اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/3 الساعة 18:15 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/11 هـ

انضم إلينا
كيف كان المسجد الأقصى قبل النكبة؟

كيف كان المسجد الأقصى قبل النكبة؟

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

يعتبر عبد الوهاب عزّام واحد من ألمع مثقفي وأكاديميي مصر في النصف الأول من القرن العشرين، ولد الرجل لأسرة لها باع في السياسة والأدب في منطقة الشوبك بمحافظة الجيزة، فوالده محمد حسن بك عزام كان عضوا في مجلس شورى القوانين، وعمّه عبد الرحمن باشا عزام كان أول رئيس للجامعة العربية حين إنشائها سنة 1945م. نال عبد الوهاب درجة الماجستير في الآداب الشرقية من جامعة لندن سنة 1927م، والدكتوراه من جامعة القاهرة في الآداب الفارسية سنة 1932م، وقد ارتقى في المناصب الأكاديمية حتى أصبح عميدًا لكلية الآداب جامعة القاهرة.

 

انخرط الدكتور عبد الوهاب عزّام في السلك الدبلوماسي فعمل وزيرًا مفوضًا لمصر في المملكة السعودية، ثم سفيرًا لمصر في باكستان، وحين أُحيل للتقاعد سنة 1954م كلفته السعودية بإنشاء جامعة الملك سعود بالرياض، فأشرف على التأسيس سنة 1957م، وتولى رئاستها حتى وافته المنية فجأة سنة 1959م[1]. كان عبد الوهاب عزام ملمًا بعدة لغات، مثل الإنجليزية والفرنسية والفارسية والتركية والأردية، وقد ترك عددا مهمًا من المؤلفات والتحقيقات التراثية والترجمات التي تنم عن علمه الراسخ وثقافته المتشعّبة.

 

في هذا المقال الذي نشره الدكتور عزّام على عدة حلقات - اخترنا منها حلقتين - في مجلة الرسالة القاهرية سنة 1943م، يُدوّن الرجل مشاهداته ورحلته عن المسجد الأقصى وباحاته وزوّاره وخطيبه ومتحفه ومقتنياته الثمينة والاحتفالات والشعائر التي كانت تُقام فيه قبل النكبة بخمس سنوات، وهي مُشاهدات آثرنا أن يقف عليها القارئ ليرى كيف كان الدخول والخروج والمكوث والزيارة للمسجد الأقصى حقا لكل المسلمين من فلسطين وخارجها دونما قيد أو شرط حتى في ظل الاحتلال البريطاني الذي كانت تُعاني منه فلسطين آنذاك.

 

رمضان في المسجد الأقصى

الجمعة في المسجد الأقصى عيد إسلامي يشترك فيه الرجال والنساء والأطفال؛ الآباء والأمهات في صلاة، والأطفال في رحاب الحرم يمرحون

رويترز
   
شهدتُ صلاة العشاء في المسجد الأقصى في رمضان، فلا أنسى ما يستقبل الداخل من روعة التكبير ينبعث من جانب المحراب بعيداً كأنما ينبعث من عالم الغيب. وما أنسى القناديل الخافقة في أرجاء المسجد كأنما ترعد من جلال التكبير، ويأتلف تسبيح المصلين وخفقات الضوء كما تتآلف موسيقى من الأنغام والأشعة، وخرجت أمشي في الساحة الفسيحة الجليلة، والرحاب الواسع في صحن الصخرة وحوله، وأشهد الأسوار والأبنية تُحدث أخبارها، والفكر طيار بين الماضي والحاضر، والبصر حائر في هذه المشاهد الكثيرة المهيبة، والقمر يرسل أشعته تترقرق على قبة الصخرة الجميلة وتنساب بين الجدران والأشجار، والظلال تفصل الضوء فتكتب سطراً من الجمال رائعاً، أو تخط آية من آيات السجدة في هذا الحرم العظيم يقرأها كل ذي قلب فتسجدُ جبهته أو يسجد قلبه.

 

تركتُ الحرم وملء نفسي هذا الجمال والجلال، وملء قلبي ذكر وعبر. ولما خرجتُ من باب العمود تأملتُ سور المدينة وقد علا البدر وراءه فتخلّلت شرفاته الأشعة وبدت كأنها فُلول سيف قارع الحادثات طويلاً، وأبلى في الخطوب دهوراً. عدتُ إلى المسجد مرة أخرى يتلفت طرفي وقلبي وأتأمل هذه المشاهد مرة بعد أخرى كما يحرص القارئ على حفظ آية تروعه أو بيت من الشعر يعجبه، ثم جلستُ في رفقة كرام خارج باب العمود أتأمل السور الضيق، والقمر من ورائه مرة أخرى، قلتُ لا بد من زيارة في ضوء النهار يحيطُ فيها البصر والفكر بهذه الساحة العظيمة وما يتقسمها من أبنية؛ فكم دخلت إلى هذا المكان فما استوعبه فكري ولا أحاط بأرجائه نظري، ثم واعدتُ الأستاذ عبد الله المخلص، وهو من أعلم الناس بالحرم ماضيه وحاضره، واعدتُه أن نلتقي بعد صلاة الجمعة في معتكف السيد المجددي وزير الأفغان من الحجرات في صحن الصخرة هذا يوم الجمعة لِسِتٍّ بقين من شهر رمضان عام اثنتين وستين وثلاثمائة وألف (24 (سبتمبر/أيلول) 1943م) وقد اقترب الظهر وأنا منحدر في شارع باب العمود أحمد الإسراع الذي يدفع إليه الانحدار.

 

شهدت في الحرم جمعة قبل هذه فإذا عيد إسلامي يشترك فيه الرجال والنساء والأطفال؛ الآباء والأمهات في صلاة، والأطفال في رحاب الحرم يمرحون؛ ولكن اليوم يوم جمعة اليتيمة وقد حرص على شهودها في المسجد الأقصى كثير من بيت أهل المقدس والبلاد القريبة، وهذه الوفود تتوالى في أزياء المدن والقرى، وقد تقسّمت المصلين مصليات كثيرة في فناء الحرم رضى بها من أشفق من الزحام في المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

 

حشود الناس في الأقصى

  
جلسنا وطرفي مقسم بين الجماعات التي تؤم مواضع الصلاة، والجماعات التي تبوأت أماكنها في هذا المحشر. استقرت بالمصلين المجالس زرافات (جماعات) لا يُرى بينها إمام، وخُيل إليّ أنها جماعات المسجد الحرام تتجّه وجهات مختلفة ولكنها كلها إلى الكعبة، وكبر إمام المسجد فتوالى التكبير بعيداً فانتفضت هذه الجماعات قياماً، وأحكَمت صفوفها وتوالى تكبيرها.

 

ما أعظم هذا.. مشهدٌ جميلٌ رائعْ! وقفتُ أتلفّت إلى الجماعات المتفرقة في أرجاء المسجد ثم أحرمت فلم يمنعني خشوع الصلاة من أن أجيل الطرف أمامي: هذه قبة المسجد الأقصى وأبنية أخرى تتخللها أشجار باسقات، وأمامي على بُعد جماعة من النساء اصطففن عند حجرتين عليهما قُبتان، والى اليسار جماعة أخرى من النساء وقفن مع عُمد جميلة تعلو بئراً من آبار الحرم، وبعدها ذات اليسار جماعة أخرى عند العقود المشرفة على الدرج المؤدي من باب القبة القبلي إلى باب المسجد الكبير وبعدها جماعة من الرجال. ورأيت قبل الإحرام جماعة ذات اليمين في الفناء الأدنى، وأخرى خلفنا فوق صحن الصخرة المرتفع. فما زلت أراها بقلبي مع هذه الجماعات التي يدركها البصر أمامي.

 

حول أسوار الحرم من الداخل والخارج أبنية كثيرة كانت مدارس عُمّرت بالأستاذين والطلاب زمناً طويلاً، ودرَّت على المعلمين والمتعلمين بها خيرات كثيرة

صلّينا ركعتين هما عندي سجدة واحدة متصلة. فلما سلمنا قلت للصاحب الكريم ائذن لي لأشهد الجمع خارجاً من المسجد وأعود. وسارعتُ أتخلل الجموع المنتشرة بعد الصلاة والصفوف المسبحة الجالسة التي لم ينتشر نظامها، وهبطت الدرَج مسرعاً لأشهد السيل المتدفّق من باب المسجد الأقصى وأتفرس الوجوه الخاشعة الفرحة، وأتأمل الأطفال حول آبائهن وأمهاتهن، وأرى هذا العيد العظيم في هذا الحرم المبارك وأسارير وجهي تنبسط ابتساماً، وتنقبض هيبة، وقفت على شاطئ هذا السيل البشري حيناً ثم رجعت أدراجي إلى صاحبي الكريم في مصلاه.

 

وقفتُ على شاطئ هذا السيل البشري حيناً ثم رجعت أدراجي إلى صاحبي الكريم في مصلاه، ودخلنا الحجرة التي تواعدنا اللقاء بها فرأيت على بعد خطيب المسجد الأقصى يمر إلى حجرته وهو في حلة خضراء وعمامة صلاحية، وهو زي يتوارثه خطباء المسجد الأقصى من عهد صلاح الدين؛ وهم من بني جماعة الكنانيين توارثوا هذا المنصب منذ القرن السادس إلى يومنا هذا، وإنه لشرف عظيم. كانت خطابة الجوامع الكبيرة منصباً مشرفاً في تاريخ المسلمين. وكثير من علمائنا يُلقبون بالخطيب. وكانت هذه المناصب متوارثة يخلف فيها الأبناء الآباء وتحرص الأسر على شرفها، كما كانت في تاريخنا بيوت تُعرف بالقضاء وأخرى بالفقه وهكذا. ذهبتُ إلى حُجرة الخطيب فزرتُه وشرفتُ بمجالسته قليلاً ثم رجعت إلى حجرة الموعد ووافانا في موعدنا من الزمان والمكان الأستاذ المخلص فسرنا نطوف في أرجاء الحرم. بدأنا بقبة الصخرة ننظر ما كستها الصناعة والتاريخ من حلي أحدثها الرخام المجزّع الذي فرغ منه المهندسون المصريون منذ سنوات قليلة.

 

تاريخ عريق

   
ولستُ أستطيع أن أحدّث عن تاريخ هذه القبة العظيمة منذ شادها عبد الملك بن مروان إلى عصرنا هذا ولا أن أصف هندستها وجمالها وحلاها وأبهتها، فقد ضمنت هذا كتب وصور كثيرة. وحسبي أن المقدسي يقول فيها بعد وصفها: "فإذا بزغت عليها الشمسُ أشرقت القبة وتلألأت ورئيت شيئاً عجيباً. وعلى الجملة لم أرَ في الإسلام ولا سمعتُ أن في الشِّرك مثل هذه القبة". وكذلك أقول: ما رأيتُ فيما رأيتُ من عجائب الأبنية في البلاد الإسلامية أجمل من قبة الصخرة. ويستطيع القارئ أن يرى مثالاً صغيراً ضئيلاً منها في القبة التي على ضريح السلطان قلاوون في القاهرة.

 

المدرسة الأشرفية هناك شيدها السلطان الصالح المعمر الذي تشهد له اليوم آثاره في بيت المقدس ومكة والمدينة ومواضع كثيرة في القاهرة،  ذلكم السلطان أبو النصر قايتباي رحمه الله

ومن عجيب ما رأيت على جدران القبة من الخارج حجة وقف للسلطان برسباي وقف فيها بعض القرى على عمارة بعض الأبنية في الحرم. ولقد سجل وقفه في أطهر الصحف وأبقاها وبجانب القبة قبة صغيرة ثمينة على مثالها غير أنها لا يحوط أعمدتها جدار. وقد قيل إن عبد الملك طلب أن يُبنى مثال للقبة قبل أن يشرع في هذا البناء الرائع العظيم النفقة، فبنى له هذا المثال فأعجبه، وبُنيت القبة الكبرى على صورته. وقيل بل بنيت القبة الصغيرة من بعد وهذه القُبة الصغيرة مُصلّى رأيتُ النساء يُصلين فيه يوم الجمعة. وعلى صحن الصخرة وهو الدكة العالية الواسعة التي تتوسّط ساحةَ الحرم الفسيحة قبة أخرى صغيرة جميلة تحتها قبة صغيرة تُسمى قبة المعراج.

 

وهناك حُجرات أخرى متفرقة في أطراف الصحن، هبطنا إلى الساحة المحيطة بصحن القُبة على أحد السلالم المحيطة به. ولهذه الدكة تسع سلالم ذوات درَج طويل على كل منها عُمد تنتظمه عقود فوقه، ومشينا ذات اليمين نسايرُ السور الغربي من أسوار الحرم وقد توالت بجانبه أبنية تُنميها عصور مختلفة، وتخلد عليها ذكرى كثير من سلاطين المسلمين. وحول أسوار الحرم من الداخل والخارج أبنية كثيرة كانت مدارس عُمّرت بالأستاذين والطلاب زمناً طويلاً، ودرَّت على المعلمين والمتعلمين بها خيرات كثيرة. وما أحراها اليوم أن تكون مأوى لعلماء من المسلمين يؤمونها من أقطار الأرض فيتداولون الإقامة بها والتدريس بالحرم حيناً! وما أجدر هذا التاريخ بأن يحفظ، وما أخلق هذه الذكريات بأن تُوعى! وكم اتصلت بهذه المدارس من تواريخ العلماء والأدباء.

 

رأينا فيما رأينا هناك المدرسة الأشرفية التي شيدها السلطان الصالح المعمر الذي تشهد له اليوم آثاره في بيت المقدس ومكة والمدينة ومواضع كثيرة في القاهرة - ذلكم السلطان أبو النصر قايتباي رحمه الله. وقد عجبتُ إذ قرأتُ فيما قرأتُ من ألقاب السلطان المنقوشة على البناء لقب (الإمام الأعظم) وما عرفتُه قبل اليوم لأحد من السلاطين، وقد صعدنا منارة المدرسة على قِدمها ونيل الإعصار منها فأشرفنا على مرأى جليل من الجبال والأبنية القديمة والحديثة كأنما أشرفنا على عصور من التاريخ. وعلى مقربة من المدرسة سبيلٌ جميلٌ للأشرف برسباي من سلاطين المماليك. وقد جدّده السلطان قايتباي سنة ثمان وسبعين وثمانمائة، ثم السلطان عبد الحميد العثماني وقد سُمي في الكتابة التي على السبيل بالخليفة الأعظم. وفي ساحة الحرم كثير من السُّبل والآبار الجميلة.

 

في متحف الأقصى

     
وانتهى بنا السير مع هذه الآثار والذكر إلى التكية البُخارية وهي التي اتخذت متحفاً إسلامياً، بعد أن ضم إليها قسمًا من مسجد النساء الذي يأتي ذكره. صفت في مدخل المتحف، وبداخل التكية، رؤوس من العمد القديم التي كانت بالمسجد الأقصى ونقوش وحلى وكتابة من آثار العصور الماضية. وفي البهو الواسع الذي اقتطع من المسجد آثار قليلة جليلة صغيرة في العين كبيرة في القلب، هي كسلاح البطل المجاهد؛ عدة قليلة تحدث أخبار طويلة، وسيوف ورماح وهي عنوان لتاريخ من الكفاح. رأينا فيما رأينا المصحف الذي كتبه بخطه السلطان عبد الحق من سلاطين بني مرين بالمغرب. وقد كتب هذا السلطان التقي بيده ثلاثة مصاحف أهداها إلى المساجد الثلاثة في مكة والمدينة وبيت المقدس.

 

ورأينا في المتحف سيف الشيخ شامل المجاهد الذي أبلى أحسن البلاء في الدفاع عن البلاد الإسلامية في القوقاز. كما رأينا على الجدار عباءة بها خروق. فأما العباءة فعباءة البطل المقدام، والعربي الحر الأبي سلطان باشا الأطرش. وأما الخروق فآثار الرصاص من دبابة فرنسية هجم عليها هذا الأسد في إحدى ثوراته. فليت شعري أي خلة أشرف من هذه العباءة، وأي وسام أجل من هذه الثقوب. لقد أحسن الذي حفظوا سيف شامل وعباءة الأطرش في المتحف الإسلامي من المسجد الأقصى، وإنها لعبرة. ورأينا بعد مصابيح من الآثار الأيوبيين، وقدوراً عظيمة من آثار العثمانيين، ونفائس أخرى لا يتسع لذكرها هذا المقال ثم اطلعنا على دفتر الزيارة فرأينا توقيعات كثير من الزوار بينها خط الملك فيصل رحمه الله، وقد كتب هذه الآية الكريمة (إنما يعمْرُ مساجدَ اللهِ مَن آمنَ بالله واليومِ الآخرِ وأقام الصلاة وآتى الزكاةَ ولم يخشَ إلا الله). وقد رأينا الآية نفسها على باب السكينة من آثار السلطان قايتباي.

 

لبثتُ في المتحف الإسلامي حتى سمعنا النداء فخرجنا لنشهدَ صلاة العصر في المسجد. فلما قُضيت الصلاة طوفنا في المسجد فرأيناه في جلاله ورونقه؛ وقد تمت عمارته هذا العام بعد أن لبث عليه الترميم والبناء سنين. دعّم أحد المهندسين الترك القبة العظيمة التي أمام المحراب؛ ثم تولى المهندسون المصريون تجديد معظم الأروقة، وأُقيمت عُمد جميلة من الرخام مقام العُمد القديمة المبنية. وقد حدثت أن المهندسين عجبوا كيف احتملت هذه العمد المبنية هذا السقف الثقيل وما عليه من طين وتراب قدر وزنهما تقديراً هائلاً.

 

_________________________________

 

(*): نُشرت في مجلة الرسالة القاهرية، العددان 538، 540، بتاريخ 25 (أكتوبر/تشرين الأول)،  و8 (نوفمبر/تشرين الثاني) 1943م.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك