اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/14 الساعة 16:09 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/27 هـ

انضم إلينا
"وإني لأهوى قمرا".. مشاهد العشق في التراث العربي

"وإني لأهوى قمرا".. مشاهد العشق في التراث العربي

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

دخل الشاعر نصيب بن أبي رباح على الأمير عبد العزيز بن مروان والد الخليفة عُمر بن عبد العزيز، فقال له: هل عشقتَ يا نصيب يوما؟

قال: نعم - جعلني الله فداك - ومن العشق أقلتني إليك البادية إلى مصر.

قال: ومن عشقتَ؟

قال: جارية لبني مدلج، فاجتمع علينا الواشون، فكنتُ لا أقدر على كلامها إلا بعين أو إشارة، فأجلس على الطريق، حتى تمر بي، فأراها بشوق ولوعة، ففي ذلك أقول:

جلستُ لها كيما تمر لعلني ... أخالسها التسليم إن لم تسلم

فلما رأتني والوشاة تحدرت ... مدامعها شوقا ولم تتكلم

مساكين أهل العشق ما كنت أشتري ... حياةَ جميع العاشقين بدرهم[1]

     

هكذا، زخر التراث العربي بمادة هائلة عن الحب والعشق بتجلياته المختلفة، العذرية منها والرمزية كالصوفية على سبيل المثال، وكان الحب منذ العصر الجاهلي قبل الإسلام وبعد الإسلام حاضرا وبقوة في مصادر الأدب العربي كالشعر والنثر، فكيف تناول التراث العربي القديم صور العشق؟ وهل هناك تشابه بين مشاعرهم تلك وبيننا اليوم؟ وهل يمكن أن نصف هذه المادة التراثية الضخمة عن الحب والعشق بأنها أصيلة جاءت بكل جديد؟!

            

العشق
كان ولا يزال كتاب "الزهرة" لمحمد بن علي بن داود الأصفهاني البغدادي المولد والوفاة (255 - 297 هـ = 869 - 910م)  الإمام بن إمام المذهب الظاهري داود الأصفهاني، من أقدم النصوص الأدبية في التراث العربي التي جاءتنا عن الحب والمحبين، والعشق والمعشوقين، حيث كتبه مؤلفه في ثنايا القرن الثالث الهجري قبل ألف ومائتي عام تقريبا.
                    

             

في هذا الكتاب نجد ابن داود يتناول مراتب الحب تفصيلا؛ فإنها عنده تبدأ بالسماع والنظر، فيتولد عنهما الاستحسان، ثم يقوى فيصير مودة، ثم تقوى المودة فتصير محبة، ثم تقوى المحبة فتصير خُلة، ثم تقوى الخلّة فتوجب الهوى، فإذا قوي الهوى صار عشقا، ثم يزداد العشق فيصير تتيما، ثم يزداد التتيم فيصيرُ ولها وهو قمة ما يبلغه المحب؛ إذ معناه: الخروج عن حدود الترتيب، والتعطّل عن أحوال التمييز[2]. ويضرب ابن داود المثل على ذلك من شعر أبو الشيص الكوفي محمد بن عبد الله الخزاعي وهو ممن سبقوا ابن داود بنصف قرن حيث يقول:

وقفَ الهوَى بِي حيثُ أنتِ فليسَ لِي ... مُتأخَّرٌ عنهُ ولا مُتقدَّمُ

أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً ... حبّاً لذكركِ فليلُمْنِي اللُّوَّمُ

أشبهتِ أعدائِي فصرتُ أُحبُّهمْ ... إذ كانَ حظِّي منكِ حظِّي منهمُ

وأَهنتِنِي فأهنتُ نفسِي جاهدا ... ما مَنْ يهونُ عليكِ ممَّنْ أُكرمُ[3]

          

ولم يَفُت الجاحظ معاصر ابن داود أن يدلي برأيه في توصيف العشق وبيان حدوده وماهيته، وكونه مرض يصيب المحب فلا يكاد يجد له حلا ناجعا، يقول: "والعشق داءٌ لا يُملك دفعه، وأنا واصفٌ لك حدَّ العشق لتعرف حدَّه: هو داءٌ يصيب الرُّوح ويشتمل على الجسم بالمجاورة، كما ينال الروح الضعف في البطش والوهن في المرء ينهكه. وداء العشق وعمومه في جميع البدن بحسب منزلة القلب من أعضاء الجسم... فالعشقُ يتركّبُ من الحبّ والهوى، والمشاكلة والإلف، وله ابتداء في المصَاعدة، ووقوف على غاية، وهبوط في التوليد إلى غاية الانحلال ووقف الملال"[4].

     

وقالت امرأة فيه:

رأيتُ الهوى حلوا إذا اجتمع الشملُ ... ومُرا على الهجران لا بل هو القتلُ

ومن لم يذُق للهجرِ طعما فإنه ... إذا ذاق طعمَ الحبِّ لم يدرِ ما الوصلُ

وقد ذقتُ طعْمَيه على القُرب والنوى ... فأبعدُه قتل وأقربه خبلُ[5]

               

           

فالعشق وإن كان داء يصيب المحب فلا يجد له دواء؛ فإنه في نظر أولئك الأقدمين ترياق في ذاته يُصلح النفس، ويكشف مكامن السعادة والجمال فيها، فقد قيل لبعض من أهل البصرة: إن ابنَك قد عشِق. فقال: وما بأس به، إنه إذا عشق نظف وظرُف ولطف.

وفي هذا قيل:

وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى ... وما خير فيمن لا يحبُّ ويعشقُ

وقال آخر:

وما خير في الدنيا، إذا أنت لم تزُرْ ... حبيبا، ولم يطربْ إليكَ حبيبُ[6].

               

وكما أن للعاشق عالمه الداخلي، وألمه المكتوم فإن له ظاهرا علامات تكاد لا تخطئها عين الرقيب، هذه العلامات أجلى بعضها أديب عصره الوشّاء حين قال: "اعلم أن أول علامات الهوى على ذي الأدب نحول الجسم، وطول السقَم، واصفرار اللون، وقلة النوم، وخشوع النظر، وإدمان الفكر، وسرعة الدموع، وإظهار الخشوع، وكثرة الأنين، وإعلان الحنين، وانسكاب العبرات، وتتابع الزفرات، ولن يخفى المحب، وإن تستّر، ولا ينكتمُ هواه، وإن تصبّر، ولن يغني ادعاء أنه قد فارق العشق والهوى؛ لأن علامات الهوى نائرة، وآيات الادعاء ظاهرة. وقد قال الأحوص الأنصاري في ذلك:

ما عالج الناسُ مثل الحبّ مِن سقمٍ ... ولا برئ منه عظما، ولا جسدا

ما يلبث الحبُّ أن تبدو شواهده ... مِن المحبِّ وإن لم يبدِه أبداً[7]

            

ويبدو أن "مشكلة" العشق والعشاق قد داخلت عالم الساسة من نوافذ الشعراء والأدباء الذين كانوا يخالطونهم، ويأخذون عنهم ظرفهم وأدبهم وأخبارهم؛ لا سيما أخبار البادية التي عظم فيها خطبُ الحب العُذري العفيف. ففي يوم دخل الشاعر نصيب بن أبي رباح على الأمير عبد العزيز بن مروان والد الخليفة عُمر بن عبد العزيز، فقال له: هل عشقتَ يا نصيب؟

قال: نعم - جعلني الله فداك - ومن العشق أقلّتني إليك البادية إلى مصر.

قال: ومَن عشقتَ؟

قال: جارية لبني مدلج، فأحدقَ بنا الواشون، فكنتُ لا أقدر على كلامها إلا بعينٍ أو إشارة، فأجلسُ على الطريق، حتى تمرّ بي، فأراها، ففي ذلك أقولُ:

جلستُ لها كيما تمرّ لعلّني ... أخالُسها التسليم إن لم تسلّمِ

فلما رأتني والوشاة تحدّرت ... مدامعُها شوقًا ولم تتكلّمِ

مساكينُ أهل العشقِ ما كنتُ أشتري ... حياةَ جميع العاشقين بدرهم[8]

           

          

وحتى المأمون الخليفة العباسي ابن هارون الرشيد شغلته مسألة العشق فأراد أن يعرف وصفها وعالمها فسأل فيها التابعي والمحدّث فقيه عصره، وقاضي قضاة زمانه يحيى بن أكثم التميمي، عن العشق ما هو؟ فقال له يحيى: هو سوانح تسنحُ للمرء، فيهتمّ بها قلبه، وتؤثرها نفسه. وكان في الحضور ثمامة بن الأشرس النميري وكان نديما ظريفًا ذا خبرة ودُربة بهذه المسألة فقال: اسكت يا يحيى! إنما عليك أن تُجيب في مسألة طلاقٍ أو مُحرِم صادَ ظبياً أو قتلَ نملةً، فأما هذه فمسائلنا نحن. فقال له المأمون: قل يا ثمامة، ما العشق؟ فقال ثمامة: العشقُ جليسٌ ممتع، وأليفٌ مؤنِس، وصاحبُ مُلك، مسالكه لطيفة، ومذاهبه غامضة، وأحكامه جائزة، ملَك الأبدان وأرواحَها، والقلوبَ وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآراءها، وأُعطي عنان طاعتها، وقوْدَ تصرفها، توارى عن الأبصار مدخلُه وعمي في القلوب مسلكُه. فقال له المأمون: أحسنت والله يا ثمامة! وأمر له بألف دينار[9].

   

وإذا كان العشق تعريفا وتوصيفا مختلفا بحسب حالة الواصف؛ لأنه إحساس داخلي يغلب فيه الذاتي على الموضوعي، والنفسي على المدرسي، فإن أشد مشاهد العشق قتامة في نفس العاشق لحظات الفراق الفجائي التي أذهلت بعضهم فصار مجنونا أو كئيبا مدى الحياة !

    

مشاهد الفراق
إن ألم العشق الأكبر، وطامته الكبرى التي قد تودي بحياة المحب أو تُذهب بعقله في مشاهد تراثنا المتنوعة؛ مفارقة المحبوب عن نظر المحب، وبعده عن قلبه، أو مقابلة الحب بالصد والنكران والهجر الدائم. فلما أعتقت عائشة رضي الله عنها جاريتها بَريرة، وكان زوجها حبشيا، اسمه مُغيث، خُيرت بين الإقامة معه وبين مفارقته، فاختارت المفارقة، فكانت إذا طافَت بريرة بالبيت العتيق طاف مغيثٌ خلفها، ودموعُه تسيل على خديه. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمّه العباس: يا عمّ أما ترى حُبَّ مغيث لبريرة؟ لو كلّمناها أن تتزوجَه! فدعاها وكلّمها، فقالت: يا رسول الله إن أمرتني فعلتُ، قال: أما أمرٌ فلا، ولكن أشفعُ. فأبَت أن تتزوجَه. قال الراوي: فهذا مَن قد رآه رسول الله، وشهد لشدّة عشقه، وشفع في بابه[10].

                    

       

ويزداد مشهد العُشّاق قتامة حين نرى ابن زريق البغدادي في القرن الرابع الهجري منذ ألف عام يترك حبيبته في بغداد إلى قرطبة عاصمة الأندلس؛ أملا في لقاء الخليفة الأندلسي، وطمعا في نواله؛ رغبة منه في تحسين حالته المادية، لعله أن يعود إلى ابنة عمه ومحبوبته ليبدآ سويًا حياة جديدة سعيدة لا فاقة فيها ولا تعب، على أن الخليفة الأندلسي أراد أن يختبر هذا الشاعر فأعطاه شيئاً نزراً قليلاً من المال، فقال ابن زريق البغدادي: إنا لله وإنا إليه راجعون! سلكتُ البراري والبحار والقِفار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء النزر؟ فانكسرت إليه نفسه واعتلّ فمات.

      

وشُغل عنه الخليفة أياما، ثم سأل عنه فخرجوا يسألون عنه، فانتهوا إلى الخان (الفندق) الذي كان فيه وسألوا عنه، فقالت: إنه كان في هذا البيت، ومذ أمس لم أره، فصعدوا فدفعوا الباب، فإذا بالرجل ميتا، وعند رأسه رقعة مكتوب فيها واحدة من نوادر الأدب العربي التي تنضح جمالا وألما في آن، فيها يخاطب حبيبته التي حذّرته من المغادرة والفراق والبُعد، يقول:

لا تَعْذُليهِ، فإنّ العَذلَ يولِعُهُ ... قد قلتِ حقّاً، ولكن ليس يسمعُهُ

جاوَزْتِ في نُصْحِهِ حدا أضرّ بِهِ ... من حيثُ قَدّرْتِ أن النصْحَ ينفعه

قد كان مضطلِعا بالخطْبِ يحمِلُه ... فضُلّعَتْ بخطوب البَينِ أضلُعه

ما آبَ مِن سفرٍ إلا وأزْعَجَهُ ... عزْمٌ إلى سَفَرٍ بالرُّغْمِ يُزْمِعُه

كَأنّما هُوَ في حلّ وَمُرْتَحَلٍ ... مُوَكَّلٌ بِقَضَاءِ اللهِ يَذرعه

أستَوْدعُ الله، في بغداد، لي قمراً ... بالكَرْخِ من فَلَكِ الأزْرَارِ مَطلعُه

وكم تَشَفّعَ بي أن لا أُفَارِقَهُ، ... وللضّرُوراتِ حالٌ لا تُشَفِّعُه

وكم تَشبّثَ بي يوْمَ الرّحيل ضُحى، ... وأدمُعي مُسْتَهِلاّتٌ وأدمُعُه

أُعْطيتُ ملكاً فلمْ أُحسِن سياستَه، ... وكلُّ مَن لا يسُوسُ المُلكَ يخلعُه

ومَن غدا لابساً ثوْبَ النّعيمِ بِلا ... شكرٍ عليه، فعنهُ اللهُ ينْزِعُه

    

فلما وقف الخليفة الأندلسي على هذه الأبيات بكى حتى اخضلّت لحيته، وقال: وددتُ أن هذا الرجل حي وأشاطره نصف ملكي. وكان في رقعة الرجل: منزلي ببغداد في الموضع المعروف بكذا، والقوم يعرفون بكذا، فحُمِل إليهم خمسة آلاف دينار، وهكذا كانت نهاية ابن زريق وحسرته على فقدان ابنة عمه، وبُعده عنها[11].

           

           

وإذا كان ابن زريق قد فارق المحبوب في بغداد ليقضي الله أجله غريبا في الأندلس، فإن ذلك الفتى البصْري فقدَ محبوبته التي توفّاها الله بين يديه، وأبى إلا أن تُدفن في بيته، وشاءت الأقدار أن تجمعه بأحد أدباء عصره الذي دوّن لنا حكايته وفيها يقول: انصرفتُ من جنازة من مسجد الرضى بالبصرة في وقت الهاجرة والحرّ الشديد، فلما دخلتُ سِكَك البصرة اشتدّ علي الحر فتوخيتُ سكة ظليلة فاضطجعتُ على باب دار، فسمعتُ ترنما يجذب القلبَ، فطرقتُ الباب واستسقيتُ ماء فإذا فتى اجتهرني جماله، إلا أن أثر العِلّة والسُّقم عليه واضح جلي، فأدخلني إلى بيت نظيف، وفرش جميل، فلما اطمأننتُ قدّم إلي الطعام.

    

فلما انقضى أكلنا أتينا بشراب فشرب قدحا وشربت آخر، ثم زفر زفرة ظننتُ أن أعضاءه قد نُقضت وقال لي: يا أخي! إن لي نديما، فقُم بنا إليه! فقمتُ وتقدّمني، ودخل مجلسا، فإذا قَبر عليه ثوب أخضر، وفي البيت رمل مصبوب، فقعد على الرمل، وطرح لي مُصلى، فقلتُ: والله لا قعدتُ إلا كما تقعد، وأقبل يُردّد العبرات، وأنشأ يقول في محبوبته المتوفاة:

أطَأُ الترابَ، وأنتَ رهنُ حفيرَة ... هالتْ يدايَ على صَداك ترابَها

إنّي لأعذر مَن مشى إن لم أطَأ ... بجفونِ عيني ما حَيِيتَ جِنَابها

لو أنّ جَمرَ جَوَانِحي مُتَلَبِّسٌ ... بالنّارِ أطْفأ حرَّهَا وأذابَهَا

  

ثم أكبَّ على القبر مغشياً عليه، فجاءه غلام بماء فصبّه على وجهه، فأفاق فشرب ثم أنشأ يقول:

اليوْمَ ثابَ ليَ السرُورُ لأنّني ... أيقَنتُ أنّي عاجلاً بكَ لاحِقُ

فَغَداً أُقاسِمُكَ البِلى، وَيسوقُني ... طوْعاً إلَيكَ، من المَنِيّةِ، سائِقُ!

وما كان إلا الغد وقد وافته المنية، ولحق الشاب البصري بمحبوبته التي عشقها حتى بعد موتها[12] 

           

بعض العاشقين لم ييأس، وحاول مرارا الوصول إلى غايته في محبوبه، فبذل في ذلك كل ما استطاع من جهد وطاقة وحيلة، وبهذا أضحت لحظة "الوصل" عنده تحديا يجب الظفر به

مواقع التواصل
     

أما الشاعر العاشق عروة بن حزام الذي ابتُلي بزواج محبوبته عفراء بنت مالك العذرية من آخر فإن سقمه قد طال به حتى أواخر عمره، ومات بسبب هذا العشق، كان عروة يتيما يتربى في بيت عمّه، حتّى بلغ، فعلق قلبه ابنة عمه عفراء منذ الصبا، فسأل عمّه أن يزوّجه إيّاها، فكان يُسوّفه ويُماطله، إلى أن خرجَ عروة إلى الشام في تجارة، فخطب عفراء ابن عمّ آخر لها من البلقاء في الأردن، فتزوّجها أثناء غياب عروة، فحملَها إلى بلده، وأقبل عروة في عِيره راجعا، حتّى إذا كان بتبوك شمال الجزيرة العربية، نظر إلى رفقة مُقبلة من ناحية المدينة فيها امرأة على جمل أحمر، فقال لأصحابه: والله لكأنّها عفراء، فقالوا: ويحك! ما تترك ذكر عفراء أبدا. على أنه كان صداقًا في حدسه، فالقافلة كانت قافلة عفراء العروس التي ذهبت لآخر غير عروة، وما كان منه إلا أن أنشد قائلا:

وإنّى لتعرونى لذكراكِ روعة ... لها بين جلدى والعظام دبيبُ

وما هو إلا أن أراها فُجاءة ... فأُبهِت حتّى ما أكادُ أجيبُ

وأصرفُ عن رأيى الّذى كنتُ أرتئى ... وأنسى الّذى أعددتُ حين تغيبُ

ويُظهر قلبى عذرها ويعينها ... علىّ، فما لي في الفؤاد نصيبُ

وقد علمت نفسى مكان شفائِها ... قريبا، وهل ما لا يُنال قريب؟

لئن كان برد الماءِ أبيضَ صافيا ... إلىّ حبيبا، إنّها لحبيبُ

    

ثم انصرف إلى أهله باكيا محزونا، فأخذه الهلاس والجنون بها، حتّى لم يبق من جسمه شيء لشدة السقم والحسرة، وقال قوم: هو مسحور، وقال آخرون: به مسّ من الجن، وقالوا: باليمامة شرق الجزيرة العربية طبيبٌ يقال له سالم، له تابع من الجنّ، وهو أطبّ الناس في جزيرة العرب، فساروا إليه من أرض بنى عُذرة حتّى جاؤوه، فجعل يسقيه ويقرأ عليه تعاويذه، فقال له عروة: هل عندك من الحبّ رُقية قال: لا والله! فانصرفوا، فمرّوا بطبيب آخر بحِجْر، فعالجه وصنع به مثل ذلك، فقال عروة: إنّه والله ما دوائى إلا شخص بالبلقاء يعني عفراء، فانصرفوا به، وهو يقول:

جعلتُ لعرّاف اليمامة حكمه ... وعرّاف حِجر إن هما شفيانى

فما تركا من رقيّة يعْلَمانها ... ولا سَلوة إلا بها سقياني

فقالا: شفاكَ الله، والله ما لنا ... بما حـُمِّلَتْ منك الضّلوع يدانِ[13]

        

على أن بعض هؤلاء العاشقين لم ييأس، وحاول مرارا الوصول إلى غايته في محبوبه، فبذل في ذلك كل ما استطاع من جهد وطاقة وحيلة، وبهذا أضحت لحظة "الوصل" عنده تحديا يجب الظفر به!

        

الوصْلُ غاية العُشاق
رأى العلامة ابن حزم الأندلسي أن وصْل المحبوب ولقائه والأنس به هو غاية العشق وفردوسه الأرضي،  ففي كتابه "طوق الحمامة في الألفة والألاف" يمر بتجربة الحب والعشق، ويعترف بما للوصل من مكانة في نفس العاشق على العموم ونفسه، خاصّة إذا كان هذا الوصل واللقاء من بعد هجر وإنكار وبُعد. يقول: "ومن وجوه العشق الوصْل، وهو حظّ رفيع، ومرتبة سرية، ودرجة عالية، وسعد طالع، بل هو الحياة المجدّدة، والعيش السني، والسرور الدائم، ورحمة من الله عظيمة.

                 

                       

ولولا أن الدنيا ممر ومحنة وكدر، والجنة دار جزاء وأمان من المكاره، لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيهن. ولقد جربتُ اللذات على تصرفّها، وأدركتُ الحظوظَ على اختلافها، فما للدنوّ من السلطان، ولا للمال المستفاد، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن من بعد الخوف، من الموقع في النفس ما للوصل، ولا سيما بعد طول الامتناع، وحلول الهجر، حتى يتأجّج عليه الجوى، ويتوقّد لهيب الشوق، وتتضرم نار الرجاء"[14]. وبعض هؤلاء العشاق حاول مرارا أن يصل إلى الوصل بكل ما أوتي من وسيلة لكنه لم يقدر على ذلك، حتى لم يجد أمامه إلا الاستعانة برأس الدولة، الخليفة أمير المؤمنين، من هؤلاء ذلك العربي أبو ميّاس الذي عاش منذ ألف ومائتي عام في قلب الجزيرة العربية.

       

وعنه ينقل العلامة الأصمعيّ عن وصيف حاجب الخليفة العباسي المهدي بن أبي جعفر المنصور قال: كنا مع المهدي وقد خرج من العراق إلى الحج، فإذا أعرابيّ يقول: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، إني عاشق، وكان المهدي يحبُّ ذكر العشّاق. فدعا بالأعرابي فلما دخَلَ عليه خيمته قال: أنت المنادي بالعشق؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال له: ما اسمك؟ قال: أبو ميّاس، قال: يا أبا مياس، من عشيقتُك؟ قال: ابنة عمّي، وقد أبى أبوها أن يزوّجها مني. قال: لعله أكثر منك مالا، قال: لا بل أنا أكثر منه مالا. قال: فما قصّتك؟ قال: فقال له الأعرابي: أدنُ رأسك مني. قال: فجعل المهدي يضحك وأصغى إليه برأسه، فقال: إني هجين (أبوه حر وأمه جارية)، قال المهدي: فليس يضرّك ذلك، إخوةُ أمير المؤمنين وولدِه أكثرهم هجين؛ قال ما أقلّ منفعة هذا لي إذًا؛ فإنّ عمّي لا يزوّجني لهذا السبب. قال: وأين عمك؟ قال: على ثلاثة أميال من هنا.

    

قال: فأرسل الخليفة ُالخيلَ في طلب عمه، فجاءوا به. قال: ما لك لا تزّوج أبا مياس فإني أرى عليه نعمة؟ قال: ليس منا (نحن أبناء الحرائر) من زوّج مثله. قال الخليفة: فإن الذي كرهتَ ليس بعيبٍ عندنا، وأنا مُعطٍ صَدَاق ابنتك عشرة آلاف، ومُعوّضك ممّا كرهتَ عشرة آلاف مثلها. قال: فذلك لك يا أمير المؤمنين. فخرج أبو ميّاس، وهو يقولُ:

ابتعتُ ظبيةً بالغلاء وإنّما ... يُعطي الغلاءُ بمثلها أمثالي[15]

    

وهكذا تنوعت مشاهد العشّاق في التراث العربي، فأغلبهم لم يقدر على الوصول إلى غايته من اللقاء والاجتماع بالمحبوب، وبعضهم تمكن من إتمام نهاية سعيدة بذل فيها كل طاقته، وبعضهم وهم الأسوأ حظا من فقدوا القرب بالمحبوب بالموت أو الجنون، ويتضح من تلك التجارب أن تراثنا بديع في جانبه العاطفي، هذا الجانب الذي طالما تم التركيز فيه على مشاهير العشّاق مثل قيس بن الملوك وليلى العامرية، وقليلا ما انتبهنا إلى أمثال قيس وليلى من مغامير العشاق الذين لا تزال قصصهم في بطون التراث العربي تنتظر من ينقّب عنها، ويكشف تفاصيلها الجميلة والحزينة في آن!

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار