اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/30 الساعة 16:15 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/8 هـ

انضم إلينا
الرحلة الحجازية.. مَشاهد الحج بين ابن بطوطة والبتنوني

الرحلة الحجازية.. مَشاهد الحج بين ابن بطوطة والبتنوني

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

منذ بزَغ الإسلام وانتشر في أقطار العالم، والرحلة إلى الحج مثار للتدوين والنقاش، هذا التدوين صار لونًا خاصا بذاته من ألوان أدب الرحلات في تراثنا، وفي هذا التقرير نقف مع رجلين كتبا عن الحج في زمنين مختلفين، الأول الرحالة المغربي الأشهر في التاريخ الوسيط ابن بطوطة الذي سجل مشاهداته في الحج سنة 726هـ/1326م، والثاني الرحالة المصري محمد لبيب البتنوني الذي جاء بعد ذلك بستة قرون في 1327هـ/1909م فدوّن هو الآخر مشاهد الحج وشعائره، وما اكتنف رحلته من تفاصيل أخرى.

نشاطُ رحّالة المغرب

يلاحظ أن تاريخ المغرب وخاصة في القرن الخامس والسادس والسابع والثامن عرف نوعًا من تطور مثل هذه الرحلات الحجازية بفضل تشجيع الناس بمن فيهم القادة والحكّام لتوفير هذا النوع من المعرفة للمواطنين. ولم يقلّل من شأن الرحلة الحجازية إلّا ما ظهر من ميل لتفضيل الجهاد على الحج في أعقاب العدوان المتوالي على المسلمين في الأندلس، وذلك اعتمادا على فتوى لابن رشد ردّد صداها النّاصري في كتابه" الاستقصاء" وهي تعطي الأسبقية للجهاد على الحج.

وهكذا تكوّنت لدينا لائحة لهؤلاء الأعلام الذين قصدوا الديار المقدسة لأداء مناسك الحج، فيهم الكثير ممن لم تصلنا آثارهم إلى اليوم لكن فيهم طائفة ممّن اشتهر ذكرهم بما خلّفوه من أعمال جليلة خلدت أسماءهم.

ونذكر من هؤلاء الرحالة أبا الحسن محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي (578 هـ) الذي سار بالرحلة خطوات واسعة، كما نذكر ابن رشيد الفهري السبتي (683 هـ) ، صاحب كتاب "ملء العيبة"، ومحمد العبدري صاحب "الرحلة المغربية" (688 هـ)، كما نذكر رحلة أبي القاسم التجيبي (695 هـ) صاحب "مستفاد الرحلة والاغتراب"، وابن بطوطة (725 هـ) موضوع الحديث، وخالد بن عيسى البلوي (736 هـ) صاحب "تاج المفرق"، وابن الحاج النّميري صاحب "فيض العباب" (774 هـ) الذي سجلت له رحلة أيضا إلى الحجاز في مجلدة، ومحمد بن سعيد الرّعينى (778 هـ) صاحب الرحلة الحجازية المنظومة.

وعلاوةً على السبب المتلخّص في أداء فريضة الحج، هناك الرحلة الدراسية: أي طلب العلم ولقاء المشايخ الكبار، حيث نجد أنَّ المكتبة العربية تزخر كذلك بمن ألّفوا عمن أخذوا عنهم في رحلتهم الدراسية من الشيوخ. وعما حصلوا عليه من إجازات تأذن لهم في تلقين ما حصلوا عليه للآخرين[1].

ابن بطوطة في الحج
يمتاز وصف ابن بطوطة بالسلاسة والبلاغة في آن، وفي مكة ووسط المشاعر المقدسة يسيل منه وصف رائق (أن سبلاش)


غادر ابن بطّوطة بلدته طنجة في المغرب الأقصى في بداية الأمر عام 725هـ بقصد الحج. لكن بسبب تعذر الحج تلك السنة لما صادفه من اضطرابات بين البُجاة والمماليك على ساحل البحر الأحمر اضطر للانتظار سنة كاملة لحضور موسم الحج عام 726هـ/1326م، وهو ما تم له بالفعل لكن عن طريق الشام والالتحاق بالركب الشامي هذه المرة بدلا من الركب المصري؛ فقد انطلق من مدينة دمشق في شوال من تلك السنة إلى المدينة المنورة ومنها إلى مكة المشرفة[2].

حين وطئت قدمه البيت العتيق في 20 ذي القعدة، راح في بلاغة وجزالة يصف مشاعره حين شاهد الكعبة المشرفة لأول مرة في حياته قائلاً: "وشاهدنا الكعبة الشريفة زادها الله تعظيمًا وهي كالعروس تجلى على منصة الجلال، وترفل في برود الجمال، محفوفة بوفود الرحمن، موصلة إلى جنّة الرّضوان".

وحين أتمَّ طواف القدوم والسعي بين الصفا والمروة راح يقول: "ومِن عجائب صنع الله تعالى أنّه طبع القلوب على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة، والشوق إلى المثول بمعاهدها الشريفة، وجعل حبّها متمكنا في القلوب فلا يحلّها أحد إلا أخذت بمجامع قلبه ولا يفارقها إلّا أسِفا لفراقها، متولّها لبعاده عنها، شديد الحنين إليها، ناويا لتكرار الوفادة عليها، فأرضها المباركة نصب الأعين، ومحبتها حشو القلوب حكمة من الله بالغة، وتصديقا لدعوة خليله عليه السلام، والشوق يحضرها وهي نائية، ويمثلها وهي غائبة، ويهون على قاصدها ما يلقاه من المشاقّ ويعانيه من العناء، وكم من ضعيف يرى الموت عيّانا دونها، ويشاهد التّلف في طريقها، فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسرورا مستبشرا كأنه لم يذق لها مرارة"[3].

وإذا كان في أول يوم من شهر ذي الحجّة رأى ابن بطوطة عادة غريبة؛ فقد كانت "تُضرب الطبول والدّبادب في أوقات الصلوات وبكرة وعشية إشعارا بالموسم المبارك، وما تزال كذلك إلى يوم الصعود إلى عرفات، فإذا كان اليوم السابع من ذي الحجة خطب الخطيب إثر صلاة الظهر خطبة بليغة يعلّم الناس فيها مناسكهم ويعلمهم بيوم الوقفة، فإذا كان اليوم الثامن بكّرَ الناس بالصعود إلى منى، وأمراء مصر والشام والعراق وأهل العلم يبيتون تلك الليلة بمنى، وتقع المباهاة والمفاخرة بين أهل مصر والشام والعراق في إيقاد الشمع، ولكن الفضل في ذلك لأهل الشام دائما، فإذا كان اليوم التاسع رحلوا مِن منى بعد صلاة الصُّبح إلى عرفة فيمرون في طريقهم بوادي محسّر، ويهرولون فيه، وذلك سنّة[4].

لاحظ ابن بطّوطة كثرة تصدق الركب العراقي على فقراء مكة ومعوزيها بالذهب، حتى إن الأسعار قد رخصت في مكة بسبب كثرة ما أنفق من الذهب

لقد رأى ابن بطوطة في مكّة بركة الأقوات، وتنوع الحاصلات على الرغم من كونها في أرض جدباء مقفرة؛ يقول: "ولقد أكلتُ بها من الفواكه العنب والتين والخوخ والرّطب ما لا نظير له في الدنيا، وكذلك البطّيخ المجلوب إليها لا يماثله سواه طيبا وحلاوة واللحوم بها سمان لذيذات الطعوم، وكل ما يفترق في البلاد من السلع فيها اجتماعه، وتجلب لها الفواكه والخضر من الطائف ووادي نخلة وبطن مرّ، لطفا من الله بسكان حرمه الأمين ومجاوري بيته العتيق"[5].

يمتاز وصف ابن بطّوطة بالسلاسة والبلاغة في آن، وفي مكة ووسط المشاعر المقدسة يسيل منه وصف رائق، وتتضح منه عاطفة شديدة تأثرا بالمكان، لقد كان ابن بطوطة حينذاك لما يزال في ريعان الشباب وصبوته فقد كان في الثالثة والعشرين من عمره.

في يوم عرفة، وصف لنا ابن بطّوطة صعيد عرفة وجبل الرحمة، وبعض الآثار التي كانت في هذه المنطقة في زمنه قائلاً: "وجبل الرحمة الذي ذكرناه قائم في وسط بسيط جمع، منقطع عن الجبال، وهو من حجارة منقطع بعضها عن بعض، وفي أعلاه قبة تنسب إلى أم سلمة رضي الله عنها، وفي وسطها مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه، وحوله سطح فسيح يشرف على بسيط عرفات، وفي قبليّه جدار فيه محاريب منصوبة يصلي فيها النّاس وفي أسفل هذا الجبل عن يسار المستقبل للكعبة دار عتيقة البناء تنسب إلى آدم عليه السلام، وعن يسارها الصّخرات التي كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم عندها، وحول ذلك صهاريج وجباب للماء، وبمقربة منه الموضع الذي يقف فيه الإمام ويخطب ويجمع بين الظهر والعصر، وعن يسار العلمين للمستقبل أيضا وادي الأراك، وبه أراك أخضر يمتد في الأرض امتدادا طويلا".

وإذا حان وقت النّفر، أشار الإمام المالكي بيده ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعة ترتجّ لها الأرض وترجف الجبال فياله موقفا كريما، ومشهدا عظيما، ترجو النفوس حسن عقباه، وتطمح الآمال إلى نفحات رحماه، جعلنا الله ممن خصّه فيه برضاه[6].

في يوم عرفة، وصف لنا ابن بطوطة صعيد عرفة وجبل الرحمة، وبعض الآثار التي كانت في هذه المنطقة في زمنه (رويترز)


وفي يوم النحر، رأى ابن بطوطة كسوة الكعبة المشرفة التي كانت تأتي في محمل الركب المصري وقد وُضعت في سطح الكعبة، وفي اليوم الثالث بعد النحر أخذ بنو شيبة سدنة الكعبة في إسبالها، وقد رأى ابن بطوطة في أعلاها طراز مكتوب فيه بالبياض "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما. الآية، وفي سائر جهاتها طرز مكتوبة بالبياض فيها آيات من القرآن، وعليها نور لائح مشرق من سوادها". ولم يفت ابن بطوطة أن يشير أن السلطان المملوكي -وكان في زمنه الناصر محمد بن قلاوون- هو الذي كان يشرف على "كسوة الكعبة الكريمة ويبعث مرتبات القاضي والخطيب والأئمة والمؤذنين والفراشين والقوامة وما يحتاج له الحرم الشريف من الشمع والزيت في كلّ سنة"[7].

لاحظ ابن بطوطة كثرة تصدق الركب العراقي على فقراء مكة ومعوزيها بالذهب، حتى إن الأسعار قد رخصت في مكة بسبب كثرة ما أنفق من الذهب، وكانت العادة أن قوافل "ركاب" الحج تنقسم حينذاك إلى الركب المصري لأهل مصر والمغرب وأفريقيا ومن يأتي عليهم، والركب الشامي لأهل الشام وبلاد الروم والقوقاز ومن يأتي عليهم، والركب العراقي لأهل العراق وإيران ومن يأتي عليهم، وتنظيما للحج آنذاك فقد كان ينطلق الركب المصري في العودة ثم يليه الركب الشامي ثم يخرج الركب العراقي والخرساني في آخر الأمر[8].

أدى ابن بطوطة فريضة الحج، ثم في 20 ذي الحجة من تلك السنة/17 (نوفمبر/تشرين الثاني) 1326م انطلق مع الركب العراقي، وبدأت رحلته تتوسع في أقطار العالم حتى ظل سائحًا في بلاد الله مدة بضع وعشرين عامًا متصلة كان نتاجها رحلته العظيمة التي استقبلها الشرق والغرب بالترجمة والقراءة بنهم وإعجاب، وقد أسماها "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، وقد سُمي ابن بطوطة بسببها "أمير الرحّالين المسلمين".

البتنوني والرحلة الحجازية

في عام 1909م قرر الخديوي عباس حلمي الثاني بن الخديوي توفيق حاكم مصر أن يحج ويؤدي شعيرة الله، وهي الرحلة التي صار الخديوي يُلقّب بعدها بالحاج عباس حلمي الثاني، وقد اصطحب في حاشيته عددا من الوزراء وكبار رجال الديوان والعسكريين، وكان من جملتهم المؤرخ والرحالة المصري محمد لبيب بك البتنوني الذي كُلف بتدوين هذه الرحلة، والبتنون قرية في محافظة المنوفية نُسب إليها هذا الرحّالة. وقد كان البتنوني محبا للرحلات والسفر، على درجة من الثقافة والوجاهة الاجتماعية، ألف في ذلك "رحلة إلى الأندلس"، و"رحلة الصيف إلى أوروبا" ، وهذه الرحلة التي نحن بصددها والتي أسماها بـ"الرحلة الحجازية"[9].

كتب البتنوني رحلته هذه، وطبعها بعد عودته في القاهرة، فاستُقبل الكتاب بين المثقفين وعلية القوم آنذاك بالترحاب والحفاوة، حتى قررته وزارة المعارف "التعليم" على الطلبة في المدارس، وقد صدّر البتنوني كتابه برسالة الثناء التي أرسلها رئيس النُّظّار "الوزراء" آنذاك محمد سعيد باشا إليه، وقدعدّ سعيد باشا هذا الكتاب عملاً جليلا ومهما للغاية.

جاءت رحلة البتنوني المدونة خليطا بين التاريخ والوصف الاجتماعي وعرض للجوانب الفقهية والنوازل الملازمة للحج (رويترز)


رأى البتنوني أن بلاد الحجاز لم تكن معروفة كما يجب لدى الناس في زمنه "مع أنه يقصدها سنويا أكثر من مائتي ألف نفس (في عصره في بداية القرن العشرين) من المسلمين، وكل ما كُتب عن رحلة الحج إليها لا يخرج عن بعض المناسك التي يضل المطلع في كثرة شعابها ووعورة طرقها ومجاهلها، مما يزيده ارتباكًا وجهالة، رأيتُ أن أضيف إلى الرحلة الخديوية كلمة عن المشاعر الدينية المقدسة، مبتعدًا عن الترّهات التي ألحقها بها مبالغة الوهم أو مغالبة الغرض، مما اتخذه أعداء المسلمين وسيلة إلى الطعن عليهم في دينهم"[10].

وقد جاءت رحلته المدونة خليطا بين التاريخ والوصف الاجتماعي، وعرض للجوانب الفقهية والنوازل الملازمة للحج، ثم أفرد الحديث عن خط سير الخديوي عباس حلمي الثاني وحاشيته منذ خروجه من مصر ووصوله إلى جدة عبر البحر الأحمر، وقد وصف الطريق من جدة إلى مكة، ثم وصف مكة وأيامه فيها قبل يوم عرفة، ولم يفته الحديث عن أهل مكة في زمنه، وحكّامهم من الأشراف الهاشميين حينئذ وهم يدينون بالولاء للدولة العثمانية التي كان لها واليا على مكة أيضا، وقد دون مشاهداته عن بعض الآثار القديمة بها مثل دار خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ودار الأرقم المخزومي، وعين زبيدة، والتكايا والمدارس، والحرم ومقدار مساحته والزيادات التي حصلت فيه، والآثار التي في داخله، وكسوة الكعبة ومصاريفها، واختتم رحلته بالحديث عن القدس والمسجد الأقصى والآثار التي حولها، ومزاراتها ومدينة الخليل وبيت لحم.

في 29 ذي القعدة 1327هـ/ الموافق 11 (ديسمبر/كانون الثاني) 1909م انطلق الركب من القاهرة بالقطار إلى السويس، ومن السويس ركبوا اليخت الخديوي "المحروسة" فوصلوا إلى رابغ موضع الإحرام للمصريين، فأحرموا ثم انطلقوا بالباخرة مرة أخرى إلى جدة، وفي الأول من ذي الحجة وصلوا إليها ، وقد وصف البتنوني جدة التي كان يحكمها الأشراف حينذاك عبر أحد وكلائهم وكانت تابعة للدولة العثمانية حتى ذلك الحين عبر حامية عسكرية في المدينة كان على رأسها قومندان، يقول البتنوني، "وفي موسم الحج ترى في جدة حركة مستديمة لا تنقطع ليلاً ولا نهارًا من الحجاج الذين إذا وصلوا إليها وجدوا على أبواب جمركها مطوفيهم أو وكلاءهم في انتظارهم وهم يُنادون: يا حاج فلان أو يا حجاج فلان (يعنون المطوّف)، فيعرف الحاج اسم مطوّفه فيُنادي عليه وهو في هذه الشدّة، فيُبادر إلى مساعدته ويأخذ منه ورقة جوازه ليُعلّم عليها من قلم الجوازات".

وبعد نزول الحجاج جدة وبقائهم فيها مدة يوم أو يومين للراحة والنظافة كانوا ينطلقون إلى مكة عن طريق الهجن أو الحمير أو الأحصنة، ولم يكن عربات أو سيارات حينذاك[11].

شاهد البتنوني وقوف الحجيج في عرفة، وهم وإن انفصلوا في هياكلهم فإن قلوبهم مرتبطة ارتباط ذرّات الجسم الواحد ببعضها، وبعد صلاة العصر يتحرّك المحملان (المصري والشامي) بحرسهما إلى منحدر جبل الرحمة

وفي ليلة الثالث من ذي الحجة 1327هـ/14 (ديسمبر/كانون الثاني) 1909م وصل الخديوي عباس حلمي الثاني على صهوة جواده إلى مشارف مكة مع الركب المصري، وقد استقبله الشريف حسين وعلية القوم من أهل مكة وأكابر القوات العثمانية والمصرية، وبعد الاستقبال، دخل الخديوي عباس الحرم المكي الشريف، وطاف طواف القدوم، ووصف البتنوني مشاهد الاحتفاء والاحتفال بقدوم الخديوي.

وصف البتنوني مشهد يوم الجمعة في الحرم المكي قائلاً: "لما صعد الخطيب المنبر صعد معه أحد الأغوات وجلس على الدرجة التي تلي قدميه، وهذه بلا شك عادة قديمة كانت للمحافظة على الخطيب أثناء اشتغاله بإلقاء الخطبة حتى لا تتسرب إليه يد أثيمة.. وعقب هذه الخطبة أنعم الجناب العالي على الخطيب بخلعة سنية ألبسه إياها سعادة حسين محرم باشا، ثم صلى الخطيب بالناس تحت جدار الكعبة المكرمة"[12].

عاب البتنوني على تخلف بعض وسائل الاتصال في مكة آنئذ مثل التلغراف والبوسطة، وكانا قد بناهما الوالي العثماني عثمان باشا نوري في عصر السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1882م، يقول: "والتلغراف في هذه المدينة لا نظام فيه بالمرة لعدم وصول غالب الإشارات التي تُرسل من وإلى أربابها، ولعل ذلك ناشئ من كثرة الأعمال زمن الحج. أما البوستة فشيء لا نظير له بالمرة في بوسطات العالم؛ فإن المكاتيب تحضر في زمن الموسم من جدة إلى مكة على الجمال في عدة زكايب، فتُلقى في طرقة مكتب البوستة الضيقة، ويأتي المطوفون أو صبيانهم أو الحجاج أنفسهم فيفررونها ويأخذ كل ما يعثر عليه صدفة باسمه أو باسم معارفه، وعليه فأغلب الخطابات لا تصل إلى أربابها"[13].

وكانت وما تزال التجارة من أكثر الأمور ذيوعاً في موسم الحج "وغالبها من صنف العطريات والسبح والسجاجيد والأقمشة الحرير الهندية والشامية، والصناعة فيها غير مهمة". وقد أسهب البتنوني في وصف أسواق مكة وما اشتملت عليه حينئذ، فمنها "سوق الشامية في شمال الحرم، وهي أشبه شيء بالأسواق التركية، ولها سقف من الخشب على مثال الخان الخليلي بمصر لولا أن شوارعها أضيق، وهذه السوق تضيق بالمارّين خصوصًا عند مرور الجمال بها. وفيها يبيعون السبح والأقمشة الهندية والتركية وغيرها، وفيها كثير من الفصوص الفيروز والياقوت والعقيق الذي يبيعه على الخصوص حجاج اليمن في شوارع المدينة بأثمان رخيصة جدا"[14].

شاهد البتنوني وقوف الحجيج في عرفة، "وهم وإن انفصلوا في هياكلهم فإن قلوبهم مرتبطة ارتباط ذرّات الجسم الواحد ببعضها، وبعد صلاة العصر يتحرّك المحملان (المصري والشامي) بحرسهما إلى منحدر جبل الرحمة، وينهض خطيب عرفة (وهو في الغالب قاضي مكة الذي يتعين من قبل السلطان العثماني)، فيصعد بناقته إلى صدر هذا الجبل، ويخطب نيابة عن رسول الله خطبة يُعلّم الناس فيها مناسك الحج"[15].

ويظل الناس يدعون ويلبون ويتضرعون إلى الله حتى إذا غابت شمس عرفة "أُطلق صاروخ من قِبل الخطيب إعلامًا بتمام الموقف، عندها تتحرك المحامل بين ضروب المدافع وعزف الموسيقات، وأصوات الابتهالات، وكثرة الدعوات، وانهمال العبرات، ويكون كل حاج قبل ذلك قد حمّل حمولة واستعد للإفاضة"[16].


وفي صبيحة يوم النحر وهو يوم العيد الأكبر يكون عموم الحجاج قد وصلوا إلى مِنى، وقد كان المحمل المصري يخيم في "شمال المصطبة التي فيها مخيم الشريف (حسين)، والمحمل الشامي إلى جوار مسجد الخيف، وهو مسجد كبير ذو فضاء واسع مربع.. وبمجرد وصول الحجاج إلى منى يقصدون من فورهم جمرة العقبة فيرمونها وينحرون ويحلقون أو يقصّرون ثم يلبسون ملابسهم، وعندها يحل لهم كل شيء ماعدا النساء والطيب"[17].

وفي منى شاهد البتنوني مراسم قراءة الفرمان العثماني "الشريف"، وهذا الفرمان كان يُرسل كل عام من اسطنبول إلى مكة يوصي فيه السلطان العثماني شريف مكة وحاكمها بالحجيج، ويرسل معه خِلعة سنية، وصرة المال، وهي جبة أو عباءة مطرزّة تقديرا لدوره، وكان لقراءة هذا الفرمان طقوس حيث تجتمع الحامية التركية وأشراف مكة وفق مراسيم معينة، وفي هذا السنة اجتمع معهم الخديو عباس حلمي الثاني، يصف البتنوني ذلك المشهد قائلاً: "أخذ في تلاوة الفرمان الذي كان يمسك بطرفيه اثنان من التشريفاتية، فتلاه بالتركية.. وبعد تلاوة الفرمان قام كاتب يد الشريف وتلا ترجمته المرسلة معه بالعربية وفحواها: أن مولانا السلطان حفظه الله (محمد الخامس).. يرجوه على الدوام مساعدة حجاج بيت الله الحرام، والقيام بكل ما فيه راحتهم وصحتهم، مع تأمين الطرق، وتسهيل المواصلات، والضرب على أيدي الخارجين من الأعراب عن الصراط السوي المستقيم. ولفت نظره إلى الدقة في صرف المرتبات، وتوزيع الصدقات على أربابها بكل ضبط، مع مساعدته لمأموري الدولة من عسكريين وملكيين على أداء وظائفهم"[18].

وهكذا تنوعت مشاهد الحج بين ابن بطوطة في الربع الأول من القرن الثامن الهجري والبتنوني في الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري، صحيح أن مشاهد الحج وشعائره لم ولن تتغير، لكن الطبائع والأوضاع الاجتماعية والسياسية هي التي كانت وما تزال تتغير بمرور الزمن، وقد حرص كلا الرجلين على تدوين ما أثار اندهاشه وإعجابه، وما اختلجه من شعور في هذه البقاع المقدسة، ولا شك أن هذا الشعور، وتلك الرحلة التي حوت على "منافع" جمة من الالتقاء بالمسلمين من كافة أقطار العالم، ومشاهدة عاداتهم وتقاليدهم، والتأمل في موقفهم، ووحدة شعائرهم وملبوسهم، كلها وغيرها دفعتهم إلى الكتابة والتدوين، وما يزال أدب "الرحلة الحجازية" بحاجة إلى من يُكمل مسيرته الطويلة التي بدأت منذ قرون.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك