اغلاق
آخر تحديث: 2017/6/26 الساعة 10:39 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/2 هـ

انضم إلينا
كيف استرد بيبرس أنطاكية؟

كيف استرد بيبرس أنطاكية؟

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

بعد الاستيلاء على صفد ثم الشقيف وقلعتها الحصينة، قرّر السلطان بيبرس الاتجاه شمالًا صوب طرابلُس، المدينة التي كان تخضع للأمير الصليبي بوهمند السادس، الذي فيه يقول ابن عبد الظاهر:"كثر تعدّيه على بلاد الإسلام وأخْذ البلاد المجاورة له، وذلك بعد زوال الأيام الناصرية (الناصر الثاني الأيوبي ت 657هـ) واستيلاء التتار على الشام، وكان من أكبر أعوان التتار، وأشدّهم نكاية في المسلمين"(1).

 

إستراتيجية الخداع والمفاجأة
أرسل السلطان مجموعتين من الخيالة من طريقين مختلفين لتأمين طريق الجيش المملوكي، وللقيام بدور الاستطلاعات، وبالفعل وصلت القوات المملوكية في منتصف شعبان سنة 666هـ/إبريل 1268م بالقرب من طرابلس، ولم يستطع بوهمند السادس أن يوجّه أية مقاومة تُذكر، ثم بدأت المناوشات على هذه الإمارة الصليبية - التي اتسعت مساحتها على حساب الأراضي الإسلامية المتاخمة لها - ومن ثم "استمر السلطان على الركوب إلى طرابلس، والعساكر تُناوش أهلها القتال، ويُرمونهم بالنُشّاب (السهام)، وافتتح بُرجًا كان قد عصـى فيه جماعة من الفرنج، ضرب رقابهم، وجرّد جماعة خرّبوا الحدَث(أ)، ونهبوا تلك الجبال، وحصلت العساكر الغنائم وأحضروها"(2).
 

   

كان بوهمند السادس أعظم أمير صليبي آنذاك، إذ كان أميرا لأنطاكية وطرابلس وغيرهما من المدن الكبرى على الساحل الشامي، وقد علم بيبرس من مخابراته أن بوهمند السادس كان آنذاك في طرابلس، فأوهمه بطرق الخداع أنه انتهى من هجومه ومناوشاته على طرابلس عائدًا إلى مصر، ولم يعلم أحد بوجهة بيبرس النهائية التي كان القصد منها استرداد أنطاكية أولى الإمارات الصليبية في الشام منذ أكثر من قرن ونصف!

 

إثر هذه المناوشات التي لم تستمر طويلًا رحل بيبرس وقواته إلى صافيتا وحصن أنطرسوس(ب)فتلقاه صاحبها بالترحاب وأطلق سراح ثلاثمائة أسير من المسلمين كانوا عنده، فلم يتعرّض السلطان لإمارته، وتقدّم شمالًا صوب حمص وأمر ببناء مسجد بها، ثم تقدّم إلى حماة، وهناك قسّم الجيش المملوكي إلى ثلاث فرق؛ حيث قرّر الهجوم على أنطاكية إحدى أهم وأكبر الإمارات الصليبية في شمال بلاد الشام كما يلي:

 

1- كانت مهمة الفرقة الأولى التوجّه شرقًا صوب السويدية(ج)والتمركز بها وقطع أية إمدادات على الصليبيين من جهة البحر  فضلا عن حماية الجيش المملوكي.

2- والفرقة الثانية اتجهت شمالًا صوب الدربساك(د)وسدّت الممرات بين قليقية والشام لمنع وصول إمدادات من أرمينية الصغرى(13).

3- ورأسَ السلطانُ بنفسه إحدى هذه الفرق الثلاث، واتجه صوب أفامية)ليكون جنوب مدينة أنطاكية(14).

 

انتظر الظاهر حتى وصلت القوات المملوكية المتأخرة، ثم تلاحمت هذه الفرق الثلاث ببعضها، والتقت عند أنطاكية في بداية رمضان سنة 666هـ، ونظرًا للكثافة السكانية العالية التي كانت تتمتع به هذه المدينة وقد بلغت مائة ألف إنسان أو أكثر،  اضطر والي المدينة، نائب بوهمند للذهاب والتفاوض مع السلطان بيبرس فرآه "رجلًا عاقلًا، وسأل أنه يدخل إلى المدينة، ويتوسّط لأهلها، فجرى السلطان على عادته في الإنذار قبل المهاجمة"(5). لكن مفاوضات التسليم لم تُفلح، إذ خاف كبار القساوسة والوزير والأمراء من الأمير بوهمند السادس وبطشه بهم.

 

هجوم خاطف

رأى الصليبيون القوة المملوكية المتنامية، وسقوط مدنهم واحدة وراء أخرى في سرعة مدهشة، فأرسلت القلاع والحصون الصليبية القريبة من أنطاكية تطلبُ الأمان

بيكساباي
  
لم يجد بيبرس بدًا من مهاجمة أسوار المدينة، وقد استطاعت القوات المملوكية الدخول إلى أنطاكية بالفعل بعد حصار سريع، فأوقعوا بحاميتها النكال، وحينما رأى رجال الحامية الصليبية- وقدر المؤرخون عددهم بثمانية آلاف رجل- أن المدينة قد وقعت في يد المسلمين بالفعل، هربوا إلى قلعتها، ثم سرعان ما سلّموها في اليوم التالي على شرط تأمين حياتهم، وكانت مدة حصار المدينة وقلعتها خمسة أيام فقط، وهي مدة قليلة للغاية مقارنة بمدن أخرى أصغر صمدت لأربعين يوما أمام المماليك، لكن يبدو أن هذا السقوط السريع كان بسبب الرعب والفزع من قوة المماليك، وهيبة السلطان بيبرس التي كانت تتأكد مع كل معركة كان يخرج منها ظافرًا منتصرا على الصليبيين والمغول والأرمن على السواء.

 

وزّع بيبرس هذه الحامية الكبيرة التي وقعت في الأسر على أمرائه، واستولى المسلمون والتركمان والجند على أغنام لا تُعد من كثرتها، وأمر بيبرس "بإحضار المغانم لتقتسم وركب وأبعد عن الخيام وحمل ما غنمه وما غنمته مماليكه وخواصه وقال: والله ما خبأتُ شيئا ممَّا حمل إلىَّ ولا خليتُ مماليكي يخبئون شيئا، ولقد بلغني أن غلاما لأحد مماليكي خبأ شيئا لا قيمة له فأدبته الأدب البالغ، ويتبقى لكل أحد منكم أن يخلّص ذمَّته وأنا أُحلّف الأمراء والمقدَّمين وهم يُحلفون أجنادهم ومضافيهم. فأحضر النَّاس الأموال والمصاغ الذَّهب والفضَّة حتَّى صارت تلا بها، وقُسّمت في النَّاس".

 

هذه الغنائم الهائلة التي استولى عليها المسلمون بعد انتصار واسترداد مدينة أنطاكية بلغت حدا هائلاً؛ فقد "قُسّمت النُّقود بالطاسات ... وأقام السُّلطان يومين وهو يباشرُ القسمة بنفسه، وقصر النَّاس في إحضار الغنائم فعاد السُّلطان مُغضبا فلم تزل الأمراء به يلتزمون بالاجتهاد والاحتراز ويعتذرون إليه حتَّى وقف على فرسه وما ترك شيئا حتَّى قسّمه"(6).

 

استهزاء وتهكم من بوهمند!
رأى الصليبيون في الساحل الشامي القوة المملوكية المتنامية، وانتصارات السلطان بيبرس المتوالية، وسقوط مدنهم التي احتلوها منذ قرنين واحدة وراء أخرى في سرعة مدهشة، فأرسلت القلاع والحصون الصليبية القريبة من أنطاكية تطلبُ الأمان، فقبل السلطان تأمينهم على أنفسهم مقابل الاستسلام، ثم أرسل أحد أمرائه في تسلمها في 11 رمضان من نفس العام، وأسر من بها من الرجال.

  

 

أرسل الظاهر بيبرس رسالة إلى الأمير بوهمند السادس - وكان في طرابلس -مشحونة بالتهكم والسخرية، يشاطره فيها الحزن على مصير حاضرة مُلكه، أوردها كل من ابن عبد الظاهر والنويري والمفضل والعيني في تواريخهم، تبين كيف خدع السلطان خصمه، وكيف لقّنه درسًا قاسيا بهذه الهجمة المباغتة، جاء في رسالته: "ما كان من قصدنا طرابلُس وغزونا له في عقر الدار، وما شاهده بعد رحيلنا من إخراب العمائر، وهدم الأعمار، وكيف كنست تلك الكنائس من بساط الأرض، ودارت الدوائر على كل دار، وكيف جعلت تلك الجزائر من الأجساد على ساحل البحر كالجزائر، وكيف قُتلت الرجال، واستخدمت الأولاد، وتملكت الحرائر، وكيف قُطعت الأشجار، ولم يترك إلا ما يصلح لأعواد المجانيق إن شاء الله والستائر، وكيف نهبتُ لك ولرعيتك الأموال والحريم والأولاد والمواشي، وكيف استغنى الفقيرُ، وتأهل العازب، واستخدم الخديم، وركب الماشى. هذا وأنت تنظرُ نظر المغشـي عليه من الموت، وإذا سمعتَ صوتًا قلتَ فزِعًا: عليّ هذا الصوت، وكيف رحلْنا عنك رحيل مَن يعود، وأخّرناك وما كان تأخيرك إلا لأجل معدود ..."(7).

 

وحينما تم لبيبرس فتح أنطاكية سلّم قلعتها للأميرين المحنكين بدر الدين بيليك الخازندار والأمير بدر الدين بيسرى الشمسـي، وبعد أن قسّم الغنائم سار إلى القلعة وأشعل فيها النيران، فامتد لهيبها إلى أنحاء المدينة، فتركها وقد صارت خاوية على عروشها، وكان الهدف من ذلك بث روح اليأس في نفوس الصليبيين من العودة إلى هذه المدينة الحصينة التي ظلت خاصرة في قلب الشام لمدة قرنين تقريبا.

 

رعبٌ في المعسكر الصليبي
إزاء هذه الصدمة المروّعة التي أصيب بها الصليبيون في المشرق الإسلامي، هرب الفرسان الداوية من منطقة بغراس القريبة من أنطاكية، وتركوا حصنها خاويًا، فأرسل الظاهر حملة عسكرية استولت على القلعة وكل ما فيها، وأصبحت حصنًا من الحصون الإسلامية، وبدأت طرابلس في طلب الصلح فعليا، وبدأت المفاوضات بين الجانبين.

 

وكذلك أرسلت إمارة عكا في طلب الصلح، وهي الإمارة الكبيرة الباقية من مملكة بيت المقدس، والتي كانت تابعة للأمير هيو بن هنري ابن عم بوهمند السادس، وقد كان أميرا على قبرص أيضًا، فتقرر عقد معاهدة بينهما على أن تكون بلاد عكا مناصفة بين السلطان بيبرس وبين صاحبها، وأن تظل حيفا وصيدا التابعتين لها على حالهما، لكن هذه المواد لم تلق قبولًا لدى أهل الحكم في عكا، مما استدعي نقضها(8)، لذا حدثت مناوشات بين الجانبين سنة 668هـ(9).

  

تصالح السلطان الظاهر بيبرس مع فرسان الاسبتارية واستمر  في ترسيخ السيادة الإسلامية في منطقة الساحل الشامي طوال فترة حكمه

بيكساباي
  

وفي سنة 667هـ/1269م وصلت سفراء الملك الفرنسي على رأسهم الأمير شارل الذي دعّمته البابوية أمام أسرة ههونشتاوفن الألمانية التي كانت على علاقة وثيقة بالملوك المسلمين منذ فردريك والملك الكامل الأيوبي منذ أكثر من قرن، وشارل كان أخو الملك الفرنسـي لويس التاسع، كانت رسالته إلى الظاهر بيبرس تُطالب بضـرورة عدم التعرض للصليبيين في المشـرق الإسلامي، وكان رد بيبرس عليه يوضّح أن نقض الصليبيين للعهود هو الأمر المحوري في سوء العلاقة بين الجانبين، وأراد في رده على هذه الرسالة أن تكون العلاقة بينهما ودية ووثيقة كما كانت العلاقة بين الأيوبيين والمماليك وبين الإمبراطور الألماني فردريك وأولاده(10).

 

لقد كان بوهمند السادس - رغم خسارته لأنطاكية حاضرة مُلكه - أخطر الملوك الصليبيين في الشام، وقد علم بيبرس هذه الحقيقة الجلية، لذا عزم على انتزاع الجناح الثاني من ملكه القوي باسترداد إمارة طرابلس وردها للمسلمين، وأيقن بيبرس أنه لا سبيل للوصول إلى هذا الهدف، إلا من خلال الاستيلاء على الحصون والقلاع والمخافر المحيطة بها، لذا بدأ في الاستيلاء على حصن الأكراد القريب من طرابلس في شعبان سنة 669هـ، وقد تم له ذلك بعد الصلح الذي عقده الفرسان الاسبتارية معه بعدما فشلت محاولاتهم المستميتة في الدفاع عن المدينة(11).

 

وأمام هذه القوة المملوكية المتعاظمة بقيادة بيبرس، أرسل الفرسان الداوية في حصن أنطرسوس لطلب الصلح، فأرسلوا مفاتيح الحصن إلى الظاهر، وعرضوا عليه إرسال نصف ما يتحصّل من غلال بلادهم، فقبِل بيبرس هذا الصلح وأرسل من عنده واليًا مسلمًا يشارك الداوية في حكم الحصن(12).على الجانب الآخر، أرسل فرسان الاسبتارية المتواجدون في حصن المرقَب(و)كذلك في طلب المصالحة، فتصالح معهم بيبرس على مثل ما تم الاتفاق مع أقرانهم في حصن أنطرسوس(13). وهكذا استمر السلطان الظاهر بيبرس في ترسيخ السيادة الإسلامية في منطقة الساحل الشامي طوال فترة حكمه.

______________________________________

أ: الحدث: منطقة شرقي طرابلس الشام
ب: أنطرسوس: مدينة وحصن في شمال الشام على ساحل البحر المتوسط.
ج: السويدية: ميناء صغير كان تابعًا لأنطاكية.
د: الدربساك: قرية كانت قريبة من أنطاكية, ذات قلعة مرتفعة.
ه: أفامية: تقع الآن شمال غرب حماة وتبعد عنها حوالي 55 كم
و: المرقَب: إحدى القلاع التي استولى عليها الصليبيون، تبعد الآن مسافة 5كم عن مدينة بانياس السورية.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك