اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/23 الساعة 16:19 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/3 هـ

انضم إلينا
القاهرة في عيون الرحّالة العثماني أوليا جلبي

القاهرة في عيون الرحّالة العثماني أوليا جلبي

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

كان دافع الرحّالة التركي أوليا جلبي للقيام بأسفاره الطويلة إلى مصر هو ما سمعه وقرأه عن مصر وحضارتها وكنوز آثارها الفرعونية والإسلامية، وأهمية موقعها ومركزها المتميز ضمن الدولة العثمانية.


كما كان ثمة دافع شخصي قوي جدا بالرحالة جلبي إلى المجيء إلى مصر، وهو أنه سمع عن مستشفى "بيمارستان" قلاوون في مصر ومهارة أطبائها في شفاء مرض العنّة الذي أُصيب به وتسبّب في عدم زواجه طوال حياته، وقد عالجه بالفعل أطباء المستشفى القلاووني بـ"الترياق الفاروقي" ويقال إن العلاج أتى بفائدة كبيرة مما جعله يستبشر خيرا بمصر وأرضها وأهلها، وهذا النوع من السياحة يُطلق عليه اليوم "السياحة العلاجية"[1].

أوليا جلبي في مصر

 نزل أوليا جلبي في مصر في النصف الأول من القرن السابع عشر، ونلحظ في رحلته التي تُرجمت ونشرت في دار الكتب المصرية في العام الماضي 2016م، أنه تناول الفرق العسكرية العثمانية في مصر "السناجق"، والقواعد الإدارية التي كان ينتهجه ديوان مصر، وحاكم مصر العثماني "الوالي" أو "الباشا"، كما وقف -وهذا هو المهم- على مدارس القاهرة ودور القراءة والحديث التي أنشأها الحكام والسلاطين السابقين، وكيف أصبحت كما شاهدها، وتناول التكايا والزوايا التي كانت مأوى المتصوفة والدراويش.

ولم يفته أن يطيل الوصف في طبوغرافيا(ا) القاهرة العثمانية حينذاك، فقد وصف الخانات والمستشفيات، والأسبلة والخلجان والبرك والعيون والآبار والجسور، ووصف أحياء القاهرة وما اتصف به كل حي من صفات، كما تناول المهن والحرف وأصحابها وأنشطتها، وبعض العادات الاجتماعية التي شاهدها مثل احتفالات المصريين وعاداتهم في شهر رمضان، والمحمل الشريف، وموالد الصوفية، والمأكولات والمشروبات التي وجدت في مصر حينذاك ولم توجد في إسطنبول.



ولم تكن رحلة أوليا جلبي إلى مصر فقط، فقد ذهب إلى السودان والحبشة، وعاد إلى مصر من الحبشة في ربيع الأول 1092هـ/ مارس (آذار) 1681م؛ حيث ظلّت القاهرة العثمانية، وبالرغم من تحولها إلى عاصمة إحدى ولايات الدولة العثمانية، فقد ظلت ذات أهمية كبرى، بل ظلت تُعد ثاني أهم مدينة بعد "إستانبول" عاصمة الدولة، وساعدها على الاحتفاظ بأهميتها استمرار مكانتها التجارية كنقطة عبور رئيسية للتجارة الشرقية، بالرغم من اكتشاف رأس الرجاء الصالح، هذا إلى جانب أنها احتلت مركزًا محوريا في التجارة العثمانية الداخلية، فضلا عن كونها كانت مركزًا من مراكز تجمع قوافل الحج[2].


و كان لتوافد الحجاج من شمال أفريقيا مرورًا بالإسكندرية والقاهرة دورا كبيرا في تنامي المراكز التجارية الرئيسة المنتشرة حول القصَبة (الشارع الرئيسي للقاهرة) في قلب القاهرة الفاطمية التي تضاعفت مساحتها من 66 إلى 130 فدّانًا، ومن تضاعف عدد الوكالات التجارية من 58 وكالة في نهاية العصر المملوكي إلى 360 وكالة في العصر العثماني[3].


ويؤكد المؤرخ أيمن فؤاد سيد [4] أن القاهرة  لم تتدهور إطلاقًا خلال القرون الثلاثة في ظل الحكم العثماني، حتى أضحت في القرن الثامن عشر أكثر اتساعًا وأكثر سكّانًا من أيّ فترة سابقة في تاريخها.

القاهرة بحر الخلائق!

كانت الحمير وسيلة المواصلات التي كان يعتمد عليها المصريون للتنقل داخل القاهرة الواسعة الأرجاء حينذاك، وقد أبدى أوليا جلبي اندهاشه لهذا العدد الكبير من الحمير في مصر

مواقع التواصل
 

إن أكثر ما اندهش له أوليا جلبي هذه الكثرة في تعداد سكان القاهرة، وهو يروي لنا سبب تسميتها أم الدنيا؛ لأن "القحط والغلاء إذا عما الدنيا كلها وسادا فيها، فإن مصر هذه تموّن الدنيا حسبما خلقها الله لهذا الغرض، وبالعكس إذا أصاب القحط والغلاء مصر، فإن محصول ألف مدينة لا يكفيها"[5].


وقد رأى جلبي مصر "بحر الخلائق، وخزينة الناس، ومنبع الجماعات"، وبالرغم من الطواعين الكثيرة التي لحقت في مصر في العصرين المملوكي والعثماني حتى زمن رحلة أوليا جلبي سنة 1082/1672؛ فإن تعداد السكان لم يتأثر بهذه الطواعين التي حصدت الأرواح حصدًا؛ "ومع ذلك فقد كانت الشوارع مليئة بالسكان، ومزدحمة بالناس، يمشون كتفًا بكتف في أسواق مكتظّة بالمترددين".


أما وسيلة المواصلات التي كان يعتمد عليها المصريون للتنقل داخل القاهرة الواسعة الأرجاء حينذاك، فقد كانت بواسطة الحمير، ويُدهش أوليا جلبي لهذا العدد الكبير من الحمير في مصر، يقول: "حقا إن في مصر لحمير كثير يكاد المرء يظن أنها مستولية على البلد من كل الجوانب؛ إذ يسمعُ من الحمّارين أصواتًا ترتفع وتقول: ظهرك جنبك، وجهك، يمينك، يسارك.. وأول مقام موسيقي تسمعه في مصر صباحًا هو نهيق الحمير في مقام "السيكة"؛ لأن حمارًا واحدًا إذا نهق في اصطبل من الاصطبلات نهقت جميع الحمير في البلد"[6]!



لقد رأى جلبي في القاهرة أعراقًا من البشر لا تُحصى، وكيف لا وقد ورث العثمانيون تركة المماليك، وهم طوائف شتى جيء بهم من بلاد وسط آسيا والقوقاز وروسيا والكُرج وغيرهم، "فتربوا في كنفها، وتدرجوا في مضمار المعارف والفنون والآداب والكمال حتى صاروا ذوي مكانة واعتبار"[7].


فظل لهؤلاء المماليك مكانتهم -رغم الهزيمة من العثمانيين- بل سرعان ما عاد المماليك مرة أخرى كأقوى الفرق العسكرية، وفي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر أضحى المماليك سادة البلد، وحاولوا بالفعل الاستقلال عن الدولة العثمانية كما حدث مع علي بك الكبير.


ولم يكن التنوع العرقي قاصرًا على الطبقة الأرستقراطية من المماليك الذين حافظوا على وجودهم ومصالحهم في ظل الحكم العثماني، بل تنوعت الأعراق في الدرجات الاجتماعية الأدنى، ورأى أوليا جلبي "أن في مصر سبعين شعبًا، ويتكلم فيها مائة وأربعون لغة"[8]، وذكر بعض هذه اللغات التي أثرت التنوع الثقافي والسسيولوجي/الاجتماعي في مصر آنذاك، حتى إنك لتكاد تتخيل مصر في العصر العثماني طبقا لوصف الرحالة العثماني أوليا جلبي متحفًا أو معرضًا كبيرا حيًا متنوع الأعراق والألوان والمشارب والثقافات من الشمال والجنوب والشرق والغرب!

 

الأزهر درة جوامع القاهرة
جامع الأزهر قديما (مواقع التواصل)


أما مساجد القاهرة التي زارها أوليا جلبي؛ فقد أخذت بلبّه، ورأى أنه لا يوجد في زمنه مثلها كثرة وعظمة واتساعًا، يقول: "بمصر ستة وخمسون ومائة جامع بناها السلف من السلاطين، ولم يخلف ملوك وسلاطين بلاد الروم والعرب والعجم، بل بلاد المسلمين قاطبة، جوامع عظيمة بهذا القدر، فكل جامع يُشبه جنة"
[9]!


وأعظم جوامع مصر كما رآها أوليا جلبي، الجامع الأزهر، فـ "ليس في مصر جامع له ما للأزهر من جماعة؛ إذ هو واقع في عين فعل مصر، فهو مزدحم بالناس ليلاً ونهارًا، فلا تجد فيه موضعًا للسجدة، يجتمع فيه اثنا عشر ألف طالب ليل نهار، وتطن أصواتهم كأصوات النحل، مما يدهش الإنسان، وقد انهمكوا في مباحثات علمية"[10].


وهذه المكانة الكبيرة والمتميزة التي حظي بها الأزهر في مصر العثمانية كما أقر أوليا جلبي لها أسبابها الجوهرية[11] التي تعود إلى أن القاهرة ذاتها قد حظيت بمكانة متميزة داخل الدولة العثمانية باعتبارها أهم مركز ثقافي في المشرق العربي، وقد أسهم اختلاف اللغة عن مركز الخلافة العثمانية في إسطنبول في دعم القاهرة كمركز رئيس للفكر والثقافة العربية، هذا فضلا عن موقع القاهرة الجغرافي الذي كان يستقبل كل عام وفود الحجيج من المغاربة والأفارقة، وقد صار لهؤلاء أروقة مخصصة لهم داخل الجامع الأزهر، وقد تمتعت القاهرة بحرية مذهبية كبيرة اجتذبت إليها الباحثين وطلبة العلم ممن أرادوا التخصص في مذهب أو مذاهب مختلفة، يضاف إلى ذلك التنوع العرقي الذي أقر به جلبي من الأتراك والجراكسة والمغاربة والأفارقة والشوام وغيرهم.

 
كل هذه العوامل أدت إلى صعود مكانة الأزهر في ذلك العصر، وإلى هذا العدد الكبير من تلاميذه وطلبته، وإذا أضفنا إلى ذلك قول جلبي نفسه إن "أوقاف الأزهر أقوى الأوقاف في القطر المصري" وهي الموارد المالية التي كانت تدر ريعا وأرباحًا ثابتة كل عام وقد أوقفها السلاطين والتجار وأهل الخير، عرفنا سبب هذه المكانة الكبرى للجامع الأزهر منذ ذلك العصر وحتى اليوم.


في تقاريرنا القادمة سنستكمل عرض مشاهدات الرحالة التركي العثماني أوليا جلبي في مصر في القرن السابع عشر الميلادي، وسنقف على استغرابه ووصفه لبعض العادات والتقاليد آنذاك.

___________________________________________

الهوامش: 

ا/الطبوغرافيا تمثيل دقيق لسطح الأرض بعناصره الطبيعية والبشريه. وهي مصطلح يوناني مركب من كلمتين طبوTOPO وتعني الأرض أو المكان. وغرافيا GRAPHIE وتعني الرسم والتمثيل البياني للتضاريس.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار