اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/11 الساعة 13:38 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/21 هـ

انضم إلينا
المرأة بالعصر الأموي.. فاعلية اجتماعية وحضور سياسي وثقافي

المرأة بالعصر الأموي.. فاعلية اجتماعية وحضور سياسي وثقافي

  • ض
  • ض

يصف الدكتور شوقي أبو خليل العصر الأموي في أوجه بأنه "الشمس في ضحاها" [1] ولا يمر ذكر العصر الأموي دون أن يُفتح أمام السامع أُفقان عذري وماجن، كما لا تُذكر الحقبة الأموية، إلا مقرونة بذكر نسائها ومكانتهنَّ السياسية والاجتماعية والثقافية، وفعاليتهنّ في المجتمع الجديد الذي بدأت تطرأ عليه تغييراتٌ جعلته يعيد تشكيل نفسه مستجيبًا للمعايير الإسلامية التي غُرست فيه ومتفاعلًا مع الانفتاح الحضاري الذي باغته بعامل الفتوحات الممتدة.

وكان هذا العصر قد شهد تحولًا حاسمًا في تاريخ المجتمع العربي بعد أن مهّد له عصر صدر الإسلام فانتقل في جزء منه من مرحلة البداوة إلى مرحلة التحضر؛ فخلال ما لا يزيد عن قرن من الزمن تغيّرت عقيدة العرب ثم خرجوا من بواديهم وقراهم حاملين إيمانهم الجديد ليستوطنوا بلادًا مختلفة كما وفدت إليهم حضارات عدة وداخلتهم ثقافات متنوعة وعادات وتقاليد لم يكونوا يعرفونها، ولا شك أنّ تلك الهجرة وهذه الوفادة وما صاحبهما من فتوح وثورات وقلاقل قد هزّت نفس العربي هزًا عنيفًا حسب وصف عبد القادر القط [2]، وفي ضوء هذه النقلة الحضارية الضخمة كان لا بد من نظرة إلى بعض نساء ذلك العصر وفاعلية المرأة في المجتمع الجديد.
 


من أعلام النساء في العصر الأموي

سكينة بنت الحسين

 هي سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، أعلم النساء وأظرفهن، وأحسنهن أخلاقًا في زمنها[3]، وكان الشعراء يتوافدون على سكينة ينشدون بين يديها الشعر بغية نقده والتفضيل بينهم مكانةً شاعرية، ويُروى أنّ الفرزدق وهو من أعلام شعراء العصر الأموي وبينه الشاعر جرير سجالات شعرية تُعرف بـ "النقائض" خرج حاجًّا فلما قضى حجه عدل إلى المدينة فدخل إلى سكينة بنت الحسين عليهما السلام فسلَّم، فقالت له: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قلت: كذبت! أشعر منك الذي قال:

بِنَفْسِيَ مَن تجنُّبُهُ عزيزٌ  

عَلَيَّ ومَنْ زِيَارَتُهُ لِمَامُ

وَمَنْ أُمْسِي وأُصْبِحُ لَا أَرَاهُ  

وَيَطْرُقُني إِذَا هَجِعَ النِّيَامُ

تقصد بذلك جريرًا.

 

ويُروى أنَّ جريرًا جاء إلى باب سكينة بنت الحسين عليه السلام يستأذن عليها فلم تأذن له، وخرجت إليه جارية لها فقالت: تقول لك سيدتي: أنت القائل:

طَرَقَتْكَ صَائِدَة الْقُلُوبِ ولَيْسَ ذَا  

حِينَ الزِّيَارَةِ فَاِرْجِعِي بِسِلَامِ

 

قال: نعم، قالت: فألا أخذت بيدها فرحَّبتَ بها وأدنيت مجلسها وقلت لها ما يقال لمثلها! أنت عفيفٌ، وفيك ضعف، فخذ هذين الألفي الدرهم فالحق بأهلك[4].

 

عائشة بنت طلحة

أمها أم كلثوم بنت أبي بكر بنت أبي بكر الصديق وخالتها عائشة رضي الله عنها[5]، وكانت عائشة تتأثر خطوات سُكينة في نقد الشعر والغناء، والاجتماع بالمغنين والشعراء، والرواة والأدباء، وذوي الرأي والسناء، فتحدّث كلًّا بما عني به، وخُلق له، حتى لا تدع له مجالا يقول فيه[6].

لقد قسّم الباحثون المجتمع في العصر الأموي إلى: "حضريّ وبدويّ" نظرَا لطبيعة التطوّر الاجتماعي في دلك العصر

مواقع التواصل
 

أم البنين

زوج الخليفة عبد الملك بن مروان، قد اشتهرت بالفصاحة والبلاغة وقوة الحجة وبعد النظر، وكانت لها مكانة كبيرة عند زوجها الوليد وكان يستشيرها في كثير من أمور الدولة[7]واشتُهر خبرها مع وضاح اليمن، ومنه أنها حجت مع الوليد، فرأت وضاح اليمن الشاعر أحد الأبناء وهو ينشد، فأعجبها فأرسلت إليه أن اصحابنا، وأمرته، فقال فيها شعرا، فبعثت إليه بكسوة وجائزة، فلما صارت إلى الشام وهو معهم جعلت ترسل إليه، فينشدها الشعر ويحادثها.

 

اجتماعيًّا

لقد قسّم الباحثون المجتمع في العصر الأموي إلى: "حضريّ وبدويّ" نظرَا لطبيعة التطوّر الاجتماعي في دلك العصر؛ وقد سايرت المرأة العربية في العصر الأموي مجتمعها بكل ما كان فيه وما دخل إليه من حضارات وتأثيرات ثقافية ممّا أتاح لها أن تطوّر فعليًّا ونفسيًّا من شخصية المرأة الأموية وتطبعها بطابع خاصٍّ، فتراها تشارك في الحياة الاجتماعية والثقافية، أمّا اشتراكها الاجتماعي لهذا العصر فكان عن طريق الشعر والشعراء؛ إذ تقربت إلى الشعراء مستمعةً وراويةً، وتقربوا إليها لتكونَ مادة خصبة لأشعارهم، واشتركت في هذا نساء الطبقة العليا في الحجاز والعراق وكذلك أميرات البيت الأموي في دمشق، وكنتيجة انعكاسية عمل الأدباء والشعراء على تخليد هؤلاء النسوة في أشعارهم الغزلية والسياسية.

 
 
وفي الحواضر
ظهرت طبقة من أولئك الوافدين على المجتمع العربي وهي طبقة النساء الجميلات الوافدات اللواتي يعرفن الغناء والموسيقى وساهم في فعاليتهن قابليةُ شعر الغزل للغناء، وكان لهذه الطبقة حضورًا اجتماعيًّا قويًّا في الحواضر والقصور، منهنّ: جميلة وعزة الميلاء وسلّامة القس وحبّابة، مما يعني أن النساء في الحواضر كنّ قسمين:
- نساء الأسر العريقة
- الموالي من المغنّيات[8]

 
ومن المغنيات نذكر حبّابة جارية يزيد بن عبد الملك يروى أنها كانت مليحة خفيفة الروح شجية الغناء تزاحم النساء في قلب يزيد فتفوقهنّ، كان يزيد يقول فيها:

أَبْلِغ حُبَابَةَ أَسْقَى رَبْعَهَا الْمَطَرُ

مَا لِلْفُؤَادِ سوى ذكراكم وطرُ

إِن سَارَ صَحْبِيَ لَمْ أَمْلِك تَذَكُّرهم

أو عَرَّسُوا فَهُمُومُ النَّفْسِ وَالسَّهْرُ [9]

 

أما في مجتمع البادية

فكانت التقاليد الاجتماعية أكثر بروزًا وصرامة في شعر شعراء البادية الذين عرفوا بالشعراء أو العشاق العذريين نسبة إلى قبيلة "بني عذرة" التي اشتهرت بكثرة عشاقها المتيمين، ولم تسمح هذه البيئة لأبنائها بالذي سمحت به الحواضر، مما يعني أنّ أبناء البادية عاشوا في غلظة وجفاء، وضاقت بهم سبل الرزق، إذ إن الوضع الاجتماعي قد استمر في البادية رعويًا فقيرًا على ما كان عليه في العصر الجاهلي، وظل أبناء البادية يتحملون قسوة الظروف من أجل تحصيل رزقهم، وبقيت أفكارهم وأحلامهم ضمن حدود مراعيهم، بعيدًا عما يدور في مدن الحجاز من صخب الحضارة والمدنيَّة ورنين الأصوات، وعمَّا يدور في الحواضر الأخرى كدمشق، حيث الحكم والثراء والترف.

 
 
وقد خرج من أهل البادية كثيرون إلى الأمصار المفتوحة مجاهدين وغير مجاهدين، واستقروا فيها، كما استشهد كثير من أهلها في الفتوحات، فخلّف ذلك كله في النفوس حزنًا وكآبة ومرارة.

 
ضمن هذه الشروط الاجتماعية عاشت المرأة في البادية، فلم تظفر بما ظفرت به أختها الحضرية من التحرر الاجتماعي، ولم تُتح لها الفرصة للتعبير عن حياتها ونفسها تعبيرًا مباشرًا، وإنما انعكست حياتها في رأي الشاعر العذري وفكره، وبدت ضرورة لا غنى عنها، ورفعت إلى مستوى المثال وبولغ في جعلها مثالية كاملة، فكانت موضوعًا لهؤلاء العذريين ومحورًا لإبداعاتهم بل كانت ملهمة لهذا الشعر ومحرضة عليه وقد مثل هؤلاء الشعراء نوعًا من "المواجهة" بين الحب وتقاليد المجتمع ومفهوم ذلك المجتمع عن الحب" فقد اتصفت المرأة في مجتمع البادية بأنها المرأة شديدة المنعة، وعلى المحب أن يتجنّب هذه المواجهات العنيفة مع المجتمع وأن يتحصّن بما يكفيه مؤنة ألسنة المجتمع، لأن خبر حبه لها إن شاع يعني نهاية قصة الغرام، وبداية اليأس والتعاسة [10].

 
فكانت أعراف البيئة وتقاليدها أكثر صرامة وإحكامًا على المرأة وتحرّكاتها، وفرضًا لضوابط اجتماعية وقيمًا أخلاقيّة تجعلها تدور في فلك تعاليم الأسرة والقبيلة، فكانت صورتها في الشعر متمنّعة غير مبالية بغزل الشاعر ووصفه واستجداءاته، من ذلك ما يقوله كثيّر في عزة:

أيا عز لو أشكو الذي قد أصابني
إلى ميت في قبره لبكى ليا

ويا عز لو أشكو الذي قد أصابني

إلى راهب في ديره لرثى ليا

ويا عز لو أشكو الذي قد أصابني

إلى جبل صعب الذرى لانحنى ليا

 

ثقافيًا


 
امتازت المرأة الأموية بالبروز ثقافيًّا، والقوة والجرأة في مقابلة الرجال والتحدث معهم في الثقافة والأدب والفن، بل كان الأدب ونقده والتمييز بينه مادّةَ لحديثهّ؛ فيُروى عن نُصيب بن رباح الشاعر الأموي الغَزِل أنه عندما مكة "أتى المسجد الحرام ليلًا، فبينما هو كذلك، إذ طلع نسوة فجلسن قريبًا منه وجعلن يتحدثن ويتذاكرن الشعر والشعراء، وإذا هن من أفصح النساء وآدابهن. فقالت إحداهن: قاتل الله جميلًا حيث يقول:

وَبَينَ الصَّفَا وَالْمَرْوَتَينِ ذَكَرْتُكُم  

بمختلفٍ والناس ساعٍ وموجف

وعند طوافي قد ذكرتك ذكرةً  

هي الموت بل كادت على الموت تضعف

 

فقالت الأخرى:

بل قاتل الله كثير عزة حيث يقول:

طلعن علينا بين مروة والصفا  

يمرن على البطحاء مور السحائب

فكدن لعمر الله يحدثن فتنةً  

لمختشعٍ من خشية الله تائب

فقالت الأخرى: قاتل الله ابن الزانية نصيبًا حيث يقول:

ألام على ليلى ولو أستطيعها  

وحرمة ما بين البنية والستر

لملت على ليلى بنفسي ميلةً

ولو كان في يوم التحالق والنحر



فقام نصيبٌ إليهن فسلم عليهن، فرددن عليه السلام. فقال لهن: إني رأيتكن تتحادثن شيئًا عندي منه علمٌ. فقلن: ومن أنت؟ فقال: اسمعن أولًا. فقلن: هات. فأنشدهن قصيدته التي أولها:

ويوم ذي سلمٍ شاقتك نائحةٌ  *** ورقاء في فننٍ والريح تضطرب

 

فقلن له: نسألك بالله، من أنت؟ فقال: أنا ابن المظلومة المقذوفة بغير جرم "نصيب".

فقمن إليه فسلمن عليه ورحبن به، واعتذرت إليه القائلة، وقالت: والله ما أردت سوءًا، وإنما حملني الاستحسان لقولك على ما سمعت فضحك وجلس إليهن فحادثهن إلى أن انصرفن [11].

 
 
وفي ذلك العصر كان الشعر أداةً إعلامية ترفع أقوامًا وتضع آخرين، وتُشهر نساء وتنشر أخبارهنَّ وجمالهنَّ في الحاضرة والبادية، ممّا دفع بعض النساء إلى التردد على الشعراء طالبين منهم أن يذكرونهنَّ في أشعارهنّ؛ ويروى أنَّ الشاعر المتوكل الليثي أتاه غلام له، قال له بالباب امرأة تدعوك، فخرج إليها، وسفرت عن وجهها فإذا الشمس طالعة، وعندما سألها عن حاجتها قالت: بلغني أنك شاعر، فأحببت أن تشبب بي في شعرك، فكرر طرفه في وجهها ثم قال:

أَجد اليوم جِيرتُك احتمالا

 وحثَّ حداتهم بهم الجمالا

وفي الأَظعانِ آنسةٌ لعوب
ترى قتلي بغيرِ دمٍ حلالا [12].

  

إذن كان للمرأة العربية النصيب في التغيّرات التي طرأت على المجتمع العربي عقائديًّا وثقافيًّا وجغرافيًّا، واجتمعت هذه العوامل في العصر الأموي فأبرزت المرأة وصدّرتها للواجهات الاجتماعية والثقافية والشعرية، حضورًّا مؤثّرًا ومتأثرًا، فكانت مادة الشعر وناقدة وراوية له في آن، ومجالسة الشعراء ومستميلة عقولهم كما قوافيهم بما هي عليه من قوة وجرأة.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك