعني أن تقوم الدولة الراشدة بابتزاز الناس.. وهي التي جعلها الله من أجلهم.. تريدون أن نعود إلى نفسية التجار فنَسرق أموال الناس في سبيل تحقيق بعض سعادتهم؟! وتعود الشركات إلى "الموضات الجديدة" التي لا تهدف إلا لاختراع السلع بهدف ابتزاز أموال الناس".[5]

  

خلافة آخر الزمان واختفاء المظالم

"يجب أن لا نعود إلى أساليب الأنظمة الجاهلية الهمجية التي خلصنا الله منها على أيدي ألوف الشهداء من إخواننا الذين سبقونا بالإيمان ليُقيموا دولة الخلافة" 

(رواية "كانوا همجا")

 

كان شعب الخلافة على موعد في المساء مع فيلم أعدّته دولة الخلافة لتذكير الناس بالعصور "الهمجية" التي عاش الناس في ظلها وسبقت عهد الخلافة. كان الفيلم عن "الديكتاتوريات"، تلك الكلمة التي انمحت من القاموس حينما حلّت دولة الخلافة حتى صار رعاياها في شتى بقاع الأرض لا يعلمون عن معنى "الديكتاتورية" شيئا.

   

     

بدأ الفيلم بتوريث الملك ملكه لابنه، ثم عرض لانقلابات حدثت في العالم؛ حيث كانت الدبابات تُحاصر قصر الرئيس لتُجبره أن يُعلن أمام المذياع بيان التنحي، ثم يحكم العسكريون باسم الشعب! وما يلبث هؤلاء الضباط، الحاكمون الجُدد، أن يُكدسوا أموال المملكة لصالحهم، وإذا ما عارضهم أحد وقال "نريد الحرية التي وعدتمونا" تهجم عليه الشرطة السرية ثم "يُحكم عليه بالموت لأنه من الخونة.. فكم من مئات تم قتلهم في السجون!".[6]

 

تتوالى المشاهد وتتابع المظالم ليتصل الناس أفواجا طالبين إيقاف العرض لأنهم لا يتحملون رؤية مثل هذا، وليوقف المذيع العرض ويقول: "إنكم لم تستطيعوا احتمال رؤية المظالم، فكيف حال الذين وقعوا فيها؟! لقد بكت أنحاء الأرض كلها من ظلم الطغاة الملاعين في الحضارات السابقة الظالمة الهمجية. فاحمدوا الله أن هيأ لكم هذه الخلافة الراشدة التي تسير على منهاج النبوة، واذكروا أولئك الذين قارعوا الظالمين الهمجيين حتى غلبوهم.. وأورثوكم هذا الخير كله".

 

دولة الخلافة والقضاء على الهمجية

 "الأنظمة الجاهلية الهمجية الغابرة كانت تقول الحرية مكفولة، والحق أن الذي كان مكفولا هو الفوضى. فالرجل حين يتصرف تصرفات ضارة بالآخرين يجب أن يؤخذ على يديه.

هذا ما كانت تفعله الدول الهمجية الغارقة في الظلام منذ آلاف السنين وحتى قبيل قيام دولتنا الإسلامية الراشدة التي عمت الأرض"

 

(رواية "كانوا همجا")

 

تنتقل الشاشة إلى عشرات الناس على الأرصفة، ليُعلق المذيع ويقول: "هؤلاء ماتوا من الجوع في ظل الحكومات الهمجية." ثم تنتقل الصورة إلى مشهد آخر لقطار مُحمل بالحبوب، ليعلق المذيع ثانية: "هنا أميركا.. حيث كانت شركات القمح والحكومة الأميركية تتلف ألوف الأطنان من القمح لتحافظ على أسعار السوق العالمية وإن مات هؤلاء المساكين جوعا".[7]

    

   

تُعرض صورة لمصنع ضخم من مصانع الأسلحة، ويقول مديره: "إن الحروب يجب أن تستمر حتى لا تتوقف معامل السلاح عن العمل وإن قُتل مليونا شخص؛ فلا بأس!" ثم تنتقل الصورة فيما بعد إلى إحدى الدول، إلى التشيك! لتحكي قهر الناس تحت حكم الشيوعية. ففي عصر "الهمجية" الشيوعي مُنع الناس من الرسم أو الفنون، وكان جزاء من خالف ذلك أن يُلقى في السجن مدى الحياة، فالحرية هي فقط ما سمحت به الشيوعية!

 

وحينما حاول رجل أن يصل إلى حكم التشيك، وسمح لشعبه بحرية الصحافة، وأن الشعب له الحق في انتقاد الفساد، فُوجئ هذا الرئيس بانقلاب عسكري تقوده خمسة آلاف دبابة، ونصف مليون جندي، ولتنتهي حالة الحرية تلك سريعا وسط تلك الهمجية التي سادت الأرض! [8]

 

الرموز في دولة الخلافة

"على أكتاف هؤلاء المجاهدين قامت دولتنا الراشدة.. يا ليتني كنت معهم لألقى الشهادة في سبيل الله عالما مجاهدا مرابطا، وكانت محاكم الهمجية تحكم بالشنق لمن يحاول إحياء فكر الخلافة"

(رواية "كانوا همجا")

  

في عطلة الأسبوع، كان شعب الخلافة على موعد لزيارة متحف من متاحف رموز الخلافة، أحد هذه المتاحف كان متحف "المودودي" [هـ]، إذ قررت دولة الخلافة أن تُخلّد ذكر "المودودي" كونه يعتبر رمزا بجاهده هو وإخوانه لإزالة الجاهلية الهمجية والدعوة للخلافة الإسلامية.

    

   

يتوسط المدخل صورة لرجل ذي لحية بيضاء مكتوب تحتها "جاهد الهمجية منذ ثلاثمئة عام". أما القاعات في المتحف فمُسماة على أسماء كتب المودودي، قاعة "ترجمان القرآن" و"تفيهم القرآن" و"مبادئ الإسلام" و"المصطلحات الأربعة".

 

أما الزوار، فيستلم كل زائر كتابا عن حياة المودودي، وحين خروجهم يجدون حديقة جميلة كُتب على مدخلها: "انتبه.. لا تنس زيارة قبر الكاتب المجاهد المودودي والدعاء له". وعند قبر المودودي يتوجه الناس بالدعاء بخشوع عظيم أمام قبر بسيط، لا يزيد ارتفاعه عن ربع متر، كُتب عليه: "لا إله إلا الله محمد رسول الله.. هذا قبر العبد الصالح "المودودي""

 

الخلافة ليست فردوسا أرضيا

          "وهذا التصور الفردوسي للإنسان ليس حكرا على فلاسفة الرأسمالية والتكنولوجيا، وإنما هو جـزء مـن تصورات المواطنين في الحضارات الصناعية في الغرب. فالتقدم العلمي أصبح هدفا في حد ذاته بغض النظر عـن العائد المعرفي أو الإنسانى له، وبغض النظر عن مقدار البؤس أو السعادة التي يجلبها"

(عبد الوهاب المسيري، الفردوس الأرضي)

 

هكذا عرض "عبد الودود اليوسف" في روايته "كانوا همجا" نموذجا للطوباوية التي يتصورها البعض للخلافة باعتبارها صورة نهائية سيُقضى بها على كل شرور الدنيا، بيد أن عددا من العلماء والمفكرين يرون في هذا النموذج مجانبة للحقيقة، فالغاية من الإسلام هي إقامة دين الله وليست مجرد إقامة اسم الخلافة. ويرى فريد الأنصاري أن من إشكالات الحركة الإسلامية المعاصرة رفعها لخطاب الخلافة لدرجة أعلى من الطبيعي، فتحولت من مطلب إسلامي إلى يوتوبيا من التصورات، يقول الأنصاري: "واستبدت بالحركة الإسلامية أحلام "الخلافة" إلى درجة التخريف والهذيان، والخلافة تجربة بشرية غير معصومة، قد تسمو حتى تكون على منهاج النبوة، وقد تنحط حتى تكون ملكا عاضا أو جبريا!".[9]

       

    

وهذا التصور المثالي للحياة على اعتبار أن فردوسا أرضيا سيحل بها، أو أن التقدم التقني سيجعل حياة الناس لا متناهية في السعادة وخالية من الآلام؛ هو ذاته ما عابه الدكتور الراحل "عبد الوهاب المسيري" في كتابه "الفردوس الأرضي" [10] حيث فكك الوعود الأميركية، ومن قبلها الماركسية، والتي تَعِد الإنسان بجنة أرضية خالية من أي آلام، وهي الوعود ذاتها التي أتت بها الحداثة، حتى استبطن الإسلاميون المعاصرون تصورات حداثية للخلافة، ونهاية للتاريخ دون وعي.

----------------------------------------------------

الهوامش

أ- الطوباوية: أي النموذج المثالي الخالي من الصراعات، وكثيرا ما أُطلقت على مفاهيم الشيوعية المثالية للدولة.

ب- المدينة الفاضلة: فكرة دعا إليها أفلاطون في كتابه الجمهورية وتشمل على النموذج المثالي الذي يمكن للدولة أن تصل إليه.

ج- "اليوتوبيا" مصطلح صاغه "توماس مور" لتقديم صورة متكاملة ومثالية للعالم تختفي منه شرور عالم الواقع، وتحقق فيه أحلام الإنسانية.

د- أديب سوري اعتُقل في الثمانينيات بسوريا ولم يُعلم عن مصيره شيء إلى الآن، ساهم في عدد من الكتب والروايات، ونشر بعض كتبه باسم "جلال العالم" وأشهر مؤلفاته "قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله" ورواية "ثورة النساء" و"كانوا همجا" وغيرها.

هـ- كاتب إسلامي باكستاني، من أعلام القرن الماضي، ونادى بتطبيق الشريعة الإسلامية وكتب عددا من الكتب في ذلك.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار