اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/17 الساعة 19:14 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/21 هـ

انضم إلينا
إطلالة على شاعرات الأندلس

إطلالة على شاعرات الأندلس

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

يا لقومي تعجّبوا مِن غزالٍ ** جائرٍ في محبّتي وهو جاري
ليتَ لو كان لي إليه سبيلٌ ** فأقضي من حبّه أوطاري!
(أُنسُ القلوب جارية المنصور العامري في تغزلها لأبي المغيرة ابن حزم!)


كانت المرأة الأندلسية واسعة النفوذ بقسط كبير من الحرية. ولا تقل المرأة الأندلسية عن المشرقية في مدى النفوذ السياسي، فكانت "عجب" ذات سلطان واسع في أيام هشام ابن عبد الرحمن الأموي وظلت تسيطر كثيرا في أيام عبد الرحمن ابنه، وكان لطرُوب جارية عبد الرحمن إدلال كثيرة عليه ولكنا لا ندري مدى أثرها في الحياة السياسية. وقد نقم الناس على القاضي محمد بن زياد خضوعه لامرأته كفات؛ لا لأن هذا الخضوع كان مستهجنا في حد ذاته، بل لأن القاضي يجب أن يكون فوق هذا المستوى.

وفي أيام عبد الرحمن الناصر كانت "رسيس" مقرّبة إليه حتى إنه جعلها تخرج معه في موكبه وهي لبس قلنسوة وتتقلد سيفا، وشقّ قرطبة على هذه الحال حتى بلغ الزهراء ولا ننسَ ما كان لصُبْح من النفوذ في أيام الحكم وفي عهد ابن أبي عامر.

في كتاب "نفْحُ الطيب من غصن الأندلس الرطيب" للمؤرخ الأديب أحمد بن محمد المقَّري (ت1041هـ) وبعد حديثه الماتع عن أدباء وبُلغاء الأندلس من الرجال، نراه يفرد للنساء فصلاً جذّابًا في كتابه، فيقولُ في مستهله: "وإذا وصلتُ إلى هذا الموضع من كلام أهل الأندلس، فقد رأيتُ أن أذكر جملة من نساء أهل الأندلس اللاتي لهن اليد الطولى في البلاغة؛ كي يُعلم أن البراعة في أهل الأندلس كالغريزة لهم حتى في نسائهم وصبيانهم"!

شاعرات بالفطرة!
شاعرات الأندلس ملكن الحرية في التعبير عن مشاعر الحب لديهن وإشباع هذه المشاعر عبر قصائدهن (مواقع التواصل)
 
وتلك ملاحظة فذّة حقًا، فقد اتسمت شاعرات الأندلس بالفصاحة والبلاغة، كأنها الغريزة الراسخة في نفوسهن، وقد ذكر عددًا منهن، مثل: بثينة بنت المعتمد بن عباد وأمها الشاعرة الأميرة اعتماد الرُّميكية، وكانت بثينةُ هذه مثل أمها في الجمال ونظم الشعر، وحين وقع أبوها في أسر المرابطين " كانت بثينة من جملة من سُبي، ولم يزل المعتمد والرّميكية عليها في ولهٍ دائمٍ لا يعلمانِ ما آلَ إليه أمرها، إلى أن كتبت إليهما بالشعر المشهور المتداول بين الناس بالمغرب، وكان أحد تجار إشبيلية اشتراها على أنها جارية سرية
(*) ووهبها لابنه فنظرَ من شأنها وهُيئت له، فلما أراد الدخول عليها امتنعت، وأظهرت نسبَها، وقالت: لا أحلّ لك إلا بعقد النكاح(**) إن رضي أبي بذلك".

فأرسلت إلى أبيها الأمير الأسير الذي أسره يوسف بن تاشفين في المغرب تستأذنه في أمر هذا الزواج قائلة في شعر رائق، ونظم بديع:
 

اسمع كلامي واستمع لمقالتي *** فهي السلوك بدت من الأجيادِ
لا تنكروا أني سبيتُ وأنني *** بنتٌ لملك من بني عبّاد
ملكٌ عظيم قد تولّى عصرُه *** وكذا الزمانُ يؤول للإفسادِ
لما أراد الله فُرقة شملنا *** وأذاقنا طعم الأسى عن زادِ
قام النفاق على أبي في مُلكه *** فدنا الفراق ولم يكن بمرادِ
فخرجتُ هاربة فحازني امرؤ *** لم يأت في إعجاله بسداد
إذ باعني بيع العبيد فضمّني *** من صانني إلا من الانكادِ
وأرادني لنكاح نجل طاهرٍ *** حسن الخلائق من بني الأنجادِ
ومضى إليك يسوم رأيك في الرِّضى *** ولأنتَ تنظر في طريق رشادي
فعساك يا أبتي تعرفني به *** إن كان ممن يرتجى لوداد
وعسى رُميكية الملوك بفضلها *** 
تدعو لنا باليُمن والإسعاد


فلما وصل شعرها لأبيها وهو بأغمات(***) واقعٌ في شراك الكروب والأزمات سُرَّ هو وأمها بحياتها ورأيا ان ذلك للنفس من أحسن أمنياتها إذ علما مآل أمرها وجبر كسرها إذ ذلك اخف الضررين وإن كان الكرب قد ستر القلب منه حجاب رين، وأشهد على نفسه بعقد زواجها من الفتى الإشبيلي المذكور، وكتب إليها أثناء كتابه مما يدل على حسن صبره المشكور:

بُنيّتي كُوني به برةٌ *** فَقَد قَضَى الوقتُ بِإسْعَافِهِ (3)

عاطفة جريئة!
تعكس الأشعار التي كتبتها نساء شاعرات في الأندلس، أو التي وضعت على ألسنتهن، قدرًا لافتًا من روح المبادرة الشخصية من جانبهن؛ فهنّ لا يظهرن كما تُرينا هذه الأشعار، متقيّدات متخوّفات مترددات، بل نراهن يملكن الحرية في التعبير عن مشاعر الحب لديهن وإشباع هذه المشاعر، ولربما تكون أكثر الأشعار شهرة في هذا المجال المنسوبة إلى الأميرة الأموية ولّادة ابنة خليفة قرطبة المستكفي الذي حكم فترة قصيرة سنة 416هـ/1025م.
 
رسم تشبيهي للشاعرة الأندلسية ولاَّدة بنت المستكفي، توفيت عام 1091م (مواقع التواصل)
 
لقد امتازت ولّادة بالجرأة والقوة في آن، فهي تملك روح التحدي والوقوف أمام عادات وتقاليد المجتمع، لربما كان نسبها الرفيع إلى البيت الأموي سببًا في هذه القوة، وقصتها مع الشاعر الأندلسي ابن زيدون شهيرة في هذا المجال، ونلحظ هذه الجرأة السافرة حين تقول: 
أنا والله أصلحُ للمعالي *** وأمشي مِشيتي وأتيه تيهًا
وأُمكّن عاشقي من صحن خدّي ** وأُعطي قبلتي من يشتهيها!


وفي موضع آخر تقول:

ترقّب إذا جنَّ الظلامُ زيارتي *** فإني رأيتُ الليلَ أكتم للسرّ
وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلُح ** وبالبدرِ لن يطلع وبالنجم لم يَسْرِ


إن هذا الشعر مجرد مقتطف من حالة عامة، فهناك نساء أندلسيات من عصور مبكرة كشفن بصراحة عن عشقهن، وتكلمهن عن هذا العشق مثل متعة، وهي جارية المغني الشاعر العراقي زرياب التي حضرت إلى الأندلس من بغداد في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، وقد أعلنت بصراحة تامة أمام جمع من الأدباء عن العاطفة التي تُكنّها للأمير عبد الرحمن الأوسط الأموي (ت238هـ/852م):

يا من يُغطّي هواه *** من ذا يُغطّي النهارا؟!
قد كنتُ أملكُ قلبي *** حتى علقتُ فطارا!
يا ويلتا أتراه ** لي كان، أو مستعارا
يا بأبي قرشيّ ** خلعتُ فيه العذارا!


وفي القرن التالي رأينا حفصة بنت حمدون التي لم تُبدِ أي خوف أمام أمها إذ قالت:

لي حبيبٌ لا ينثني لعتابٍ ** وإذا ما تركتُه زاد تيها!
قال لي: هل رأيتِ لي من شبيهٍ ** قلتُ أيضًا: وهل ترى لي شبيهًا!


وفي حادثة مماثلة فإن أُنْس القلوب جارية المنصور بن أبي عامر تكشف فجأة عن عشقها لأبي المغيرة عبد الوهاب بن حزم ابن عم العلامة الفقيه أبي سعيد ابن حزم، وقد فوجئ عبد الوهاب بهذا العشق، تقول:

يا لقومي تعجّبوا من غزالٍ ** جائرٍ في محبّتي وهو جاري
ليت لو كان لي إليه سبيلٌ ** فأقضي من حبّه أوطاري!


وقد تفاعل معها أبو المغيرة، الذي يحكي ذلك المشهد قائلاً: فلمّا أكملتِ الغناء، أحسستُ بالمعنى، فقلتُ:

كيف كيف الوصولُ للأقمار *** بين سُمر القنا وبيض الشّفارِ
لو علمنا بأن حبّكِ حقٌّ *** لطلبْنَا الحياة منك بثارِ
وإذا ما الكرام همّوا بشيء *** خاطروا بالنفوس في الأخطار


قال: فعند ذلك بادر المنصور لسيفه، وغلظ في كلامه، وقال لها: قولي واصدقي إلى مَن تُشيرين بهذا الشوق والحنين؟ فقالت الجارية: إن كان الكذب أنجى، فالصدقُ أحرى وأولى، والله ما كانت إلاّ نظرة، ولّدت في القلب فكرة، فتكلّم الحب على لساني، وبرّح الشوق بكتماني، والعفو مضمون لديك عند المقدرة، والصفح معلوم منك عند المعذرة؛ ثم بكت فكأن دمعها درٌّ تناثر من عقد، أو طلٌّ تساقط من ورد، وأنشدت:

أذنبتُ ذنباً عظيماً *** فكيف منه اعتذاري؟
والله قدّر هذا *** ولم يكن باختياري
والعفو أحسن شيء *** يكونُ عند اقتدارِ


قال: فعند ذلك صرف المنصور وجه الغضب إليّ، وسلّ سيف السخط عليّ، فقلتُ: أيدك الله تعالى، إنّما كانت هفوةً جرّها الفكر، وصبوة أيدها النظر، وليس للمرء إلاّ ما قُدر له، لا ما اختاره وأمّله. فأطرقَ المنصور قليلاً ثم عفا وصفح، وتجاوز عنّا وسمح، وخلّى سبيلي، فسكَّن وجيب قلبي وغليلي، ووهب الجارية لي.

وفي القرن الخامس الهجري أنشدت أم الكرام بنت ملك ألمرية في شرق الأندلس المعتصم بن صمادح في عصر الطوائف في خادم لها عشقته في قصر أبيها:

حسْبي بمن أهواه لو أنّه ** فارقني تابعه قلبي!


أما الشاعرة زينب الألمرية التي عاشت في القرن السابع الهجري فقالت في حبيب لها:

يا أيها الراكبُ الغادي لطيّته ** عرّج أُنبّئك عن بعض الذي أجدُ
ما عالج الناسُ من وجد تضمّنهم ** إلا ووجدي بهم فوق الذي وجدوا
حسبي رضاه وأني في مسرّته ** وودّه آخر الأيام أجتهدُ


وهكذا لمع نجم شاعرات النساء في الأندلس، والحق الشاعرات الأندلسيات لم يكنّ وحدهن الأبرز في مجتمعهن، وإنما تجلى دور النساء الأندلسيات أيضا في تولي المناصب، والمشاركة الفاعلة في المجتمع آنذاك، فكانت لبنى كاتبة للخليفة الحكم بن عبد الرحمن وهي نحوية شاعرة بصيرة بالحساب عروضية خطاطة. وكانت كزنة كاتبة الخليفة الناصر لدين الله حاذقة في الخط. وشارك بعضهن في رواية الحديث فكانت غالبة بنت محمد المعلمة تروي الحديث، وما هذه إلا أمثلة على مكانة المرأة الأندلسية!


-------------------------------------------------------------


الهوامش:

*أي مملوكة من جملة الرقيق، وهي حرة.
**الزواج
***أغمات قرية مغربية أمازيغية تاريخية عريقة تقع جنوب وسط المغرب بالقرب من مُراكش بها ضريح المعتمد بن عباد بها قضى بها بقية أيام عمره هو وزوجه مأسورًا.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار