اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/17 الساعة 16:38 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/23 هـ

انضم إلينا
كيف رأى الجاحظُ الأتراكَ في عصره؟

كيف رأى الجاحظُ الأتراكَ في عصره؟

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

"الأتراك قوم لا يعرفون الملَق ولا الخلابة ولا النفاق ولا السعاية ولا التصنّع"

(الجاحظ)

  

أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني البصري، المشهور بالجاحظ، واحد من أذكياء عصره علما وأدبًا، وغزاة تأليف، ولد في البصرة جنوب العراق سنة 150هـ/767م، وقد توفي فيها بعد رحلات وأسفار وعُمر مديد، سنة 255هـ/ 869م.

 

حياة الجاحظ
نشأ الجاحظ في بيت متواضع من أبوين فقيرين. ولم يتحدث الرواة عن أبيه، وإنما ذكروا جده الذي كان يعمل جمّالا عند بني كنانة. توفي أبوه وهو طفل، فتعهّدته أمّه، فنشأ في عوز وضيق؛ لذا اضطر للعمل في بيع السمك والخبز على ضفاف نهر سيحان في البصرة ليتمكن من الإنفاق على نفسه وأسرته.

 

لكن الجاحظ كان ميّالا منذ حداثته إلى الدراسة والعلوم، فأكبّ على العلم يطلبه برغبة شديدة، فصار ينتقل الى بعض الكتاتيب، والحلقات العلمية في مساجد البصرة، ثم في المربد، وهو سوق قرب البصرة كان في الإسلام كسوق عكاظ في الجاهلية. وكان المربد ميدان التنافس بين الخطباء والشعراء، قال بعض من شاهد الجاحظ: "لمأرَق طولا سمعتُ من أحبّ الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ؛ فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنًا ما كان حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت ُفيها للنظر".

  

اتصف الجاحظ ببشاعة المنظر، فقد كان أسود البشرة، جاحظ العينين للغاية، قصير القامة، وكان هو نفسه يتحدّث عن قبح شكله في رواية العديد من المواقف

مواقع التواصل
  

فاكتسبَ الجاحظ علما وثقافة ومعرفة. وتلقى العلوم والآداب على أيدي جماعة من كبار أساتذة العصر وأدبائه ومفكرّيه، فغدا طالب علم للأخفش، والأصمعي، وأبي عبيدة، وأبي زيد الأنصاري، يدرس عليهم، ويتعمّق بعلومهم ومن ثم ينتقل الى حلقة إبراهيم بن سيّار فيتأثر به، ويضحى واحدا من المعتزلة كأستاذه النظّام البلْخي أحد أئمة المفكرين، وشيخا للمعتزلة في ذاك العصر.

 

اتصف الجاحظ ببشاعة المنظر، فقد كان أسود، جاحظ العينين للغاية، قصير القامة، حدّث الجاحظ في ذلك عن نفسه، فقال: "ذُكرت للخليفة المتوكل لتأديب بعض ولده، فلما مثلتُ بين يديه بسامراء، استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني". وهو نفسه كان يتحدّث عن قبحه. فقد روي أن امرأة طلبت منه أن يصطحبها إلى دكانه أحد الصاغة، فلما وصلت هناك قالت للصائغ: "مثل هذا"، وانصرفت. فسأل الجاحظ الصائغ، ماذا قد عَنت المرأة بقولها ذاك، فأجابه بأنها قد طلبت رسم صورة شيطان على فصّ خاتمها، فاصطَحبتك لتمثيل صورته. وهذا ما يؤكد بشاعة الصورة التي كان عليها.

 

وفي أواخر حياته، سعى إليه المتوكّل طالبا إيّاه، فأجابه الجاحظ وكان قد أصيب بالشلل النصفي: «وما يصنع أمير المؤمنين بامرىء ليس بطائل، ذي شقّ مائل، ولُعاب سائل، ولون حائل؟» . وقال المّبرد: «دخلت على الجاحظ في آخر أيامه فقلت له:كيف أنت؟ قال: كيف يكون من نصفه مفلوج (مشلول) لو حزّ بالمناشير لا يشعر به، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه» . ولم يهجره الألم؛ بل تفاقم. وظل يرافقه مرافقة الكتب له. وما كاد يطوي صفحة من صفحاتها، حتى طوت سطور أيّامه الأخيرة بسقوطها عليه، مُشَكّلة قبره الذي أحب مغمورا بالورق والأحرف والكلمات، وهكذا كانت ميتة شهيد الكتاب سنة 255 هـ.

 

الجاحظ والوزير التركي!

 
بدأت علاقة الجاحظ مع الأتراك حين اقترب من الثقافة التركية، وتعمّق فيها، وبلغ إلى حد لم يبلغه أحد ممن كان في عصره حتى صار مسموع الكلام في هذا الباب، وألف رسالة مستقلة في موضوع الترك تُعطي لنا فكرة مهمة وجامعة عن الأتراك في عصره في الربع الأخير من القرن الثاني الهجري والنصف الأول من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي.

 

لقد أُعجب الجاحظ بالعِرق التركي على خلاف الفرس، ففي كتابه "البخلاء" يحمل الرجل حملة شعواء على الفرس وأخلاقهم، لكنه في رسالته "فضائل الترك" يسير على النقيض من ذلك، ويبدو أن الدافع الذي حمله على ذلك كان العطاء والهدايا في المقام الأول، فالترك الذين بدأ نجمهم يبزغ مع المأمون والمعتصم كانوا قد أصبحوا بمرور الوقت القادة العسكريين، وأصحاب الأموال والمناصب الكبرى في الدولة العباسية؛ بل إن بعض هؤلاء الأتراك بلغوا مكانة مرموقة في مناصب مدنية غير عسكرية، وبزّ منهم عدد من الكُتّاب والأدباء مثل أبو يعقوب الخريمي، وإبراهيم بن عباس الصولي، والفتح بن خاقان التركي، وقد كان هؤلاء الأتراك مدنيهم وعسكريهم يوسعون في عطاء الجاحظ والإغداق عليه.

 

لكن بعيدًا عن الطبقة العليا من رجال الجيش والأدب، فإن بغداد في ذلك العصر قد فتحت ذراعيها لكل الأجناس والأعراق، وكانت عاصمة عالمية وإسلامية جامعة تقاطر الناس عليها من كل حدب وصوب، ومنهم الأتراك من وسط آسيا وقد جالسهم الجاحظ، واستمع لقصصهم وحكاياهم، وراقب أخبارهم وأفعالهم وخصالهم، ودوّنها بمزيد من الإعجاب؛ لذا فإن الدافع المادي لم يكن هو الوحيد في رسالته عن فضائل الأتراك، فقد كان الرجل مقتنعا في قرارة نفسه بهذه الفضائل.

 

فمِن علية القوم الذين حظي الجاحظ بمنادمتهم وصحبتهم، الفتح بن خاقان التركي الذي كان وزيرا للخليفة العباسي المتوكل على الله بن المعتصم بن هارون الرشيد؛ فقد كان الفتح من أكبر وزراء الدولة، وأقرب المقربين من الخليفة، وكان على الجانب الآخر شديد الولع بالإنتاج الثقافي والمعرفي في بغداد في عصره؛ فقد كانت داره مهبط العلماء، ومنزل البلغاء، وفصحاء العرب وعلماء البصرة والكوفة، وكان ممن غشي هذه المجالس الجاحظ، فأبدى الرجل براعة في الأدب وسعة العلم كدأبه، وقد أعجب به الفتح، وبادله الجاحظ ذات الشعور، فألف له رسالته التي نحن بصددها "في مناقب الترك وعامة جند الخلافة".

  

حين فتحت بغداد ذراعيها لكل الأجناس والأعراق، وقدم إليها الأتراك من وسط آسيا، جالسهم الجاحظ، واستمع لقصصهم وحكاياهم، وراقب أخبارهم وأفعالهم وخصالهم، ودوّنها بمزيد من الإعجاب

رويترز
 

في هذه المقدمة نرى الجاحظ قائلا بإعجاب للفتح بن خاقان: "وفقك الله لرشدك، وأعان على شكرك، وأصلحك وأصلحَ على يديك، وجعلَنا وإياك ممن يقول بالحقّ ويعملُ به، ويُؤثره ويحتمل ما فيه مما قد يصدّه عنه، ولا يكون حظّه منه الوصف له والمعرفة به، دون الحثّ عليه ... وقد أعجبني ما رأيتُ من شغفك بطاعة إمامك، والمحاماة لتدبير خليفتك، وإشفاقك من كل خلل وخلّة دخل على مُلكه وإن دقّ، ونال سُلطانه وإن صغر ... وقد استدللتُ بالذي أرى من شدة عنايتك، وفرط اكتراثك، وتفقّدك لأخابير الأعداء، وبحثك عن مناقب الأولياء".

 

بادلَه الوزير ذي الأصل التركي المودة، وسعى لأن يكون الجاحظ أحد المقربين من الخليفة العباسي نفسه، وقد أرسل له رسالة تكشف ما وصلت إليه العلاقة من المودة والقربى، يطالبه بالإسراع في الانتهاء من تأليف كتابه "الرد على النصارى"، يقول الفتح: "إن أمير المؤمنين يجدّ بك، ويهشّ عن ذكرك، ولولا عظمتك في نفسك لعلمك ومعرفتك، لحال بينك وبين بعدك عن مجلسه، ولغصبك رأيك وتدبيرك فيما أنت مشغول به ومتوفر عليه ... فاعرف لي هذه الحال، واعتقد هذه المنّة، على كتاب الرد على النصارى، وافرغ منه، وعجّل به إليّ، وكن من جدا به على نفسه".

 

ولم تتوقف العلاقة بين الرجلين عند الصداقة والتعهد بالأعمال الثقافية الجليلة، بل تعدتها إلى الرفقة، فقد اختار الوزير التركي الفتح بن خاقان صديقه الجاحظ رفيقا في سفره لتفقد الأوضاع في بلاد الشام ومصر سنة 243، 244هـ، فزادت هذه الأسفار الجاحظ في الآفاق اطلاعا وسعة معرفة.

 

مناقب الأتراك في عيون الجاحظ
يُقصد بالأتراك في عصر الجاحظ الأقوام القاطنون في مناطق وسط آسيا وبلاد ما وراء النهر، فقد كانوا حتى ذلك الحين لم يهاجروا هجراتهم الكبرى إثر الغزو المغولي بعد ذلك بأربعة قرون، ليمكثوا في المنطقة العربية أو الأناضول، ولم يخرج منهم حينذاك السلاجقة والعثمانيون، بل كان العباسيون قد تنبّهوا إلى أهمية العنصر التركي في المجال العسكري، فاستقدمهم الخليفة المعتصم بالله العباسي، وبنى لهم مدينته العسكرية الجديدة سامراء (سُرّ من رأى) شمال بغداد سنة 221هـ/835م، وأضحى الأتراك منذ ذلك الحين من الطبقة الأرستقراطية الحاكمة، وكان الجاحظ شاهدًا على عصره، وعلى تطور هذه التفاعلات الاجتماعية بين الأعراق والأجناس داخل الحضارة الإسلامية.

  

يتفق الجاحظ مع الرأي القائل أن الأتراك قوم شجعان، فـ"التركي لا يخاف إلا مخوفا، ولا يطمع في غير مطمع، ولا يكفّه عن الطلب إلا اليأس، ولا يدع القليل حتى يُصيب أكثر منه..."

رويترز
  

يرى الجاحظ أن الأتراك قوم مباشرون لا يحبون "اللف والدوران" في تعاملهم مع بعضهم ومع الآخر، يقول: "الأتراك قوم لا يعرفون الملَق ولا الخلابة ولا النفاق ولا السعاية ولا التصنّع ولا النميمة ولا الرياء ولا البذخ على الأولياء، ولا البغي على الخلفاء، ولا يعرفون البدع ولم تُفسدهم الأهواء، ولا يستحلّون الأموال على التأوّل". لكن مما يؤخذ عليهم، وهي ميزة في ذات الوقت "الحنين إلى الأوطان، وحب التقلّب في البُلدان".

 

يتفق الجاحظ مع الرأي القائل أن الأتراك قوم شجعان، فـ"التركي لا يخاف إلا مخوفا، ولا يطمع في غير مطمع، ولا يكفّه عن الطلب إلا اليأس، ولا يدع القليل حتى يُصيب أكثر منه، وإن قدّر أن يجمعهما لم يفرّط في واحد منهما، والباب الذي لا يُحسنه لا يُحسن منه شيئا ... على أن نومه مشوبٌ باليقظة، ويقظته سليمة من السِّنة".

 

لقد تمنى الجاحظ أن لو كانت بلادهم قد استقبلت الحكماء والأنبياء منذ قديم الزمان، وأن لو تغشّاها العلماء لصارت حضارة راسخة لميزة طباع الأتراك، فـ"لو كان في شقّهم (أرضهم) أنبياءُ وفي أرضهم حكماءُ، وكانت هذه الخواطرُ قد مرّت على قلوبهم وقرعت أسماعهم لأنسوكَ أدب البصريين، وحكمة اليونانيين، وصنعة أهل الصين".

 

لقد اتفق الجاحظ أيضا مع الرأي القائل أن الأتراك قوم محبون لركوب الخيول، عاشقون لظهورها، ينقل عن أحدهم قوله ويتفق معه بأنه "لو حصلتَ عُمر التركي، وحسبت أيامه لوجدتَ جلوسه على ظهر دابّته أكثر من جلوسه على ظهر الأرض"! وهم قوم قانعون بأرزاقهم، محبون أن يكون طعامهم من كسب أيديهم، يقول الجاحظ: "أما التركي فلأن ينال الكفاف غصبا أحبُّ إليه من أن ينال المُلك عفوًا، ولم يتهنّ تركي بطعام إلا أن يكون صيدًا أو مغنمًا ولا يُعزّ على ظهر دابته طالبًا أو مطلوبًا". وهم مع حبهم لهذه الحرية والانطلاقة في البرية خلف الصيد والطعن، عاشقون لأوطانهم؛ فإذا كانت محبة الوطن فطرة جُبل عليها الناس كافة، فإن "ذاك في الترك أغلب، وفيها أرسخ".

 

كان الجاحظ من أوائل من تنبهوا إلى أهمية العنصر التركي في ابناء الحضاري الإسلامي، فقد كانوا من أكثر الأعراق انتماء لهذه الحضارة ودفاعا عنها

رويترز
 

إن الترك في نظر الجاحظ قد بلغوا من الغاية في الحرب وصناعتها مبلغا ومهارة فائقة؛ فإذا كان السيف يمر بِعدة مراحل وأشخاص من استخراج الحديد وإذابته وصهره ثم صنعه وتقويمه ثم تسويته وإرهافه، وكذا الأمر في صناعة الأسهم والرماح وبقية الأسلحة الحربية حينذاك؛ فإن "التركيّ يعملُ هذا كلّه لنفسه من ابتدائه إلى غايته فلا يستعينُ برفيق، ولا يفزع فيه إلى صديق، ولا يختلف إلى صانع، ولا يشغل قلبه بمطاله وتسويفه وأكاذيب مواعيده".

 

يبدو أن الجاحظ كان من أوائل من تنبهوا إلى أهمية العنصر التركي في البناء الحضاري الإسلامي، وهم وإن تسببوا بكثير من المشكلات السياسية والعسكرية التي أغفل عن ذكرها الجاحظ عمدًا، وكانوا سببا في إسقاط وقتل بعض الخلفاء في العصر العباسي إلا أنهم كانوا من أكثر الأعراق انتماء لهذه الحضارة ودفاعا عنها؛ فقد امتزجت هذه الصفات التي جُبلوا عليها مع مبادئ الإسلام، وتجلى ذلك في الدول التي أسسوها مثل الخوارزميين والسلاجقة والمماليك والعثمانيين، وقد صدق المؤرخ والمستشرق الأمريكي ول ديورانت حين قرر بأن "هذه الآثار تسخرُ من القائل ينبأنا لأتراك كانوا قوماً همجاً، فكما أن الحكام والوزراء السلاجقة كانو امن أقدر الساسة والحكام في التاريخ، كذلك كان المهندسون السلاجقة من أقدر البنائين وأشجعهم في عصر الإيمان الذي يمتاز بضخامة مبانيه وأعظمه قوة". 

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك