اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/11 الساعة 17:07 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/17 هـ

انضم إلينا
كيف ملأت حروب العصابات تاريخ العالم بالدماء؟

كيف ملأت حروب العصابات تاريخ العالم بالدماء؟

حمزة عامر

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
يقوّض ماكس بوت في هذه المقالة فرضية أن صور الحرب اللا منتظمة هي أمرٌ لم يظهر سوى في العصور الحديثة، مستعرضاً تطور هذه المنهجية الحربية عبر التاريخ، وأهم أسباب شيوعها وارتساماتها في الفترات التاريخية المختلفة.

 

نص التقرير
يُخيّل للمرء عندما يُنصِتُ للمحلّلين والصحافة بأن الإرهاب وتكتيكات حروب العصابات هي أمرٌ مستحدَث شطح بعيداً عن طرق الحرب التقليدية، ولكن هذا أبعدُ ما يكون عن الحقيقة. فعلى مدار تاريخ البشر المثقلِ بالكثير من الدم، احترفت الحربَ بصورةٍ رئيسية جماعاتٌ غير منضبطة انطوت في تنظيماتٍ فضفاضة، ومجموعاتٌ متطوّعة دفعهم عتادهم الزهيد إلى تفضيلِ الغارات المباغتة والأفخاخ على حساب المعارك المفتوحة، وكانت هذه السياسات التي انتهجها المحاربون القبليون وتلا ذلك حروب العصابات والإرهاب في العصر الحديث. وفي الواقع، فإن أشكال الحرب الشائعة اليوم هي نسبياً الأكثر حداثة، فلم يعرف العالم هذا الشكل من الحروب إلا بعد عام عشرة آلافٍ قبل الميلاد مع تطور المجتمعات الزراعية التي أنتجت فائضاً كافياً من الثروات والسكان سمح بابتكار تحصيناتٍ وأسلحةٍ مصمّمة لغاياتٍ بحدّ ذاتها (وطبعاً كان هناك من تعلّم استخدامها).

 

ونشأ أول جيشٍ حقيقي  يشتمل على تسلسل سلطةٍ هرمي، ويُؤلّف من جنودٍ مدرّبين تم ضبطهم تحت تهديد العقاب بعد العام 3100 قبل الميلاد في مصر وبلاد الرافدين، ولكن جاء تشكل الدول، ومعها تشكل الجيوش، في باقي أنحاء العالم بعد ذلك بفترةٍ طويلة. وفي بعض الأماكن، لم تظهر الدولَ إلا في القرن الماضي، وبقيت قدرتهم على تصريف وظائف بسيطة، مثل تشكيل الجيوش، هشّةً في أفضل الحالات. ويمكن القول أن حقبة ما نتصوّره الآن بأنه شكل النزاع المألوف ما هي إلا طرفة عين بالنسبةَ إلى المدة الزمنية التي مضت منذ أن بدأ الإنسان يطوف هذه الأرض.

  

تحصد الحروب 0.5% من سكان المجتمعات القبلية سنوياً، ولو كان لنا النظر إلى هذا من زاويةٍ أخرى، فيكافئ هذا ما يصل إلى 1.5 مليون شخصٍ في الولايات المتحدة، أو 500 هجمة 11 (أيلول/سبتمبر)

بيكساباي 
  

ولكن مع ذلك، نظر المراقبون، ومنذُ أيام الإغريق والرومان، إلى الحرب اللامنتظمة بتأنف، فقد رأى فيها جنود الغرب وعلماؤهم افتقاراً للرجولة، وحتى شكلاً من أشكال البربرية، وربما لن يكون هذا مستغرباً، فحرب العصابات، كما يصفها المؤرّخ البريطاني جون كيجان، "تقسو على الفقير، وتجبنُ في وجه الشجعان" وهذا طرف النقيض مما يُعلّم الجنود المحترفون، وحتى أنه كان هناك توجهٌ بين العلماء باعتبار حرب العصابات شيئاً مغايراً عن أشكال الحرب الحقيقية.

 

ولربما تنطوي هذه الرؤية على شيءٍ من السخرية إذا ما علمنا بأن الحرابة اللامنتظمة كانت أكثر فتكاً من نظيراتها، ما يُسمّى بصور الحرب التقليدية، على مدار التاريخ، ولا نقصد هنا أعدادَ القتلى الصرفة، فالمجتمعات القبلية أصغر من الحضارات الشعبية، وإنما في النسبة المئوية لعدد القتلى، فتحصد الحروب 0.5% من سكان المجتمعات القبلية سنوياً، ولو كان لنا النظر إلى هذا من زاويةٍ أخرى، فيكافئ هذا ما يصل إلى 1.5 مليون شخصٍ في الولايات المتحدة، أو 500 هجمة 11 (أيلول/سبتمبر). وأثبتت الأدلة الأثرية أن هذه الخسائر ليست طفرةً حديثة.

 

يصعب جداً تتبع أصل حرب العصابات في حقب ما قبل التاريخ، ولكن تفاوتت الكينونات التي كانت تعادي حروب العصابات عبر التاريخ. فقبل عام 3000 قبل الميلاد، قاتلت العصابات القبلية عصاباتً قبليةٍ أخرى بصورةٍ حصرية، وبالرغم من أن شكل النزاع هذا استمر إلى ما بعد عام 3000 قبل الميلاد، إلا أنه أصبح مكمّلاً، إن لم يُستعض عنه بالكلية، للحروب التي جمعت القبائل والثوار في وجه الدول التي شُكّلت حديثاً. وكانت هذه النزاعات، بطريقةٍ أو بأخرى، أولى صور حركات التمرد ومكافحة حركات التمرد. فقد أقضّت حروب العصابات مضجعّ كلِّ إمبراطوريةٍ عظيمة في العصور القديمة، عودةً إلى أول حضارة مؤّرخة، وهي الحضارة الأكدية في بلاد الرافدين، بالرغم من أن مصطلح "حروب العصابات" لم يُعرف إلا بعد آلاف السنين. (حروب العصابات هي ترجمةٌ لكلمة "Guerrilla"، وتعني حرفياً: "الحرب الصغيرة"، ويعود أصلها إلى المقاومة الإسبانية ضد نابليون بين عامي 1808 و 1814).

 

في العصور الحديثة، تلاقحت تكتيكات حروب العصابات بالأجندة الأيديولوجية وهو أمرٌ كان مغيّباً فيما سبق في ظلّ انعدام وجود التوجهات السياسية (وحتى أمية) المحاربين القبليين في التاريخ القديم. ولا شكّ أن الطبيعة المحدّدة للأجندة الأيديولوجية التي قامت الحروب في سبيلها قد تغيّر عبر الأزمنة، بدءً من الليبرالية، ومروراً بالقومية (والتي كانت المثل التي استنهضت محاربي العصابات في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر) والاشتراكية والقومية (ما ارتكزت عليه حروب العصابات في أواخر القرن التاسع عشر إلى أواخر القرن العشرين) وانتهاءً بالتطرّف الجهادي اليوم. وعبر التاريخ، لم تفقد حروب العصابات والإرهاب رواجها أو فتكها.

 

مفارقة حروب العصابات

 
أسّس نجاح المغيرين في مهاجمة الدول وقهرها من روما القديمة إلى صين العصور الوسطى لما أسماه أحد المؤرّخين: "مفارقة البدو"، كما يقول المؤرّخ هيو كينيدي في كتابه Mongols, Huns, and Vikings  "في تاريخ الحروب، سرا العرفُ بأن التفوق العسكري يكون من نصيب الدول الغنية والدول التي تتمتّع بنظمٍ إداريةٍ أكثر تقدماً"، ولكن بالعودة حتى أيام حضارات بلاد الرافدين، نرى بأن البدو قد نجحوا في إسقاط إمبراطورياتٍ تمتّعت بالثروة والتقدم الحضاري، ويشرح كينيدي هذا التناقض الواضح للعيان بإيراد جميع الميزات العسكرية التي تمتّع بها البدو: فقد كانوا أكثر مرونةً في الحركة، وكلّ ذكرٍ بالغ فيهم كان محارباً، وقادتهم اختيروا لمهاراتهم الحربية بصورةٍ رئيسية. في المقابل، اختارت المجتمعات المستقرة قادتها بناءً على اعتباراتٍ سياسية، وكان جنودهم المزارعون يفتقرون إلى أبسط مهارات الحروب.

 

ويبدو بأن الميزات التي تمتّع بها البدو في الحروب العسكرية قد فرضت نفسها على حروب العصابات في العصر الحديث، وحتى في القرنين الأخيرين، اللذين شهدا تعاظم قوى الدول وتفوّقها بصورةٍ مهولة على دول الحقب القديمة والعصور الوسطى، فقد نجحت حروب العصابات في كسر شوكةِ هذه الدول، فلك أن تنظر إلى قبائل أفغانستان وكيف استطاعت أن تُعيي المملكة المتحدة، والاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة الأميركية. في الواقع، كانت "مفارقة البدو" الذي سنّها كينيدي هي مفارقة حروب العصابات، وتطرح هذه المفارقة سؤالاً عن الكيفية والسببية التي رفعت كفة الضعيف على حساب القوي. ويكمن الجواب، بالدرجة الأولى، في توظيف تكتيكات الكرّ والفرّ، فبفضل الحركية وعنصر المفاجأة، كان من الصعب على الدول الأقوى أن تفرض ثقلها الكامل على المشهد.

 

وتطرح حروب العصابات مفارقةً أخرى: حتى أعتد المغيرين فضّلوا الانتقال إلى ما يُسمّى بتكتيكات الحروب التقليدية بعد تحقيق النصر العسكري، فصُيِّرَت شعوائية المغول جيشاً شبه منظّم تحت حكم جنكيز خان، وخضع العرب لتحولٍ شبيه، فقد قادتهم انتصاراتهم التي تلت انتشار الإسلام في الشرق الأوسط وموت النبي محمد، في عام 632 ميلادي، إلى تكوين الخلافتين الأموية والعباسية، وكلاهما كانتا من أعظم دول حقب العصور الوسطى، وكانت نهايتهم على يد قوىً تقليدية. وهناك الإمبراطورية التركية أيضاً، التي نهضت من براثنِ ثقافة الغزو التي سادت سهول أوروبا، ولكنها انتهت إلى بناءِ الجيش الانكشاري المهيب الذي تألّفَ من جنودٍ عبيد تمتّعوا بدرجةٍ عاليةٍ من الانضباط، وكان لهذا الجيش "التقليدي" أن يفتح القسطنطينية في 1453، وبعد أقل من قرن، كان الأتراك على أبواب فيينا.

 

ويبقى السؤال الأهم: لماذا كانت النقلة من تكتيكات حروب العصابات إلى أشكال الحرب التقليدية؟ كان هذا بدايةً لأن أهدافهم أصبحت أكبر، وهو ما تطلّب تغيراً في التكتيكات. فلم يكن لرماة الأسهم على الجبال أن يفتحوا القسطنطينية، فهذا المرام الصعب كان يتطلّب ميكانيكية حركةٍ عسكريةٍ لائقة اشتملت على 69 مدفع، دون أن نهمل ذكر أن إثنين من هذه المدافع كان يبلغ طولهما 27 قدماً (8.2 متر تقريباً)، وكانت لهم القدرة على إطلاق قذائف يفوق وزنها نصف طن. وأيضاً لم يكن المقاتلون القبليون، سريعو الحركة، مفيدين جداً في الدفاع عن الدول المنتزَعة أو إدارتها أوحكمها، فهذه المهمات، أيضاً، كانت تتطلّب جيوشاً محترفةً مؤسّسة.

  

بحلول القرن الثامن عشر انتشرت الجيوش الملكية التي انتهجت أساليب قتالية والتزمت بقواعد سلوكية تقاطعت في كثيرٍ من جوانبها، ولربما كان أهمها الزي الموحّد الذي جعل الفارق بين المدني والمحارب واضحاً للعيان

بيكساباي
  

وكان هناك عاملٌ ثالثٌ حتّم هذا التحول من البدو إلى الحياة العادية، فقد انطوى أسلوب القتال الذي انتهجه رماة الجبال على تدريبٍ شاق يستلزم من المقاتل أن يتمرّن باستمرار منذ الطفولة كي يستطيع الحفاظ على مهارته. وبمجرّد ما اختلط البدو بأناسٍ هجروا حياة الترحال، حصل أن "خسروا بسهولة مواهبهم القتالية الفردية المتميّزة، ووحدة تماسكهم" كما يخبرنا المؤرّخ التركي مسعود أويار، وإيدوارز إيركسون في كتابهما (A Military History of the Ottomans). ولكن في الواقع، كانت هذه صفقةً، الانتقال من البدو إلى المدنية، لم يتوانى معظمهم في عقدها، فالحياة المستقرة كانت حياةً أسهل بكثير، فضلاً عن كونها أكثر أمناً.

 

كانت منجزات البدو، على كبرها، عابرةً في مجملها، باستثناء العرب، والأتراك، والمغول، والمانشو، الذين نجحوا في التماهي في مجتمعاتٍ مستقرة، فلم يستطع البدو بناء مؤسّساتٍ مستدامة، وكانت إمبراطورياتهم تُقوّض بعد جيلٍ أو جيلين. ولسخرية الأقدار، وجد البدو الذين استقروا بأنهم أصبحوا لقمةً سائغةً لموجاتٍ جديدةٍ من البدو والعصابات الأخرى، وهذا ما كان مصير المانشو، الذين حاربوا، في خضم حكمهم للصين، الدزونجار (أو المغول الغربيين) في القرن الثامن عشر، وحاولوا أيضاً صدَّ متمردي التايبينغ في أكثر حروب القرن التاسع عشر دموية. وبدورهم، حاول التايبينغ تشييد جيوشٍ أقوى خاصةً بهم في منظومةٍ تماهى بها الخطّ الفاصل بين النزاع المنتظم واللامنتظم. ومنذ ذلك الحين، اشتملت الكثير من الحروب الأهلية، بما في ذلك الحرب الأهلية الأميركية بين 1861 و1865، على كلا النوعين من القتال -المنتظم واللامنظم.

 

اللاانتظام في عصر العقل
تعاظم الخط الفاصل بين الحرب المنتظمة والحرب اللامنتظمة مع انتشار الجيوش القومية بعد حرب الثلاثين عاماً. وتسيّدت هذه العملية، التي كانت توازياً مع نمو الدول القومية، المشهد في النصف الثاني من القرن السابع عشر. حيث شهدت تلك الحقبة شيوعَ الثكنات التي آوت الجنود، والموجهّين الذين تكفّلوا بتدريبهم، والمسؤولين الذي تفرّغوا لقيادتهم وتوجيههم، والخدمات اللوجستية التي قامت لتوفير احتياجاتهم، ومصانعَ عملت على كسوتهم وتزويدهم بالعتاد، والمستشفيات ودور المتقاعدين الذين وقع على عاتقها رعايتهم.

 

وبحلول القرن الثامن عشر، وصلت الحرابة في الغرب آفاقاً جديدة لم تُرَ قبلاً، أو حتى منذ ذلك الحين، إلا فيما ندر. فانتشرت الجيوش الملكية التي انتهجت أساليب قتالية والتزمت بقواعد سلوكية تقاطعت في كثيرٍ من جوانبها، ولربما كان أهم هذه الجوانب هو الزي الموحّد الذي جعل الفارق بين المدني والمحارب واضحاً للعيان، كما أن هذا اقتضى أيضاً بأن المقاتلين الذين أرادوا أن يشعلوا حروباً دون ارتداءهم للزي أصبحوا معروفين أيضاً، بل وأصبحوا يُعيّرون بكونهم قطاع طرق وليسوا جنوداً حُقَّ لهم أن يحموا قوانين الحرب التي كانت قد استُحدِثت في ذلك الوقت.

  

في أميركا الشمالية، اعتمدت القوات البريطانية بصورةٍ متزايدة على مشاةٍ خفيفين كانوا أسلاف ما يعرف اليوم بالقوات الخاصة، وهي فرقٌ تُدرّب على تكتيكات حروب العصابات

بيكساباي
  

ولكن عادت الحرب اللا منتظمة إلى البروز مجدداً، خلال حرب الخلافة النمساوية (1740-1748) التي قامت بين النمسا، وبريطانيا العظمى، وهانوفر، وهيسة، وهولندا، من جهة، وبافاريا، وفرنسا، وبروسيا، وساكسونيا، وإسبانيا على الجهة الأخرى. وضامت الحرب على النمسا في بداياتها، وهو ما سمحَ للقوات الأجنبية باحتلال مساحاتٍ كبرى من أراضيها، ولكن نجحت النمسا في قلب الأمور لصالحها بفضل ما سُمّوا بالرجال الجامحين (Wild Men) الذي انحدروا من أطراف إمبراطوريتها: الهوصار المجريين، والباندور الكروات، وغيرهم من مسيحي البلقان الذين أمضوا قروناً يحاربون الأتراك.

 

وفي بداية الأمر، تنكّر فريدريتش العظيم وغيره من جنرالات الحروب لمنتهجي الحرب اللامنتظمة، واصفاً إياهم بأنهم "همج"، ولكن بعد تلمسه لفعاليتهم العالية، استنسخ فريدريتش النموذج النمساوي، وبحلول سبعينيات القرن الثامن عشر، كانت القوات الخفيفة (مجموعةٌ من المقاتلين ذوي التدريب البسيط الذين لم يكونوا يملكون أسلحةً ودروعاً ثقيلة، وكانوا بعيدين عن خطوط المعارك الرئيسية) تشكّل 20% من معظمِ الجيوش الأوروبية.

 

وفي أميركا الشمالية، اعتمدت القوات البريطانية بصورةٍ متزايدة على مشاةٍ خفيفين كانوا أسلاف ما يعرف اليوم بالقوات الخاصة -وهي فرقٌ تُدرّب على تكتيكات حروب العصابات، رغماً أنها تتمتّع بانضباطٍ أعلى من المقاتلين الذين لا ينضوون تحت أي لواء- ودُرّب هؤلاء الجوّالون" على طرائق "الحروب الخشبية" (Wood Service) أوالقتال اللا منتظم في حربها على الفرنسيين وحلفائهم من السكان الأصليين.

 

هناك أسطورةُ انتشرت في أميركا ولاقت حفاوةً كبيرة، وهي أن اليانكيز الجسورين انتزعوا استقلاليتهم من تحت حكم بريطانيا العظمى بفضل غاراتهم على الجنود الإنجليز المتخبّطين الذين بلغ غباءهم مبلغاً عظيماً، مما منعهم من الانسلاخ من طرائق الحرابة المراسمية المنتظمة، وبالطبع لُفَّت هذه القصص بمبالغاتٍ كبيرة، فمع اندلاع الثورة، في عام 1775، كان البريطانيون ضليعين جداً في مجابهة الحرب اللامنتظمة، وكانوا يعملون على مكافحتها في أوروبا، والكاريبي، وأميركا الشمالية، فبلا شك تمتّع الجنود الإنجليز بالقدرة على كسر الصفوف وإيجاد مخابئ آمنة في المعارك لحماية أنفسهم، ولم يكونوا، كما وصفهم بأحد المؤّرخين، «خاملين وغير قادرين على حماية أنفسهم من شرّ نيران الأعداء».

  

مذهب "المحورية السكانية" يشتمل على قيام القوى المستعمرة بالتوسّع عسكرياً واستعمارياً بشكلٍ تدريجي، مثل بقعة زيتٍ متمدّدة، إلى أن تُسحَق حركات مقاومة السكان الأصليين

بيكساباي
  

ولكن، وعلى غرار الجيش الأميركي الحديث في حقبة ما قبل حرب العراق، عانى البريطانيون من مشكلةٍ مختلفة، فقد نسوا معظم دروس الحرب اللامنتظّمة التي تجرّعها الجيل الماضي، كما أن الثوار الأميركيين استخدموا طرق حربٍ لامنتظّمة أكثر تعقيداً مما لجأ إليه الفرنسيون والمحاربون الأميركيون الأصليون الذين أَلِفهم جنود بريطانيا، فقد أتاح شيوع القراءة والكتابة ورواج الكتب المطبوعة للمتمرّدين الأميركيين الفرصة لاستجداء الدعم الشعبي، وهو ما أبرزَ دور البروباغاندا والحرب النفسية، وربما ليس هناك أدلّ من هذا على أن مصطلح "الرأي العام" ظهر مطبوعاً للمرة الأولى عام 1776، فقد استطاع الثوار الأميركيين، وبصورةٍ كبيرة، أن ينتصروا في معركة الاستقلال بفضل توجيه خطابهم إلى جمهور الناخبين البريطانين في وثائقَ مثل رسائل "الفطرة السليمة" التي ألّفها توماس بين، وإعلان الاستقلال.

 

وفي الواقع، حسم مجلس العموم البريطاني في عام 1782 مصير الثورة فعلياً، بتصويته بفارقٍ طفيف لإيقاف خط العمليات الهجومية. وبالتأكيد كان البريطانيون يستطيعون الاستمرار في القتال، وكانوا يستطيعون تعبئة الصفوف مجدّداً حتى بعد هزيمة يوركتاون في 1781، ولكن ليس بعد أن فقدوا دعم البرلمان. وتلا ذلك محاكاة الكثير من الحركات الثورية، التي كانت في معظمها أكثر تطرفاً من الحركة الثورية في أميركا، للتلاعب الأميركي البارع بالرأي العام، سواءً أكانت تلك الثورات تميل إلى اليمين أو اليسار، فكان هناك اليونانيون في عشرينات القرن التاسع عشر، والكوبيون في التسعينيات من ذات القرن، وتلاهم الجزائريون في خمسينيات القرن الماضي، وقد حظيت كل هذه الحركات بنجاحٍ بارز في توجيه الرأي الخارجي في سبيل تحقيق استقلالها، ففي اليونان وكوبا فاز المناهضون للإمبريالية بإبراز معاناة المستعمرات، وهو ما انبثق منه ما يعرف اليوم بالتدخل الإنساني من القوى الغربية.

 

وكان النصر حليف حركات التمرد الليبرالية في العالم الجديد. وبحلول العام 1825، انحسرت يدُ الاستعمار الأوروبي في الأميركيتين مع وجود بعض الاستثنائات، وكان الوضع مغايراً في أوروبا، فلم يكن النصر حليفَ الحركات الثورية التي شهدتها أوروبا في تلك الفترة، مثل الكارتسمية في المملكة المتحدة والديسمبريون في روسيا، ومع ذلك كان التوجه واضحاً نحو الليبرالية في أوروبا وأميركا الشمالية مع دنو القرن العشرين، وحتى في دول الملكية المطلقة -مثل النمسا، وألمانيا، وروسيا- التي بقيت كما هي، إلا أنها كانت تبذل الغالي والرخيص لمداراة التوجهات العامة وتوجيهها.

 

حروبٌ لم تكن
على الصعيد الآخر، لم يوقف كلّ هذا الدول الغربية من بسط يديها على مختلف أنحاء العالم الأخرى على نحوٍ أبعد ما يكون عن الليبرالية، وكان لعملية الاستعمار ومقاومته أن تكون العامل الأهم في رسم معالم العالم الحديث، كما أنها أسّست لأكثر مذاهب مكافحة التمرد فعاليةً على الإطلاق: نظرية "بقعة الزيت" التي وضعها المارشال الفرنسي هيوبرت ليواتلي الذي تكهّن بقيام مذهب "المحورية السكانية" عندما كان في الهند الصينية، ومدغشقر، والمغرب مع أفول شمس القرن التاسع عشر، وهو نفس المذهب التي استندت عليه الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق في القرن الحادي والعشرين، ويشتمل هذا المذهب على قيام القوى المستعمرة بالتوسّع عسكرياً واستعمارياً بشكلٍ تدريجي، مثل بقعة زيتٍ متمدّدة، إلى أن تُسحَق حركات مقاومة السكان الأصليين، مع التركيز أيضاً على احتواء المشاكل السياسية والاقتصادية المحلية.

  

لم تكن هناك سوى قلةٌ من الأنظمة المحلية لجأت لتكتيكات حروب العصابات لأن غير الغربيين لم يكونوا على درايةٍ كافيةٍ بالقوة القتالية التي تمتّعت بها الجيوش الغربية، ولم يدركوا مقدارها إلا بعد فوات الأوان (بيكساباي)

 

وبذلت شعوب آسيا وأفريقيا كلّ ما لديها لمقاومة التقدم الاستعماري، وبالفعل، نجحوا أحياناً في إحداث نكساتٍ حقيقية لهذه المساعي، مثلما حدث عام 1842 بانسحاب البريطانيين من كابول، ولكن كان كلُّ هذا مجرّد زلاتٍ مؤقّتة في المدّ الجارف لغربنة العالم، فبحلول العام 1914، فرض الأوروبيون، وأتباعهم، سيطرتهم على 84% من رقعة العالم مقارنةً بـ35% في القرن التاسع عشر.

 

وبالتأكيد ليس لأحدٍ أن يُنكِر أن التقدم التكنولوجي والتقني المتنامي في الأمور العسكرية الذي تمتّعت به أوروبا قد كلّف غير الأوروبيين استقلالهم، ولكن أيضاً لا يمكن أن نهمل بأن غير الأوروبيين لم ينتهجوا إستراتيجياتٍ تتسق أكثر مع مصادرهم المحدودة، وهو ما كان من شأنه أن يُرجئ هيمنة أوروبا لسنواتٍ، إن لم يكن لعقود، ويكبّد الغزاةً خسائر مهولة حتى لو لم تنجح هذه الحركات في نهاية المطاف، فعوضاً عن اللجوء إلى حرب العصابات، قاتل غير الأوروبيين تماماً مثل ما أراد لهم الأوروبيون - باستعمال طرائق الحرب التقليدية.

 

كان الأوروبيون يؤمنون بأن المناطق التي احتلوها يعيبها "البدائية" و"التخلف"، ولكن، من زاويةٍ أخرى، كان تطور هذه المناطق سببَ فناءها، فقد كانت معظم شعوب آسيا وأفريقيا، مع دنو الغزو الأوروبي، تعيش تحت حكم أنظمةً محلية تملك جيوشاً قائمة، مثل إمبراطورية الزولو في أفريقيا الجنوبية، وإمبراطورية المارثا في الهند. وكانت هذه الأنظمة الحاكمة تتأمل من هذه الجيوش، بطبيعة الحال، بأن تحميها، متحاشين التكتيكات الحربية القبلية (أحد أولى صور حروب العصابات) التي انتهجها من سبقوهم. وفي معظم الحالات، انقلب هذا القرار على هذه الأنظمة، فعندما حاول الحكام المحليون تصحيح المسار، كانوا يعمدون إلى جعل جيوشهم أكثر تقليدية عن طريق الاستعانة بمستشارين أوروبيين وشراء أسلحةٍ أوروبية، ونادراً ما كانت محاولة محاكاة النموذج الأوروبي بنفس الجودة، حيث عرّت المعارك دونية هذه الجيوش بصورةٍ فاضحة.

 

إذاً لماذا لم تكن هناك سوى قلةٌ قليلة من الأنظمة المحلية التي لجأت لتكتيكات حروب العصابات؟ يُعزى ذلك جزئياً إلى أن غير الغربيين لم يكونوا على درايةٍ كافيةٍ بالقوة القتالية التي تمتّعت بها الجيوش الغربية، ولم يدركوا مقدارها إلا بعد فوات الأوان. فقد تصوّر الكثيرون من عمّارِ الإمبراطوريات المحلية في العالم النامي بأن التكتيكات التي استخدموها لهزيمة القبائل المحلية ستفلح في صدّ مطامع الغزاة البيض أيضاً، وحتى لو أرادت هذه الإمبراطوريات أن تشعل فتيل الثورة، لم يكن هذا لينجح لأنها افتقرت للوقود الأيدولوجي باستثناء الجزائر، والشيشان، وداغستان وثلةٌ من المناطق التي أسعرَ فيها المسلمون الثوار حروب مقاومةٍ طويلة ضد المستعمرين الأوروبيين. وفي معظم الأحيان كان الرازحون تحت حكم هذه الأنظمة ينقمون على أنظمتهم المحلية بقدر كرههم للغزاة الأوروبيين إن لم يكن كرههم لهم يفوق ذلك حتى. ولم تكن القومية، التي كانت وقتها استحداثاً جديداً نسبياً، قد وصلت تلك البقاع.

  

 

كان قيام "الحروب الصغيرة" على الحدود الخارجية للإمبراطوريات الأوروبية في آسيا وأفريقيا أمراً ساعد الجنود الأوروبين إلى حدٍّ كبير، فقد كانت هذه الحروب ضد أعداءً يُنظر إليهم على أنهم "غير متحضّرين"، وبناءً على هذا، كان الجنود يقاتلونهم، تحت قواعد السلوك الأوروبية، بوحشيةٍ غير مقيّدة. وقد كتب الروائي والضابط البريطاني جون ماسترز في ثلاثينيات القرن الماضي أن محاربي الباشتون كانوا يقومون بـ "خصي الأسرى وقطع رؤوسهم"  على الحدود الشمالية الغربية للهند (التي أصبحت اليوم جزءًا من باكستان)، في حين كان البريطانيون "يحرصون على أخذِ أقل عددٍ ممكنٍ من الأسرى، وكانوا أقلّ ما يكونون إن لم يكن هناك ضابطٌ عسكري"  فببساطة كانوا يقومون بقتل أيّ جنديٍ يأسروه. ولكن، ترتّبَ على النجاح الكبير الذي كلّل حروب الجيوش الإمبريالية أن أيّ معارك مستقبلية ستقوم داخل الحدود الإمبريالية ستكون ، وستُعدّ، على أرض الواقع، ما وصفه المؤرّخ توماس موكايتيس في كتابه "المكافحة البريطانية للتمرد" (British Counterinsurgency) بأنه " اضطرابٌ مدني وليس حرباً". وبهذا، وجدت القوات الإمبريالية، مع مرور الزمن، أن القانون والرأي العام أصبحا قيداً على سلوكياتها على نحوٍ لم يكن عليها أن تلقي له بالأً في الماضي.  

 

كما أن طمسَ الاضطراب المدني في القرن العشرين كان أصعب لأسبابٍ أخرى، فمع تأسيس المدارس والصحف التي أشاعت أفكاراً غربيةً مثل القومية والماركسية على نطاقٍ أوسع، كان المسؤولون الغربيون أنفسهم في النهاية هم من حفّزوا هذه المقاومة الواسعة لحكمهم، ومع تصنيع أسلحةً لا حصر لها من الـ"تي إن تي" (TNT) إلى "أي كي 47" (AK-47) وتصديرها إلى جميع أرجاء العالم، حرص الأوروبيون على أن يكون خصومهم في القرن العشرين مسلّحين بصورةٍ أفضل ممن سبقوهم.

 

أفول شمس الإمبراطورية البريطانية
في سبيل فهم انحسار الاستعمار حول العالم في نهاية أربعينيات القرن الماضي، ولماذا قامت قائمةٌ لحرابة العصابات والإرهاب المعاديان للغرب في تلك الفترة، لا بد من أن نُشدّد على مدى الضعف الذي ألمّ بأكبر قوتين استعماريتين في العالم في ذاك الوقت، فحتى لو كانت بريطانيا وفرنسا قد عقدا العزمَ على صيانة رقعهم الاستعمارية في ما وراء البحار عام 1945، كان هذا ليكونَ أمراً مضنياً بصورةٍ منقطعة، فكلا القوتين كانتا أقربَ إلى الإفلاس ولم يكن بمقدورهما استدامة حروبٍ لقمع التمرد، وخصوصاً في وجه القوات الخارقة التي بدأت تطفح على السطح، فكان السوفيتيين، ولحقتهم الصين، على أهبة الاستعداد لتوفير الأسلحة، والتدريب، والتمويل للحركات التحررية القومية التي تغلب عليها الميول الماركسية.

  

لم يهبط رواج حروب العصابات والإرهاب مع سقوط الإمبراطوريات البريطانية، بل كانت الفترة ما بين 1959 إلى 1979 العصر الذهبي لحركات التمرد اليسارية مع استيلاء كاسترو لمقاليد الحكم في كوبا

رويترز
 

كانت عمليات التحرر من الاستعمار مسالمةً نسبياً في مجملها. فحتى مع المقاومة المضنية التي واجهتها بريطانيا، كما حدث في الهند وفلسطين، لم يستلزم الأمر كثيراً لإقناعهم بالرحيل. فبشكلٍ عام، حرصت لندن على إبقاء بضعة قواعد فقط، مثل قبرص وعدن، لإيمانها بثقلها الإستراتيجي، أو، كما كان في ماليزيا وكينيا، للحول دون استيلاء قوىً شيوعيةٍ على هذه المناطق أو غيرهم من المتطرّفين. وعندما كان البريطانيون يجنحون إلى خيار القتال، فكانوا يقومون بذلك بمهارةٍ ونجاحٍ كبيرين، فتاريخهم في محاربة حركات التمرد كان أفضل من تاريخ الفرنسيين خلال نفس الفترة، وإلى اليوم ما يزال الإستراتيجيون العسكريون يدرسون بعضاً من حملاتهم في ذلك الحين مثل الحملة في مالايا التي تعدّ من أبرز الأمثلة على ذلك.

 

ولم يهبط رواج حروب العصابات والإرهاب مع سقوط الإمبراطوريات البريطانية، بل على العكس تماماً، كانت الفترة ما بين 1959 إلى 1979 العصر الذهبي لحركات التمرد اليسارية مع استيلاء كاسترو لمقاليد الحكم في كوبا، والاستيلاء السانديني على نيكاراجوا. مع ذلك، ظلّ هناك بضعة حروبٍ كولونيالية وعددٌ غير قليل من حروبٍ كانت إثنيةً في طابعها (في الكونجو، وتيمور الشرقية، وإقليم بيافرا في نيجيريا) التي قامت لترسم معالم دول ما بعد الاستعمار، ولكن الدافع الرئيس لهذه الحروب كان أيدولوجياتٍ اشتراكية.

 

وأخذَ الراديكاليون، الذين وسموا أنفسهم على أنهم القدوم الثاني لماو، أو هو، أو فيدل، أو تشي، بالكلاشينكوفات ليُسعِروا حروب عصاباتٍ ريفية وإرهاباً شعبياً. فلم تشهد الحرابة اللا منتظمة ازدهاراً أكثر من تلك الفترة، ولا أدلّ على ذلك من الانتشار الجارف لصورة تشي جيفارا الشهيرة للفنان ألبرتو كوردا التي أصبحت تزيّن التيشيرتات والبوسترات. وأغرى نجاحُ الثورات في الخارج عدداً من الحركات الراديكالية الغربية في ستينيات القرن الماضي، والذين كانوا غير راضين عن مجتمعاتهم، وحسبوا أن لهم، أيضاً، أن يُسقِطوا الآلة.

 

ويختزل توم وولف المشهد بأمثل صورةٍ ممكنة في كتابه "الأناقة الراديكالية" (Radical Chic)، والتي عمد فيها إلى توصيف حفلةٍ أقامها الملحّن ليونارد بيرنستين في شقَته النيويوركية المبهرجة لمجموعةٍ من أفراد حركة النمور السود بتفصيلٍ مُضني، حركةٌ فاقت شهرتها قدرَتها على تحقيق أهدافها بدرجةٍ كبيرة.

      

حظيت بعض الحكومات بنجاحٍ لافت في قمعِ حركات التمرد، وشهدت ستينيات القرن الماضي صدورَ عدداً من الكتب الإرشادية على هذا الصعيد، مثل كتاب (Counterinsurgency Warfare: Theory and Practice) لمؤّلفه الضابط الفرنسي (الذي عايش حرب الجزائر) ديفد جالولا، و(Defeating Community Insurgency) الذي ألّفه الضابط البريطاني السير روبرت ثومبسون، الذي شهد حربي مالايا وفيتنام. وتتلمّس وجود إجماعٍ كبير بين جالولا وثومبسون وغيرهم من الخبراء بأن التعاطي مع حركات التمرد يختلف عن الحروب التقليدية. وكان المبدأ الجوهري الذي أضفى خصوصيةً على مكافحة التمرد هو استخدام "الأسلحة بأقل قدرٍ ممكن" ، في حين يكتب جالولا أن "على الجندي أن يكون مستعداً ليكون بثّاث بروباغاندا، أو عاملاً اجتماعياً، أو مهندساً مدنياً، أو معلّم مدرسة، أو ممرّضاً، أو فتى كشافة".

 

ويبدو بأن نشر هذه الدروس الصعبة كان أقلّ ضراوةً بكثير من إقناع الضباط العسكريين بها مع بقاء ميولهم لشنّ حملاتٍ عسكريةٍ مهولةٍ كما هي، وبتأنفهم من المقاتلين المسلّحين الذين يفتقرون إلى الكفاءة. واقتحم العسكريون الغربيون بوابات العقود القادمة وما يزال تركيزهم منصباً على قتال أعداءٍ يماثلونهم في كل شيء. عندما أُرغِمت الولايات المتحدة على مواجهة حرابة العصابات في فيتنام، كانت خطة استجابة ويليام ويستمورلاند، قائد العمليات الأميركية هناك، تقليديةً للغاية مستهلكاً الكثير من الأسلحة، وهو ما دمّر الكثير من الحيوات من كلا الجانبين دونَ أن تقود هذه الخطة إلى النصر المأمول.

 

ما تبقى لكم
تتأثَر حروب العصابات والإرهابيون، مثلَ أي طرفٍ آخر، بالتيار الشعبي والموضات الفكرية. فبحلول الثمانينيات، ومع اندثار ذكريات الاستعمار، والتجاوزات الواضحة لحكام دول ما بعد الاستعمار، وإحياء رواج الرأسمالية على يد الرئيس الأميركي رونالد ريغان ورئيس الوزراء البريطاني مارجاريت ثاتشر، غربت شمس اليسارية، وانقشعت غيمةُ حرب العصابات. ولم يكن يتصوّر أحدٌ، ربما سوى بعض المعميين بأيدولوجياتهم، بأن المستقبل سيولد من جديد في كمبوديا أو كوبا الذين أضناهمها الفقر والقمع. وألقى انهيار الأنظمة القديمة في موسكو والانفتاح التدريجي في بكين بظلاله على المجموعات المتمّردة، فقد أُنضِبت أحد أهم مصادر التمويل، والأسلحة، والتدريب. ولم تستطع المجموعات الإرهابية الماركسية في السبعينيات، مثل الألوية الحمراء في إيطاليا، وجماعة الجيش الأحمر (عصبة بادير-ميرنهوف)، أبداً بعد ذلك أن تجد لنفسها قواعد دعمٍ شعبية واندثرت مع داعميها الخارجيين. وكان مصيرُ الحركات القومية مثل منظّمة التحرير الفلسطينية، والجيش الإيرلندي الجمهوري ألطف قليلاً، بالرغم من أنهم أيضاً قد عانوا في ظلّ انحدار الدعم الخارجي.

  

تنامى تهديد المتطرفين الإسلاميين في الخفاء إلى أن تسيّد المشهد بتاريخ 11 (أيلول/سبتمبر) 2001، عندما نفذّت القاعدة أكثر هجومٍ إرهابي دموي في التاريخ

الجزيرة
  

لكن لم يعنِ اندثار حركات التمرد اليسارية أن حروب العصابات أو الإرهاب قد شهدت آخر أيامها، فببساطة تجلت هذه الكينونات في صورٍ جديدة وغذّت أجندتها أقدم مظلومياتٍ عرفها البشر -الدين والعرق-، لتعود إلى الواجهة. وتطلّبَ الانتقال من حركاتٍ تمردية بدوافع سياسية إلى حركاتٍ تمردية يحرّكها الدين نموً استغرق عقوداً، وربما قروناً، ويمكن للمرء أن يتتبع جذور هذا الانتقال، فضلاً عن مسبّباته الأخرى، إلى كتابات الداعية المصري سيد قطب في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وأنشطة حسن البنا، الذي أسّس حركة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، وتباشير محمد ابن عبد الوهاب، الذي أوجدَ الحركة البيوريتانيكية (التطهيرية) لتصبح ذات يوم العقيدة الثيولوجية الرسمية للسعودية.
 
ولكن لم يكن للآثار التي نشأت من أفكار هؤلاء القادة الدينين أن تستلب انتباه العالم إلا بعد السقطة المصيرية عام 1979، عندما احتلّ المتظاهرون السفارة الأميركية في طهران. كان منظّمو هذه الاستيلاء هم مجموعةٌ من الطلاب الجامعين الراديكاليين وكان من بينهم محمود أحمدي نجاد، الذي يُقدّر له أن يصبح الرئيس الإيراني في المستقبل، وكان نجاد يريد وقتها أن يكيل بضربةٍ موجعة  للـ "الشيطان الأكبر" والعلمانيين المحليين، وكان لهذا ما تبعه، فقد استولت ميليشيا على المسجد الحرام في مكة، أقدس بقاع المسلمين على الأرض، وأُحرِقت السفارة الأميركية في إسلام آباد، ومن ثم دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان بتاريخ 24 (ديسمبر/كانون الأول) من عام 1979، وهو ما أوقد نارَ أحد أكبرِ حركات حرب العصابات المقدّسة: المجاهدون.

 

تنامى تهديد المتطرفين الإسلاميين في الخفاء إلى أن تسيّد المشهد بتاريخ 11 (أيلول/سبتمبر) 2001، عندما نفذّت القاعدة أكثر هجومٍ إرهابي دموي في التاريخ. وكما قال المحلّلُ المختص في الإرهاب بريان جينكنس في سبعينيات القرن الماضي: «الإرهاب هو مسرح... ما يُمنّي الإرهابيون به أنفسهم أن ينظر إليهم الكثيرُ من الناس، وليسَ أن يُقتلَ الكثير من الناس»  قيّدت الجماعات الإرهابية السابقة، من منظّمة التحرير الفلسطينية إلى مجموعاتٍ أناركيةٍ أخرى، نطاق أعمالها التخريبية، ولكن القاعدة ومن لفّ لفيفها أعادوا صياغة المشهد في أميركا والعراق.

 

وبغية الدفاع عن النفس، نصبت الولايات المتحدة وحلفاءها عدداً من خطوط الدفاع، وهو ما تجلّى في مجمله في رفع سوية الأمن، والشرطة، والاستخبارات. كما لعب السلك العسكري دوراً مهماً أيضاً، ولكن ندرَ أن يكون لهذا الدور ذات المحورية الذي تمتّع به في أفغانستان والعراق، والتي قامت الولايات المتحدة بالإطاحة بحكوماتها. أما الدول التي كانت تتمتّع بحكمٍ قائم، أو شبه قائم، مثل الفلبين والسعودية، فكان دور الولايات المتحدة محدوداً فيها لم يتجاوزَ تزويد حكومات هذه الدول بالتدريب، والأسلحة، والاستخبارات، وغيرها من المعونات التي ساعدت هذه الحكومات على محاربة المتطرّفين.

  

فشل الجيش الأميركي مرةً بعد مرة في التكيف مع نموذج "الحروب الصغيرة" بالرغم من تجاربه الطويلة في قتال الأميركان الأصليين، والثوار الفلبينيين، والقاعدة، وطالبان، وغيرها من الحركات اللامنتظمة

بيكساباي
  

وكانت أيضاً الاحتجاجات الشعبية ضربةً أخرى للجماعات للإرهابية تجاوزت رقعة الجهود الغربية المناهضة للقاعدة، فقد أثبت الربيع العربي نفسه كأداة تغيير أكثر جدوىً من التفجيرات الانتحارية، وكان هذا حتى قبل مقتل أسامة بن لادن، عام 2011، فقد سجّل مشروع Pew Global Altitudes التابع لمركز بيو للأبحاث انخفاضاً حاداً في معدّلات الأشخاص الذين أعربوا عن ثقتهم في بن لادن بين 2003 و 2010، فقد انخفضت النسبة في باكستان من 46% إلى 18%، ومن 59% إلى 25% في أندونيسيا، ومن 56% إلى 14% في الأردن.

 

ولكن حتى الأقليات الصغيرة تكفي لتغذّي قيام الجماعات الإرهابية، وقد أظهرت القاعدة قدرةً مثيرةً للإعجاب في إعادة إحياء نفسها. فأتباعها ما يزالون نشطين من الشرق الأوسط إلى جنوب شرق آسيا، وفي هذه الأثناء نرى مجموعاتٍ إسلاميةٍ أخرى تثبت سطوتها في أفغانستان وباكستان، ولا تزال حماس تفرض سيطرتها على قطاع غزة، وفي لبنان، لا يزال حزب الله يتمتّع بنفوذٍ كبير، وتصارع حركة الشباب الإسلامية للوصول إلى السلطة في الصومال، ويحرز بوكو حرام تقدماً في نيجيريا، وهناك أيضاً مجموعتان جديدتان، أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، اللتين بسطتا سيطرتهما على شمال مالي. فبعيداً عن موت بن لادن والنكسات التي تكبّدتها القاعدة، لا تزال الحرب على الإرهاب في منتصفها. وتبقى هجمات الحادي عشر من (أيلول/سبتمبر) خير تذكرةً بأن تأمين النفس من جيشٍ غير مرئي يمكن أن يتحوّل إلى ضعفٍ في ظلّ المباغتة والمفاجئة، وأن الجماعات الإرهابية العالمية، على النقيض من حركات التمرد المقيّدة جغرافياً في الماضي، تستطيع أن تضرب في أي مكان كما أثبتت القاعدة ذلك.

 

حروبٌ صغيرة، دروسٌ كبيرة
يثبت لنا التاريخ الطويل للنزاعات الصغيرة مدى استشراء حرب العصابات على مرّ التاريخ، فضلاً عن أهميتها التي أُهمِلت مراراً وتكراراً، وهو ما يرسم معالم هزائم جديدة على يد اللامنتظمين المصمّمين. وللجيش الأميركي، على وجه الخصوص، تاريخٌ مروّع على هذا الصعيد، فقد فشل الجيش مرةً بعد مرة في التكيف مع نموذج "الحروب الصغيرة" بالرغم من تجاربه الطويلة في قتال الأميركان الأصليين، والثوار الفلبينيين، والفايت كونج (جبهة التحرير القومية)، والقاعدة، وطالبان، وغيرها من الحركات اللامنتظمة. فلا بد من أن ينظر جنود وصناع السياسات اليوم بعين الاعتبار إلى نقاط قوة وضعف حركات التمرد إذا ما أردنا تجنب مصائب مستقبلية. فمن المهم أن لا نستخف أو نضخّم قوة حرب العصابات. فقبل عام 1945، كان المحاربون اللامنتظمون موضع استخفافٍ دائم نظراً لأنهم كانوا يرفضون خوض معاركَ مفتوحة، وبعد 1945، انكبّ الرأي العام إلى الجانب الآخر بصورةٍ مفرطة، بتهويله لمنتهجي حروب العصابات وكأنهم أشخاصٌ يتمتّعون بقوةٍ خارقة، إلا أن الحقيقة تكمن بين هذا وذاك، فالمتمرّدون قد أجادوا صقلِ حرفتهم منذ 1945 ولكنهم يخسرون في معظم المرات. ويُعاز نجاحهم المتزايد إلى انتشار تكنولوجيا الاتصالات وزيادة تأثير الرأي العام، فقد أضعف كلا هذين العاملين رغبة الدول في تبني حروب مكافحة تمرد يطول أمدها، وخصوصاً إذا ما كانت خارج رقعتها، فضلاً عن قدرة المتمرّدين  على إيجاد متنفسٍ لهم حتى بعد تكبّد هزائم عسكرية والتي أصبحت أعلى أيضاً بفضل هذين العاملين.

  

ليس لأحدٍ أن ينكر أنك تستطيع أن تفرض سطوتك بتهديد السلاح، ولكنك لن تستطيع صيانة هذه السطوة إلا إذا تمتّعت القوات الأمنية بدرجةٍ من الشرعية الشعبية

بيكساباي
  

لن تفلح الإستراتيجيات التقليدية في الحرب على المتمرّدين، فيتحتّم على من أراد هزيمتهم أن يركّز على تأمين الشعوب المحلية، فضلاً عن مطاردتهم، ومع ذلك فإن منهجية المحورية السكانية لمكافحة التمرد ليست ناعمةً كما يظنّ الكثيرون، فهي تنطوي على أكثر من مجرّد الفوز "بالقلوب والأذهان" - وهي عبارةٌ استحدثها السير هينري كلينتون، جنرال بريطاني خلال الثورة الأميركية، وأشاعها السير جيرالد تيمبلر، جينرال خلال الأزمة المالاوية في أواخر أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. فالطريقة الوحيدة لفرض السيطرة هي بنشر القوات على مدار اليوم والأسبوع بين المدنيين، فلن تفلح غارات "التفتيش" الدورية أو إستراتيجية "المسح المناطقي" حتى لو نفذّتها قوات مكافحة تمرد بقسوة النازيين، لأن المدنيين يدركون بأن الثوار سيعودون بمجرّد رحيل الجنود.

 

وليس لأحدٍ أن ينكر أنك تستطيع أن تفرض سطوتك بتهديد السلاح، ولكنك لن تستطيع صيانة هذه السطوة إلا إذا تمتّعت القوات الأمنية بدرجةٍ من الشرعية الشعبية. ففي السنوات الماضية، لم يكن اكتساب الشرعية مأموريةً صعبةً على الإمبراطوريات الأجنبية، ولكن الآن، ومع وصول القيم القومية إلى أقاصي الأرض، أصبحت مهمة قوات مكافحة التمرد الأجنبية، مثل الولايات المتحدة، عسيرةً بعض الشيء، فهي تحاول دعم أنظمةٍ تنبثق من نفس البلاد التي ستحكمها، بحيث تكسب دعم شعوبها، وتبقى منفتحةً للتعاون مع الولايات المتحدة.

 

ما يجعل جهود مكافحة التمرد أصعب وأصعب هي أن الانتصار السريع هو أمرٌ نادر الحدوث في هذا النوع من النزاعات، فمنذ عام 1775، امتد معدّل أعمار حركات التمرد إلى سبع سنين (وقفز إلى عشر سنين تقريباً منذ 1945). وإذا ما حاول المتمّردون أو من يكافحون التمرد تقصير عمر هذه العملية، فإن محاولاتهم هذه تنقلب عليهم في العادة، وقد حاولت الولايات المتحدة ذلك بالفعل في السنوات الأولى لحرب فيتنام وحرب العراق باللجوء إلى قوتها العسكرية لصيد العصابات في دفعةٍ نحو مسارٍ أسماه جون بول فان، مستشارٌ عسكري أميركي مشهورٌ في فيتنام، عن صحةٍ كبيرة: «نتائج سريعة سطحية». وللسخرية، فلم تستطع الولايات المتحدة أن تتلمّس بعض الفوارق إلا بعد أن تخلت عن آمال النصر السريع، من خلال تطبيق المبادئ المجرّبة لمنهجية المحورية السكانية لمكافحة التمرد.

  

ربما يصبح اللامنتظمون أكثر فتكاً في المستقبل إذا ما استطاعوا أن يحوزوا سلاح دمارٍ شامل، مثل قنبلةٍ نووية وإن كان لهذا أن يحصل، فإن خليةً إرهابيةً صغيرة، لا يتعدّى حجمها حجمَ فصيلٍ عسكري، ستتمتّع بقدرةٍ على الفتك تتجاوز قدرة دولةٍ غير نووية

بيكساباي
  

 ولكن الأوان كان قد فات في فيتنام، أما في العراق فقد جاء القرار ببسط ذراع الأمن في وقتها لتجنب حربٍ أهلية مفتوحةٍ على مصراعيها. وتثبت لنا تجارب الولايات المتحدة في العراق عامي 2007-2008، وإسرائيل في الضفة الغربية خلال الانتفاضة الثانية، والبريطانيين في إيرلندا الشمالية، وكولومبيا في حربها المستمرة ضد (FARC) "القوات المسلّحة الثورية في كولومبيا" أنه من الممكن أن تقاتل الحكومات الديمقراطية التمردَ عن فعالية إذا ما التفتوا إلى ما يُسمّيه الجيش الأميركي "عملياتٌ معلوماتية" (Information Operations) (أيضاً تعرف باسم "بروباغاندا" و"علاقات عامة") ولكن هذه النزاعات أيضاً تُرينا أن دخول حروب مكافحة التمرد باستهتار هو جنونٌ كبير، فالأفضل دائماً تجنب هذه الحروب، مع أنه من الصعب جداً أن تكون هذه نهاية الولايات المتحدة مع هذه الحروب نظراً إلى أن الولايات المتحدة قد أثبتت جدارتها في الحروب التقليدية في العراق عامي 1991 و2003، فمَن مِن أعدائها سيكون أحمقاً بما يكفي لينصّب دباباته في الصحراء في وجه قوىً أميركية. فبكلماتٍ أخرى، لا يُعتقد بأن الأعداء المستقبلين سيكرّرون أخطاء آسيوي وأفريقي القرن التاسع عشر الذين حاربوا الغزاة الأوروبيين بالأسلوب الذي يفضّله الغرب. في المقابل، أثبتت تكتيكات حروب العصابات جدواها حتى في مواجهة قوىً خارقة.

 

ربما يصبح اللامنتظمون أكثر فتكاً في المستقبل إذا ما استطاعوا أن يحوزوا سلاح دمارٍ شامل، مثل قنبلةٍ نووية. وإن كان لهذا أن يحصل، فإن خليةً إرهابيةً صغيرة، لا يتعدّى حجمها حجمَ فصيلٍ عسكري، ستتمتّع بقدرةٍ على الفتك تتجاوز قدرة دولةٍ غير نووية. ولا شك، فإن هذه الفكرة يجب أن تُؤخذ على محمل الجد، فهذا يقتضي أن النزاعات الصغيرة في المستقبل قد تشكّل مشاكل أعظم للقوى العالمية مما كانت عليه في الماضي، رغماً بأن هذه المشكلة كانت متعبةً بما يكفي أصلاً.

  

________________________________

 
التقرير مترجم عن: الرابط التالي

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك