انضم إلينا
اغلاق
وليام شكسبير.. عراب العلاقات البريطانية السرية مع آل سعود!

وليام شكسبير.. عراب العلاقات البريطانية السرية مع آل سعود!

عز الدين عمر

كاتب متخصص في التاريخ
  • ض
  • ض

جاء في الخطاب المرسل من أمير نجد والأحساء عبد العزيز آل سعود في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1914م إلى الكابتن شكسبير الوكيل السياسي البريطاني في الكويت تأكيده متانة التحالف السعودي البريطاني ضد الأتراك العثمانيين، قوله: "أملي قوي بالله ثم بالحكومة البهية البريطانية بأن الأمر سوف يُدبّر كما ينبغي لحماية الدين والشرف، وإن شاء الله عندما يحصل الاجتماع فيسكشف الجانبان عن الأهداف الحقيقية، وآمل من الله عزّ وجل أن نتفق على ما فيه صالح الدين والناس، ونحن بحمد الله تجاه الآخرين (العثمانيين) كما تعلمون".

   

في يوم من أيام شتاء نجد العاصف، وفي ليلة حالكة السواد انتقلت فيها مجموعة صغيرة من الرجال من بيت إلى آخر، لم يبزغ صباحها إلا واستردّ الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود الرياض في مغامرة تُحسب له، وذلك بدعم من حلفائه في الكويت في 15 يناير/كانون الثاني 1902م، ومنذ تلك اللحظة المخضبة بالدماء والقتل، كان الصدام القوي والأعنف الذي سيستمر قرابة العشرين سنة قد بدأ ضد آل رشيد أمراء جبل شمّر الموالين للعثمانيين في وسط الجزيرة العربية، هؤلاء الذين أسقطوا الدولة السعودية الثانية مستغلين تناحر أبناء فيصل الأول آل سعود على العرش، فنُفوا إلى الكويت التي ظلوا فيها يتجرعون مرارة الفقد والفقر لمدة عشر سنوات كاملة.

       

الخوف من الأتراك!

كانت الحروب بين آل سعود وآل رشيد تشتعل بينهما من جبل إلى جبل، ومنطقة إلى أخرى في رمال الصحراء القاحلة، وفي يونيو/حزيران 1904م نصب الأمير عبد العزيز بن متعب آل رشيد، أمير آل رشيد، معسكرا في منطقة قصيبة في منتصف الطريق بين حائل وبريدة، وهناك استقبل الحامية الشمّرية المنسحبة من بريدة التي كان قد استولى عليها عبد العزيز آل سعود قريبا، وقُبيل العمليات العسكرية بعث حسن شكري القائد العسكري العثماني الذي جاء لدعم حليفه ابن الرشيد إلى عبد العزيز آل سعود وهو في عنيزة يحذّره من العواقب الوخيمة لتوسّعه في بلاد نجد مدعوما من القوى الأجنبية المعادية للعثمانيين وحليفهم ابن الرشيد في وسط الجزيرة العربية، قائلا في رسالته: "إن جلالة الخليفة الأعظم (عبد الحميد الثاني) بلغه اضطراب الفتنة في بلاد نجد، وأن يدا أجنبية محرّكة لها، لهذا السبب بعثني إليكم حقنا للدماء ولمنع التدخل الأجنبي في بلاد المسلمين"، ثم أخبره أنه ما جاء دعما لآل الرشيد فقط، وإنما يمكن لابن سعود أن ينضوي تحت جناح الدولة العثمانية[1].

    

  

لم يقبل ابن سعود هذا الخطاب الموجّه إليه من العثمانيين وأرسل إلى قائدهم العسكري قائلا: "لا نقبل لكم نصيحة، ولا نعترف لكم بسيادة، والأحسن أن ترجع من هذا المكان إذا كنت لا تود سفك الدماء، فإن تعدّيت مكانك هذا مقبلا إلينا، فلا شك أننا نُعاملك معاملة المعتدين علينا.. فإن كنت حرا منصفا فلا يخفاك أن سبب عدم إطاعتي هو عدم ثقتي بكم... فلا طاعة لكم علينا، بل نراكم كسائر الدول الأجنبية"، وقد حّذر ابن سعود الضابط التركي بأنه إذا تحرك وقواته نحو المناطق الخاضعة له فإنه سيعاملهم معاملة المعتدين[2].

 

طلب الحماية البريطانية

والحق أن الرسالة أخافت عبد العزيز بشدة، فالتحالف العثماني مع آل رشيد كان قويا شديدا، لذلك أرسل آل سعود إلى الإنجليز وممثلهم الدائم في الخليج بمدينة بوشهر الإيرانية الميجر برسي كوكس طالبا منهم المساعدة والعون العاجل، وقد استغل الإنجليز هذه الفرصة الذهبية، وكانوا طوال الفترة السابقة يدعمون الحلف الكويتي السعودي ضد آل رشيد، ومن خلفهم العثمانيون، لتقليص سيطرتهم في الجزيرة العربية، لذا أرسل البريطانيون رسالة إلى الباب العالي في إسطنبول يحتجّون فيها على توغل القوات العثمانية في نجد، ما يُعدّ خرقا لاتفاقية سنة 1901م بين الجانبين والقاضية بالمحافظة على الأوضاع القائمة آنذاك[3].

 

وبحسب الوثائق البريطانية للجزيرة العربية فإن الإنجليز كانوا يتابعون عن كثب تحركات عبد العزيز آل سعود في نجد وتوسّعاته التي كانت محصلتها في نهاية المطاف في صالحهم، طالما قضى على قوة آل رشيد الموالين للعثمانيين آنذاك[4]. لذا؛ أعاد عبد العزيز آل سعود الاتصال ببرسي كوكس المقيم البريطاني في الخليج مرارا طالبا منه الدعم في مواجهة آل رشيد، ومن ورائهم العثمانيون، وفوق ذلك طلب بوضوح الحماية البريطانية على إماراته الناشئة، بيد أن الرد البريطاني جاءه من قبل مدير وزارة الهند البريطانية جون مورلي الذي صرّح عن رغبته في ألا تنشأ أي علاقة رسمية بأي شكل كان مع ابن سعود لأن الموقف الدولي لا يسمح بذلك، وكتب إلى حكومة الهند بأن يقتصر اهتمامها على الساحل دون الداخل[5].

    

برسي كوكس (مواقع التواصل)

  

لم ييأس عبد العزيز في مساعيه للتقارب مع الإنجليز، وسعى في أكثر من مناسبة للتواصل مع وكيلهم في الكويت من خلال الشيخ مبارك آل صباح، وتكلل ذلك في شهور سنة 1910م حين التقى مع المعتمد البريطاني في الكويت الكابتن/النقيب وليام هنري شكسبير، وكان شكسبير يعرف العربية جيدا، وقد نشأت بينه وبين عبد العزيز مودة قوية، وصداقة متينة منذ تلك اللحظة المهمة، كان لها ما بعدها في ميزان القوى في جزيرة العرب.

 

شكسبير يقترب من عبد العزيز!

أرسل شكسبير إلى مديره المباشر المقيم البريطاني في الخليج ببوشهر الميجر برسي كوكس تقريرا مفصّلا بفحوى هذه المقابلة يقول فيها: "عاد عبد العزيز مرارا إلى ذكر الرسائل التي أرسلها أبوه عبد الرحمن إلى المقيم في بوشهر في وقت تعيين معتمد سياسي في الكويت تقريبا، وأبدى أسفه لأننا لم نقابل مفاتحاته الودية بمودة الأزمنة السالفة. قال إنه شرح لي تاريخهم لتلك السنين (الماضية في الدولتين السعوديتين الأولى والثانية) ليثبت أن آل سعود كانوا دائما على صلات ودية مع الإنجليز وأنهم كرهوا الأتراك كرها عميقا في كل حين"[6].

 

بل أكد أمير نجد عبد العزيز آل سعود أن السعوديين سيكونون الحليف الأفضل والأصدق مع البريطانيين، بل أفضل من حليفهم القديم مبارك آل صباح شيخ الكويت حينذاك، وكانت الكويت تخضع للحماية البريطانية، وبها أيضا مقر للمقيمية البريطانية، وعلى الرغم من أن مبارك آل صباح هو الذي ساعد عبد العزيز آل سعود في حملته لتأمين الرياض بعد استردادها ومُلك نجد الضائع، وكان له الفضل في دعمه العسكري المتتالي ضد آل رشيد والمنتفق، فإن عبد العزيز كان يُقلل من دور الشيخ مبارك آل صباح في مباحثاته مع شكسبير قائلا: "إن آل سعود أفضل من مبارك حقا، لأنهم لم يكن لهم فيما مضى أي تعامل مع الأتراك، ولم يرفعوا العلم التركي مثل مبارك، ولم يعترفوا حتى بخلافة السلطان"[7].

  

الشيخ مبارك آل صباح حاكم الكويت فيما بين (1896 – 1914م)  (مواقع التواصل)

     

كان عبد العزيز يرمي من وراء هذا الود العظيم مع البريطانيين ليس حمايته ودعمه فقط، بل مساعدته في التوسع على حساب العثمانيين؛ لاسيما طرد العثمانيين من الأحساء وهي المنطقة التي سيستطيع من خلالها آل سعود النفاذ إلى ساحل الخيلج العربي، مما يحسّن وضعهم الاقتصادي ومن ثم السياسي، وراح في اقتراحه مع شكسبير إلى أبعد من ذلك حين رمى إلى إبقاء بعض العناصر الإنجليزية في هذه الموانئ السعودية الجديدة لضمان ذلك الاتفاق بين الجانبين باعتباره تحت الوصاية البريطانية، قائلا: "إن آل سعود إذا حكموا الأحساء وأقام ضابط بريطاني في أحد الموانئ فإننا نستفيد كثيرا من زيادة التجارة التي تنتج من وجود سلطة ثابتة وفعّالة على البدو الذين يجعلون الطرق التجارية إلى الداخل غير مأمونة في الوقت الحاضر"[8].

 

إزاء هذه الحماسة الظاهرة في كلام عبد العزيز آل سعود مع الكابتن شكسبير الذي كان على اطلاع كامل بشؤون الجزيرة العربية وقتها، ومعرفة التباينات الناشئة بين القوى المختلفة في أنحاء البلاد ضد الأتراك بقيادة حكومة الاتحاد والترقي التي كانت تواجه مصاعب جمة في الداخل والخارج، فضلا عن سياستها الفاشلة تجاه العرب، فقد رأى شكسبير أن طلب عبد العزيز آل سعود فرصة ذهبية لا تُعوّض للقضاء على النفوذ العثماني في الجزيرة العربية وإخضاعها للسيطرة البريطانية بشكل من الأشكال، وإقامة ما تسميه الدبلوماسية البريطانية في ذلك الوقت "الثورة العربية"، وهو مصطلح لم يكن قد خرج من العرب أنفسهم كما نرى في التقارير البريطاينة السرية، وإنما كان مصطلحا صُكّ في مطبخ السياسة البريطانية.

    

النقيب وليام شكسبير مهندس العلاقات السرية مع عبد العزيز آل سعود (مواقع التواصل)

   

بل إن شكسبير رأى أن القبائل والقوى العربية المختلفة مذهبيا، مثل الأئمة الزيدية في اليمن والذين كانوا على خلاف حاد بل وفي حالة حرب مع العثمانيين حينذاك، يمكن أن يتحدوا مع الوهابيين الأعداء المذهبيين لهم بقيادة آل سعود للقيام بانتفاضة عربية في وقت واحد لطرد العثمانيين من الجزيرة العربية، قائلا في تقريره إلى رئيسه كوكس: "لو حلّ تجمّع بين الرؤساء المهمين في بلاد العرب، وحقيقة حدوث مباحثة جدية عن ثورة متزامنة بين رجال يختلفون اختلافا واسعا في مذاهبهم الدينية كالإمام يحيى (الزيدي في اليمن) والإمام الوهابي (السعودي) مما يجعل مثل هذا الاتحاد ممكنا على الأقل؛ فإنني أميل إلى الرأي بأن الثورة ليست محتملة فحسب، بل إنها تكون موضع ترحيب من جانب كل القبائل تقريبا في أنحاء الجزيرة. أعتقد أن فكرة القيام بانتفاضة في وقت واحد لإخراج الأتراك سيكون من شأنها حتما توحيد صفوف العرب حتى يتحقق هدفهم على الأقل في شرقي الجزيرة العربية"[9].

 

الأحساء في القبضة السعودية

وهكذا كانت عين عبد العزيز تتجه نحو الخروج من وسط الجزيرة العربية والنفاذ إلى الإقليم الشرقي على ساحل الخليج، ذلك الإقليم الذي كان يجلب دوما انتباه حكام الرياض، ولم يكن الأمر يقتصر على اعتبارهم له ضيعة شرعية، فإن واحات الأحساء الغنية والمداخيل الجمركية كان بوسعها أن تعزز الحالة المالية للسعوديين، وكان أمير الرياض بحاجة إلى منفذ على البحر، وكان الوضع في الأحساء ملائما لخطط عبد العزيز؛ لأن السكان المحليين لم يعودوا يتقبلون الأتراك خصوصا مع الصلف والكبر الذي اتصفت به حكومة الاتحاد والترقي، وعداوتها الظاهرة للعرب بعد انقلابهم على السلطان عبد الحميد الثاني، بينما كان شكسبير يرى في عبد العزيز ذراعا بريطانية قوية يمكن الاعتماد عليها.

  

على أن السياسة البريطانية في ذلك الوقت كانت تميل إلى الحذر التام وعدم الرمي بثقلها في داخل وسط الجزيرة في نجد، مكتفية بما حققته من مكاسب وتأمين لمصالحها على حدود ساحل الخليج العربي من عُمان جنوبا مرورا بالإمارات ثم البحرين ونهاية بالكويت، أما التعمق صوب نجد فقد كان يعني صداما مع العثمانيين كان البريطانيون في غنى عنه حينذاك، نظرا للاتفاقيات المبرمة بين الجانبين. رغم ذلك؛ ظلت علاقة عبد العزيز بالكابتن شكسبير ودية للغاية، ولم يكن يُخفي عنه خططه المستقبلية للتوسع في مناطق الجزيرة العربية التي كانت في يوم الأيام جزءا من أملاك السعوديين في الدولة الأولى والثانية، ورغم الرفض البريطاني مرارا مساعدة عبد العزيز في تلك الأوقات فإنه عزم على الاستيلاء على الأحساء بكل السبل الممكنة.

 

في مارس/آذار 1913م التقى عبد العزيز آل سعود بالمعتمد البريطاني في الكويت الكابتن شكسبير لمدة أربعة أيام متتالية في بلدة المجمعة القريبة من الرياض، وفي ذلك اللقاء تابع الجانبان تطورات الحرب العثمانية البلقانية التي كانت تُضعف من شأن العثمانيين عسكريا في البلقان فضلا عن الجزيرة العربية، وامتعاض السعوديين الشديد من الحكومة العثمانية؛ لذا أفصح عبد العزيز لشكسبير عزمه على السيطرة على الأحساء والقطيف في أقرب فرصة مستغلا حالة الضعف والهزيمة العثمانية في البلقان[10].

 

كان شكسبير مؤيدا لخطوة عبد العزيز، لكنه حين أرسل إلى وزارة الخارجية البريطانية مستعرضا خطط عبد العزيز قوبل بالرفض التام؛ حيث إن البريطانيين والعثمانيين كانوا قد دخلوا في مفاوضات بين الجانبين في لندن على عدة قضايا منها حدود الجانبين في شرق الجزيرة العربية، وسكة قطار بغداد وغيرها، وأن دعم بريطانيا لابن سعود يُفشل من هذه المفاوضات.

 

 الملك عبد العزيز آل سعود في زمن الشباب (مواقع التواصل)

   

من جانب آخر راح عبد العزيز يقوي موقفه العسكري بالإعداد التسليحي الجيد، لكن لسوء حظه قبض الإنجليز على مجموعة في الشارقة كانوا يهربون السلاح لصالحه، ولمرة أخرى يتدخل الكابتن شكسبير لصالح صديقه أمير نجد، بل وينصحه أن يكون استيراده للسلاح فيما بعد بصورة شرعية تحت بصر الإنجليز وبمساعدتهم.

 

بعد شهر واحد فقط من مباحثات المجمعة بين عبد العزيز وكوكس، استطاع آل سعود السيطرة على الأحساء وطرد الحامية العثمانية منها، وكان الهجوم مباغتا على العثمانيين الذين هربوا صوب البحرين التي كانت خاضعة للحماية البريطانية ومن هنالك راحوا يستعدون لإعادة الكرة لاسترداد الأحساء. حين علم عبد العزيز ذلك أرسل إلى المقيم البريطاني في الخليج الميجر كوكس قائلا: "نخاطب سيادتكم بالنظر إلى الصداقة القديمة بيننا وبينكم وإلى المعاهدة الأسبق من ذلك التي تعود إلى عهد المغفور له جدي فيصل والتي انقضت منها 55 سنة ويبقى منها 55 سنة". وبيّن في تلك الرسالة استعداده للاتفاق على حماية رعايا الطرفين[11].

 

يرى بعض المؤرخين أن استقبال البريطانيين للعثمانيين ومحاولات تجهيزهم لاسترداد الأحساء كان عرقلة لابن سعود خشية أن يسعى لضم الإمارات العربية التي كانت تخضع للدولة السعودية الأولى والثانية بشكل من الأشكال، وبالفعل انطلقت الحملة العثمانية من البحرين صوب ميناء العقير، لكن القوة السعودية هزمتها للمرة الثانية[12]. كان البريطانيون والعثمانيون في طور الاتفاق بين الجانبين بشأن مد خطوط سكة حديد من بغداد صوب شرق الجزيرة العربية، ولكن الاتفاقية أُجّلت عدة مرات، وفي النهاية وبضغط من شكسبير وكوكس تم إضافة بند يسمح بمنح الحاكم السعودي الصاعد عبد العزيز حكما مستقلا في نجد والأحساء تحت السيادة العثمانية، لكن وزارة الخارجية البريطانية قررت في النهاية النأي بنفسها مؤقتا لمراقبة سير الأحداث بين العثمانيين وابن سعود.

 

في الجهة الأخرى كانت الاتصالات السرية بين عبد العزيز بن سعود والكابتن شكسبير قائمة متواترة، ودخل فيها على الخط منذ الاستيلاء على الأحساء والقطيف والعقير الميجر كوكس الذي بدأ يقتنع بضرورة الدخول في مفاوضات جادة مع السعوديين أصحاب القوة الصاعدة التي تحد من نفوذ العثمانيين.

 

من السر إلى العلن!

عبد العزيز أبدى تخوفه من الموقف البريطاني في حالة نشوب حرب ضد العثمانيين، مبينا أنه سيضطر إلى التفاوض معهم إن لم يتضح موقف بريطانيا

مواقع التواصل
        

وبعد رسائل متبادلة بين الجانبين، تقرر أن يجتمع وليام شكسبير الوكيل السياسي البريطاني في الكويت، وتريفور الوكيل السياسي البريطاني في البحرين، مع عبد العزيز آل سعود في ميناء العقير على ساحل الخليج العربي الذي استولى عليه السعوديون من العثمانيين قبل شهور قليلة، وتم ذلك الاجتماع بالفعل في 15 ديسمبر/كانون الأول 1913م، وسط استقبال حافل واستعراضي بالعرضة للوكيلينِ البريطانيينِ[13]. تمت المفاوضات بين الجانبين وكان الهدف منها حماية رعايا الطرفين، لا سيما البريطانيين الوافدين إلى القطيف وحلّ جميع مشاكلهم السابقة مع السكان، كما أبدى عبد العزيز رفضه إيواء بريطانيا أعداءه الفارين في قطر وعمان، وفي الختام أبدى أنه جاد في التواصل الدائم مع الحكومة البريطانية، وعلى الرغم مما حدث في تلك المفاوضات، فإن وزارة الخارجية البريطانية كانت تعارض حكومة الهند في سياستها الرامية للتقارب بشكل كبير مع السعوديين، لكن الاجتماع بهذه الصورة العلنية كان تتويجا لسنوات عديدة من العلاقات السرية بين شكسبير وعبد العزيز[14].

  

منذ تلك اللحظة بدأت العلاقات بين الملك عبد العزيز آل سعود وبين الكابتن شكسبير تأخذ منحى التعمق والتواصل الدائم، ففي العام التالي في مارس/آذار 1914م وصل شكسبير إلى الرياض التي بقي فيها خمسة عشر يوما للتباحث مع عبد العزيز ولتعزيز العلاقات بينهما، وكان هدف التباحث هذه المرة أنه تواصل مع زعماء القوى العربية في الجزيرة العربية، منهم الإمام يحيى حاكم اليمن والسيد محمد الإريسي حاكم عسير وغيرهما، بشأن تنسيق العمل الجماعي ضد العثمانيين، على أن عبد العزيز أبدى تخوفه من الموقف البريطاني في حالة نشوب حرب ضد العثمانيين، مبينا أنه سيضطر إلى التفاوض معهم إن لم يتضح موقف بريطانيا في مثل هكذا حرب[15].

 

نصح شكسبير صديقه عبد العزيز بالصبر، وأكد له أنه يدعمه عند مرؤوسيه، وأن وجهات نظريهما تجاه الدولة العثمانية متطابقة، وأنه سيسعى لتعزيز مكانته عند الحكومة البريطانية، وكانت تلك المهمة هي الأخيرة لشكسبير باعتباره وكيلا سياسيا بريطانيا في الكويت، وقد أرسل يطلب الاستعفاء من منصبه، كي يتجه إلى بريطانيا لينعم بالراحة بعد خمس سنوات من العمل الشاق.

     

في ظل هذا الإلحاح البريطاني على آل سعود، وخوفا من عبد العزيز من نيران الحرب المحدقة، كان عبد العزيز يقدم رجلا ويؤخر أخرى

مواقع التواصل
  

لم يكن عبد العزيز يتواصل مع النقيب شكسبير فقط، وإنما حرص على مد حبال الود مع الوكيل السياسي البريطاني في البحرين الميجر تريفور، ففي رسالة مؤرخة بـ 26 فبراير/شباط 1914م أرسل إليه قائلا: "أتشرف بإعلامكم أنني منذ مفارقتكم في العقير لم أتسلم منكم أية رسالة، أرجو أن يكون المانع خيرا، وبعد يجب أن أُعلمكم أنه في هذه الأيام جرت المفاوضات بيني وبين الحكومة وأن مدة الشهور الثلاثة التي حددت بيني وبين جنابكم توشك على الانتهاء. أرجوكم أن تكتبوا بما هو مطلوب"[16].

 

على أية حال، ما كاد شكسبير يصل إلى بريطانيا طالبا الراحة إلا وكانت شراراة الحرب العالمية الأولى تتجه نحو نار محرقة في يوليو/تموز 1914م، الأمر الذي اضطر وزارة الخارجية البريطانية ووزارة المستعمرات في الهند إلى استدعاء شكسبير لمهمته مرة أخرى في الجزيرة العربية، وكان الهدف من مهمته أن يحول دون منع حدوث اضطرابات أو فتن بين العرب، كما هدفت مهمته لمنع تقديم القوى العربية أي مساعدات للعثمانيين، فضلا عن تأكيد عرى التحالف مع السعوديين بأي صورة[17].

  

قبول الحماية ومقتل روميو!

في ظل هذا الإلحاح البريطاني على آل سعود، وخوفا من عبد العزيز من نيران الحرب المحدقة بين الجانبين والتي ستقع أجزاء منها في الأرض العربية، كان عبد العزيز يقدم رجلا ويؤخر أخرى، لذا أسرع المقيم السياسي برسي كوكس بإرسال رسالة ترغيب وتطمين دعاه فيها إلى التنسيق مع أمير الكويت الشيخ مبارك آل صباح، والشيخ خزعل حاكم المحمرة في الأحواز، للتعاون مع البريطانيين ضد العثمانيين مقابل تعهّد بريطانيا بحمايته منهم ومن أي هجوم آخر بري أو بحري، على أن يتم عقد معاهدة رسمية بين الطرفين[18].

 

وافق أمير نجد على هذا المقترح البريطاني لعقد معاهدة رسمية للتحالف بين الجانبين في أثناء الحرب ضد العثمانيين مقابل الحماية، وأرسل إلى صديقه شكسبير طالبا منه فوق ذلك إعانة صديقه طالب النقيب في البصرة مع أتباعه وحمايتهم من العثمانيين، وبالفعل وعده شكسبير بتحقيق رغباته؛ فقد كان عبد العزيز في تلك اللحظة الحرجة من أهم الحلفاء البريطانيين ضد العثمانيين.

 

الأمير عبد العزيز بن متعب آل رشيد، أمير جبل شمر في حائل (1898- 1906م) (مواقع التواصل )

   

في المقابل كان عبد العزيز يستعد لمواجهة خصومه من آل رشيد والعثمانيين في خضم تلك الحرب العظمى، بينما شكسبير يتحرق للقاء عبد العزيز لتوقيع الاتفاق البريطاني السعودي من أجل التحالف والحماية، لذا أسرع شكسبير للخروج من الكويت إلى حفر الباطن ومنها إلى معسكر قوات عبد العزيز آل سعود في منطقة بين الزلفى والمجمعة حيث وصل هناك في 31 ديسمبر/كانون الأول 1914م، حين كان عبد العزيز يتجه ناحية جراب للقاء خصمه وعدوه سعود بن عبد العزيز بن رشيد أمير جبل شمر[19].

وبعد مفاوضات بين الجانبين، ومراسلات بين شكسبير ورئيسه كوكس في بوشهر، جاءت الموافقة البريطانية في برقية رقم 105- B بتاريخ 23 يناير/كانون الثاني 1915م على تقديم المساعدة البريطانية للسعوديين في حالة وقوع هجوم من قوى أخرى، في مقابل ألا يتعامل عبد العزيز آل سعود مع أي دولة أخرى ولا يمنع أي امتيازات لرعايا أي دولة أخرى إلا بنصيحة من الحكومة البريطانية، وأن توافق الحكومة البريطانية وابن سعود على عقد معاهدة تفصيلية فيما يتعلق بالأمور الأخرى في أسرع وقت[20].

 

في اليوم التالي 24 ديسمبر/كانون الأول أصر شكسبير أن يكون ضمن الجيش السعودي المواجه لقوات ابن الرشيد في منطقة جراب قرب الزلفى قريبا من الرياض، تعبيرا منه بصورة عملية على التحالف الساري بين البريطانيين وآل سعود باعتباره مستشارا عسكريا في أرض المعركة، بل إن شكسبير تولى قيادة المدفعية ضد آل رشيد في تلك الموقعة بنفسه، ويبدو أن انضمام شكسبير لابن سعود كان قد تسبب في حنق بعض القبائل المؤيدة لآل سعود باعتباره "كافرا" وعدوا من أعداء المسلمين، لذا كان شكسبير صيدا سهلا بملابسه الإنجليزية الظاهرة لبنادق آل رشيد فوقع صريعا في أرض المعركة بعد خمس سنوات نجح خلالها الرجل في إدخال السعوديين من أوسع الأبواب للتحالف مع البريطانيين، فاستحق شكسبير لقب روميو السياسة البريطانية في الجزيرة العربية!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار