اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/21 الساعة 17:23 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/1 هـ

انضم إلينا
قَتَلة الكنيسة.. صورة الصليبيين في عيون المؤرخين

قَتَلة الكنيسة.. صورة الصليبيين في عيون المؤرخين

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

"هؤلاء البرابرة غلاظ القلوب لم يتحلوا بالإنسانية في تعاملهم مع أي إنسان"!

- المؤرخ البيزنطي نيكيتاسخونياتس في وصفه للصليبيين

في عام 583هـ/1187م أعاد صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس إلى المحضن الإسلامي بعد أكثر من تسعين عامًا على الاحتلال الصليبي، وبعد ثلاث حملات صليبية كبرى قسّمت بلدان الشام وساحله وفلسطين بين الجماعات الصليبية التي جاءت لأغراض دينية في المقام الأول، وارتكبت أثناءها فظائع وأهوال.

الحملة الصليبية الرابعة

على أن استرداد المسلمين لبيت المقدس قد فتح المجال أمام البابا أنوسنت الثالث الذي ارتقى إلى سدة البابوية سنة 1197م/593هـ لإعادة تقييم أسباب الهزيمة الصليبية وأسبابها أمام المسلمين وقوات صلاح الدين الأيوبي في حطين وغيرها، وبعد تقرير مفصّل أُرسل إليه من بعض القساوسة الصليبيين من الأراضي الإسلامية، والأخذ بآراء كبار الخبراء والملوك السابقين مثل عاموري الأول ملك بيت المقدس الصليبي السابق، وريتشارد قلب الأسد الذي واجه صلاح الدين وعقد معه هدنة الرملة، كان الاتفاق على أن تكون وجهة الحملة الصليبية إلى مصر؛ لأنها "مركز المقاومة الحقيقي ضد الصليبيين في الشام، والمخزن الكبير الذي استمد منه الأيوبيون مواردهم البشرية والمادية في محاربة الصليبيين"[1].

لكن هذا الهدف جابهه بعض الصعوبات (2)؛ ففي اللحظة التي كان يستعد فيها الصليبيون للإبحار نحو مصر؛ إذا بثورة داخلية تنشب في القسطنطينية "إسطنبول" -التي كان يحكمها البيزنطيون آنذاك- انتهت بخلع الإمبراطور إسحاق الثاني وفرار ابنه ألكسيوس إلى الغرب طالبا المساعدة من البابوية وجموع الصليبيين على عمه المغتصب للعرش، وكان الثمن الذي عرضه ألكسيوس مغريا؛ فقد عرض أن تخضع الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية إلى البابوية في روما، فضلا عن مساعدة الصليبيين في حملتهم ضد مصر، وبالفعل وافق البابا والصليبيون على هذا العرض المغري.

 "أخلاق الصليبي" كانت  مليئة بمشاعر البغض والعداء للآخر أيا كان، حتى لو كان مسيحيا مخالفا لمذهبه (بيكساباي)


وحسب قراءات تاريخية أخرى(2) فقد وافق الصليبيون لأسباب أخرى أيضا، تمثلت في العداء القديم بين الكنيستين الغربية والشرقية، والخلاف السياسي منذ بدء الحروب والحملات الصليبية التي كانت تمر في أراضي الدولة البيزنطية التي كانت تتوجس من هذه الحملات، بل عملت على عرقلتها وإفشال بعضها، وفي ظل تلك الأحداث التي عاصرها بعض المؤرخين البيزنطيين مثل المؤرخ نيكيتاس رأينا أخلاق الصليبيين وسجاياهم، وآثرنا أن نعرضها من خلال عيون المؤرخ العربي والبيزنطي على السواء؛ لنرى ملمحا من ملامح العصور الوسطى التي تمثلت في "أخلاق الصليبي" الذي كان يمور بمشاعر البغض والعداء للآخر أيا كان، حتى لو كان مسيحيا مخالفا لمذهبه!

أخلاق الصليبيين

نزل الصليبيون القسطنطينية، وقد نسوا أنهم فتحوا بلدا مسيحيا، وأنهم اقتحموا أكبر مركز ظل يحمل لواء المسيحية في الشرق طوال تسعة قرون، وهو المركز الذي لم تفلح محاولات المسلمين المتكررة حتى ذلك الوقت في الاستيلاء عليه -فتح المسلمون القسطنطينية بعد ذلك بقرنين ونصف-  وكان أن انساح الصليبيون في طرقات المدينة وشوارعها كالجراد المنتشر، يقتلون من صادفهم من الرجال والنساء والأطفال، بحيث لم يقع بصرهم على تحفة أو ثروة إلا نهبوها، ولم يتركوا أثرًا فنيا وأدبيا إلا أفسدوه وخرّبوه، فشبع منهم من كان جائعًا واغتنى من كان فقيرًا[2].

رأى تلك الأحداث المؤرخ البيزنطي نيكيتاسخونياتس، وقد ذاق من مرارتها، واضطر للهروب والتنقل في البلدان حتى استقر به الحال في أخريات عمره بعيدا عن مدينته القسطنطينية التي احتلها الصليبيون، ولم يتورع في وصفهم بالأفاقين والصعاليك والمتشردين والمخادعين، وذكر أن السمة المميزة لهم هي الغطرسة والعجرفة والوقاحة والصفاقة[3].

والجدير بالملاحظة أن المؤرخ البيزنطي نيكيتاس بلغ قمة الإنصاف والنزاهة في كتابته التاريخية حين عقد مقارنة اعترف فيها بسماحة المسلمين والإسلام، وإجرام ولصوصية ودموية الصليبيين؛ حيث جاء في تاريخه: "إن المسلمين أكثر رحمة وإنسانية من الصليبيين؛ فعندما استعادوا بيت المقدس عاملوا اللاتين -أي الصليبيين- بلُطف ورقة، وحافظوا على حريمهم ولم ينتهكوا ولم يدنسوا على الإطلاق قبر المسيح، وحرصوا على عدم دفن موتاهم بجواره. هذا بينما في يوم سقوط العاصمة القسطنطينية في قبضة هؤلاء اللصوص من العناصر الصليبية أسرعوا بنهب المنازل التي كان يُقيمُ فيها الآمنون، وأكرهوا سُكانها على إرشادهم عن أماكن إخفاء أموالهم، وعاملوا البعض بقسوة وعنف، بينما عاملوا البعض الآخر بلُطف إلى أن يتمكنوا من الاستحواذ على أموالهم"[4].

المؤرّخ السرياني ابن العبري: "واحتل الفرنج الرُّها، وصاروا يسبّون ويغزون ما في حوزة العرب من البلاد السورية" (رويترز)


ويتفق المؤرخون المسلمون مع المؤرخ البيزنطي نيكيتاس، فيصف المؤرخ الحلبي كمال الدين بن العميد أنه في عام 491هـ/1098م "خرج نحو ثلاثين ألفًا من الفرنج على أعمال المسلمين ببلد حلب، فأفسدوا ونهبوا"[5]. وعقب استيلائهم على أنطاكية "نهبوا الأموال والآلات والسلاح".

ويشير المؤرخ الدمشقي ابن القلانسي إلى أن الفرنج/الصليبيين قتلوا في أنطاكية وأسروا "من الرجال والنسوان والأطفال ما لا يُدركه حصر". وبعد أن استولوا على قيسارية عام 494هـ/1101م "قتلوا أهلها، ونهبوا ما فيها"[6].

وعلى هذا النحو كثر فساد الصليبيين في مختلف البلاد، وعلى حد تعبير المؤرخ أبو شامة المقدسي "ساموا المسلمين سوء العذاب، واستطار في البلاد شررهم". ولم يقف الأمر على البلدان التي استولوا عليها، وإنما امتدت يد التخريب والتدمير إلى البلاد التي جاورتهم، حيث دأبوا على الإغارة عليها، ونشر الفساد بها، ونهبها وتخريبها، ويؤكد المؤرّخ السرياني ابن العبري ذلك بقوله: "واحتل الفرنج الرُّها، وصاروا يسبّون ويغزون ما في حوزة العرب من البلاد السورية".

ومما يجدر ذكره أنه لم تتوقف وحشية الفرنج وبربريتهم عند إقامة المذابح والتدمير والتخريب فقط، وإنما تعداها إلى نبش القبور ومشاهدها، ويذكر المؤرخ المصري ابن تغري بردي أن الفرنج بعد استيلائهم على بيت المقدس "هدموا المشاهد، وقبر الخليل". ويشير عز الدين بن شداد في حوادث سنة 518هـ/1124م إلى أنه "عمد الفرنجُ إلى قبور المسلمين فنبشوها". ولم يقتصر فساد الفرنج/الصليبيون في البر فقط؛ أي أن هذا الفساد لم يقتصر على نهب القرى والضياع أو تخريب الحصون والقلاع، وإنما قاموا كذلك بالفساد في البحر، فقاموا بأعمال القرصنة، وما يتبع ذلك من تهديد السفن المحمّلة بالبضائع، وإشاعة الذعر والخوف في نفوس المسلمين وتجارهم وسفنهم[7].

خيول ودماء في المسجد والكنيسة!
المؤرخ ابن الجوزي: الصليبيون قتلوا زايدًا عن سبعين ألف مسلم (بيكساباي)


ويُعتبر ما قام به الصليبيون من أعمال التدمير وتخريب وقتل وسبي في مدينة القدس حين سقطت في أيديهم سنة 492هـ/1099م من أبشع الأعمال التي قاموا بها، فيشير المؤرخ ابن الجوزي إلى أن الصليبيين "قتلوا زايدًا عن سبعين ألف مسلم، وأخذوا من عند الصخرة نيفًا وأربعين قنديلاً من فضة، كل قنديل وزن بثلاثة آلاف درهم، وأخذوا تنوا من فضة وزنه أربعين رطلاً بالشامي، وأخذوا نيفًا وعشرين قنديلا من ذهب، ومن ثياب وغيرها ما لا يُحصى"
[8]!

ونعود إلى أحد أهم مؤرخي الحملات الصليبي وليم الصوري الذي كان رئيس أساقفة مدينة صور ومستشار الملك الصليبي بلدوين الرابع ملك مملكة بيت المقدس في القرن الثاني عشر الميلادي، الذي يعترف في تاريخه بالمذبحة المروعة التي أوقعها الصليبيون عند دخولهم بيت المقدس، عند فرار أهل القدس إلى المسجد الأقصى بعد اقتحام الصليبيين للمدينة، قائلا: "فرّ الجانب الأكبر من الناس إلى فناء المسجد لوقوعه في موضع قاصٍ من المدينة، كان محصّنا أشد التحصين بسور وأبراج وأبواب، لكن فرارهم إلى هناك لم يسعفهم بالخلاص؛ إذ سرعان ما اقتفى تانكريد (أحد أمراء الصليبيين) أثرهم على رأس معظم رجال الجيش الذين اقتحم بهم المسجد، وأعملَ مذبحة شرسة حمل بعدها معه -كما يقول الخبر- كميات كبيرة من الذهب والفضة والجواهر"[9] وهو الخبر الذي يتفق مع ما أورده ابن الجوزي سابقًا.

لكن وليم الصوري يرى هذا العمل الإجرامي عقوبة عادلة أنزلها الصليبيون بالمسلمين، قائلاً: "كان ذلك قضاءً عادلاً من الرب أمضاه في من دنّسوا هيكل السيد بشعائرهم الخرافية وحرموه على شعبه المؤمن، فكان لا بد لهم من أن يُكفّروا عن خطيئتهم بالموت، وأن تطهر الأماكن المقدسة بدمهم المهراق"[10]!

وقد اتخذت الرتب الدنيا من العسكر الصليبي من قادتهم أسوة في القتل والسرقة واللصوصية، يقول وليم الصوري: "وانطلق بقية العسكر يجوسون خلال الديار بحثًا عمن ما زال حيا من التعساء الذين قد يكونون مختفين في الأزقة والدروب الجانبية فرارًا من الموت، فكانوا إذا عثروا عليهم سحبوهم على مشهد من الناس وذبحوهم ذبح الشياه".

ويزداد المشهد قتامة حين "جعل بعض العسكر من أنفسهم عصابات انطلقت تسطو على البيوت ممسكين بأصحابها ونسائهم وأطفالهم، وأخذوا كل ما عندهم ثم راحوا يقتلون البعض بالسيف، ويقذفون بالبعض الآخر من الأمكنة العالية إلى الأرض فتتهشّم أعضاؤهم ويهلكون هلاكًا مروّعًا، ومضى مغتصب كل بيت يدعى أن البيت الذي اقتحمه إنما هو ملك خاصّ له بكل ما احتواه"[11].

 كانت الحروب الصليبية انعكاسًا لأخلاق الفريقين، وأفكارهم، قبل أن تكون انعكاسًا لفروسيتهم ومهارتهم العسكرية والفروسية (بيكساباي)


إن مشهد دخول الصليبيين مدينة القدس، والإجرام الذي فعلوه بالمسجد الأقصى قد كرروه بعد قرن من تلك الحادثة حين احتلوا مدينة القُسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في الحملة الصليبية الرابعة، وهي الحملة التي كانت في العام 600هـ بعد استرداد صلاح الدين للقدس بربع قرن تقريبا، فقد جاءوا متقدين غضبا على المسلمين والبيزنطيين، يرون في البيزنطيين المختلفين معهم في المذهب وفي السياسة أعداءً هم الآخرين، لذا حين دخلوا القسطنطينية "إسطنبول" واستولوا عليها، وهرب الإمبراطور وعدد كبير من جيشه، "فتكوا بالروم قتلا ونهبا، فأصبح الروم كلهم ما بين قتيل أو فقير لا يملك شيئا، ودخل جماعة من أعيان الروم الكنيسة العظمى التي تدعى صُوفيا، فجاء الفرنج إليها، فخرج إليهم جماعة من القسيسين والأساقفة والرهبان، بأيديهم الإنجيل والصليب يتوسلون بهما إلى الفرنج ليبقوا عليهم، فلم يلتفتوا إليهم، وقتلوهم أجمعين ونهبوا الكنيسة"[12].

إن هذا الوصف لابن الأثير المؤرخ العربي المعاصر لتلك الأحداث يتفق معه فيه بمرارة المؤرخ البيزنطي وشاهد العيان نيكيتاس في كتابه "التاريخ"، يزودنا نيكيتاس بحديث مفصّل عن تجاوزاتهم الصارخة في كنيسة آيا صوفيا قائلا: "لا يستطيع المرء أن يتخيل ما لحق بكنيسة آيا صوفيا من نجاسة على أيديهم، فمن المؤكد أنه سينتابه الاشمئزاز والقشعريرة؛ فقد حطّم هؤلاء الفاسقين الهيكل المصنوع من مواد ثمينة ومتنوعة.. ووصل الأمر مداه حين أدخلوا بغالا وخيولا داخل الكنائس لنهب الأواني المقدسة، والزخارف الفضية والذهبية التي سبق لهم انتزاعها".

وزاد الصليبيون من استهزائهم بكنيسة آيا صوفيا وبالبيزنطيين الأرثوذكس المخالفين لهم في المذهب الديني حين قتلوا بعض الحيوانات داخل الكنيسة، وأجلسوا على العرش البطريركي -كما يصف نيكيتاس بكل مرارة: "امرأة عاهرة مثقلة بالذنوب، وخادمة للشيطان.. أخذت تسب بوقاحة السيد المسيح، وبدأت تغني أغان بذيئة، وترقص رقص الساقطات داخل الكنيسة. لقد ارتكب الغزاة كل هذه التجاوزات التي تتسم بالكفر والإلحاد دون أن يتصدى لهم أحد أو يضع حدًا لأعمالهم الإجرامية"[13].

وهكذا رأينا من خلال وصف المؤرخين المسلمين والمسيحين، والبيزنطيين والصليبيين قدرا كبيرا من الوحشية والبربرية التي اتسمت بها الحروب الصليبية من خلال الإنسان الصليبي ذاته، هذا الإنسان الذي كان يرى في القتل والدماء لذة ومتعة. لقد كانت الحروب الصليبية انعكاسًا لأخلاق الفريقين، وأفكارهم، قبل أن تكون انعكاسًا لفروسيتهم ومهارتهم العسكرية والفروسية، وسيكون حديثنا عن جوانب هذه الحقبة الأهم في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب ممتدًا في عدة تقارير قادمة.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار