انضم إلينا
اغلاق
ابن الرومي.. خاشقجي زمانه وقتيل كلماته

ابن الرومي.. خاشقجي زمانه وقتيل كلماته

عز الدين عمر

كاتب متخصص في التاريخ
  • ض
  • ض

استمع للتقرير

 

دع الخلافةَ يا معتزّ عن كثبٍ *** فليس يكسوك منها الله ما سلبا

أترتجي لبسها من بعد خلعكها ** هيهات هيهات فإن الضرع ما حلبا

تالله ما كان يرضاك المليكُ لها *** قبل احتقابك ما أصبحتَ محتقبا

(ابن الرومي يهجو الخليفة العباسي المعتز بالله)

  

تتلخص أزمة المثقفين والأدباء والشعراء طوال التاريخ وحتى اليوم في بحثهم الدائم عن الأمان، أمان نفسي تارة، وأمان مالي أخرى، فضلا عن حب الشهرة، وتسلط الأضواء، وهم في كل ذلك لا يرون أنفسهم إلا في حاشية الأمير أو الزعيم الذي يُغدق عليهم من نعمه وخيرات خزائنه، وهو في هذا الإنفاق لا يكون جاهلا أو ساذجًا ينفق أمواله كي لا تعود عليه بمردود يرجوه ويؤمله.

  

وهكذا توثقت العلاقة بين الشاعر/الأديب/المثقف وبين السلطان أو الملك منذ القدم، فالأول يقوم بالخدمة الإعلامية لتحسين وجه الزعيم بين قومه، فهو رجل العلاقات العامة، ومن أحسن منه في تلك الوظيفة لا سيما في تلك العصور القديمة، فبكلمة منه يرتفع شأن الأمير، وتلهج الألسن بالشعر الذي يمدح صفاته وعطائه وتقواه، وبكلمة من الشاعر يُخسف بالسلطان الأرض إذا أحبّ هجوه، وأمِن على نفسه بالبعد عنه، لكن طالما كانت الحكمة العربية أصدق، وهي تقول: "قد خاطر بنفسه من ركب البحر، وأعظم منه خطرا من صحب السلطان".[1]

 

ذلك أن غضب السلطان كغضب الأسد، لا يرضى من فريسته إلا النهش والدم، ولا تبدو حادثة جمال خاشقجي اليوم بالحادثة المتفردة، فثمة تاريخ طويل من الاغتيالات السياسية في تاريخنا؛ لا سيما للأدباء والشعراء الذين اقتربوا من دواوين الملوك، وجالسوهم، فرضوا عنهم زمنا طويلا من الدهر، حتى إذا ساءت العلاقة أصدر الأمير فرمانه بقتل شاعره، ومن هؤلاء المغدورين شاعر العصر العباسي الأبرز أبو العباس بن الرومي!

     

  

وُلد ابن الرومي، علي بن العباس بن جُريج في بغداد عاصمة الخلافة العباسية سنة 221هـ/836م، وكان مولى لعبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور، وأما والده فكان من الروم الإغريقيين من أهل الإمبراطورية الرومانية البيزنطية، وأمه "حسنة"  كانت من أصل فارسي، ويبدو من نسبه أن جد ابن الرومي كان مسيحيا ولربما أسلم كما أسلم والده "العباس"، وكونه كان مولى لعبيد الله بن عيسى العباسي يعني أنه أسلم وأُعتق على يد العباسيين[2].

 

حب السياسة

عاش ابن الرومي طفولته وشبابه على شيء من الغنى والمال لقربه من أسرة العباسيين الذين أغدقوا عليهم الأموال وجعلوهم من المقربين لهم، وقد استمتع بشبابه؛ ففي شعره يتكلم عن رحلات الصيد حين كان يخرج هو ورفاقه في الصباح ويصيدون كثيرًا من الطيور المائية بسهامهم، ووصفه صيد الغزال وقتل الثور بحربته الذي جاء في مقدمة إحدى قصائده، وقلة ذكر الجمال في قصائده دليل على أن الرجل لم يعرف الصحراء ولم يمكث بها[3].

 

في الجهة السياسية كان عصر ابن الرومي عصر اضطراب وقتل وانقلاب على الخلفاء الذين عاصر منهم ثمانية معظمهم قُتل أو عُزل بسبب كرسي الخلافة والنزاع عليه، وقد أثّر هذا الجو المشحون في ابن الرومي، وتلقّحت خواطره بأحواله وتقلباته من تمزق وفتن، وجور وعدل وجهالة وسوء ظن، وخداع واقتياد هوى، لذا امتلأت نفس ابن الرومي بالحب لبعضهم، والكره للبعض الآخر، وأخذ يُصور حبه لمن أحب، وينفث سمومه لمن بغض وكره، وذلك في تصوير أدبي رائع، فحينما يصور حبه يقول في مدح عبيد الله بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد من قبل الخليفة المعتصم:

ولو شئتَ ساجلت البحورَ غزارةً *** وبادهت قرض الشعر جنة عبقرا[4]

 

ويعترف بفضله عليه فيقول:

تعبّدني بالعرف حتّى استذلّني ** على أن في نفسي على غيره طغوى

  

    

اتصل ابن الرومي بحاشية الخلفاء في مقتبل عُمره، وكان في تلك المرحلة من الشباب يُعلن ولاءه وحبه للخلفاء العباسيين، بل أعلن في إحدى قصائده أنه بلغ من إخلاصه لهم أنه يرى تضحيته بحياته في الدفاع عنهم أمرًا قليل الأهمية، ويظهر في قصائد أخرى تحولا تدريجيا نحوهم، فيحض العباسيين في إحداها أن يكونوا عادلين، ويُجازوا على المدح كما يُعاقبون على الهجاء، ويطلب منهم ألا يكونوا لا معه ولا عليه[5]. وهو من جهة أخرى كان يكره الخليفة المعتز، ذلك الخليفة الذي خلعه العسكر التركي في بغداد، وفيهم يصدح ابن الرومي بأشعاره مادحا صنيعهم بإقالة هذا الخليفة الفاشل، وقد عينوا بدلا منه المهتدي، يقول:

  

دع الخلافةَ يا معتزّ عن كثبٍ *** فليس يكسوك منها الله ما سلبا

أترتجي لبسها من بعد خلعكها ** هيهات هيهات فإن الضرع ما حلبا

تالله ما كان يرضاك المليكُ لها *** قبل احتقابك ما أصبحتَ محتقبا[6]

 

بل وفي بعض قصائده الأخرى يعلن ابن الرومي سبا علنيا للعباسيين كلهم، ويستطرد فيها اتهمامهم بالأعمال الشائنة التي لا يليق الخوض فيها، يقول:

ولكنّكم زُرقٌ يزينُ وجوهكم *** بني الرومِ ألوانٌ من الروم نُعّجٌ

 

وقد حاول الرجل مع الخلفاء الثمانية أن يتوصل إليهم، ويتقرب لهم من باب تقرب الأديب بالسلطان، لكن من سوء حظه أن الجميع كان يرفض مديحه، ويردون إليه قصائده، ويمتنعون عن بذل العطايا له، فقال في ذلك:

قد بُلينا في دهرنا بملوكٍ *** أدباءٍ عَلِمْتُهمْ شعراءِ

إن أجدْنَا في مدحِهم حسدونا***  فحُرِمنا منهُمْ ثوابَ الثناءِ

أو أسأنا في مَدْحهم أنَّبونا ***  وهَجَوْا شعرَنا أشدَّ هجاءِ

قد أقاموا نفوسَهم لذوي *** المدْحِ مُقامَ الأندادِ والنظراءِ

  


  

ابن الرومي والتقرب من رجال سامراء

على الجهة الأخرى، رأى ابن الرومي أن قربه من رجال العاصمة العباسية الجديدة في سامراء، من رجال الوزارة والدواوين سيكون أليق به، وأفضل للوصول إلى مراميه من المال والنفوذ والشهرة، وإذا كان الخلفاء العباسيون في ذلك الوقت كانوا ألعوبة في يد العسكر التركي، وأسرة بني طاهر التي أثبتت قدرتها في الحكم وعون العباسيين؛ فإن ابن الرومي قرر التقرب من واحد من أبرز رجالاتهم وأقواهم. وكان ذلك الرجل هو محمد بن عبد الله بن طاهر، سليل الأسرة الطاهرية التي حكمت خرسان في زمن الخليفة المأمون، والذي أصبح والي بغداد فيما بعد، ومدحه بقصيدة طويلة ذكرنا منها بيتا آنفًا، لكن ابن طاهر لم يأبه له، ولم يُعطِ ابن الرومي جائزة على هذا المدح، الأمر الذي قابله ابن الرومي بغضب وانفعال، يقول:

أتيتُك شاعرًا فهجوتَ شعري *** وكانت هفوةً مني وغلظة

لقد أذكرتني مثلاً قديمًا *** جزاء مُقبّل الوجعاء ضرطة!

 

 لكن ولحسن حظ ابن الرومي، فقد خلف محمد بن عبد الله بن طاهر أخوه عبيد الله بن عبد الله، وكان قائد الجند، وأشهر رجال الأسرة الطاهرية ثقافة وأدبًا، حتى إنه ألف بعض الكتب، بل كان ذوّاقة للشعر، محبًا له، لذا كان من الطبيعي أن يتقرب ابن الرومي منه، ويجعل شطرا كبيرا من شعره موجّهًا إليه، ويحتوي ديوان ابن الرومي على قصائد موجهة إليه أكثر مما وُجّه إلى أي شخص آخر عدا واحدا أو اثنين، ويزيد مجموعها الكلي على ألفي بيت[7].

 

وحين قرر الخليفة العباسي عزل عبيد الله، وتعيين أخيه سُليمان بن عبد الله بن طاهر مكانه، فقد نقم ابن الرومي من هذا القرار، وقرر أن يكون في فريق عُبيد الله بن طاهر صاحب الفضل عليه، حين حدث خلاف بينه وبين أخيه سُليمان، لكن سرعان ما استقر سُليمان في ولاية بغداد، حينها لم يجد ابن الرومي بدا من مدحه والتودد إليه، وكان ذلك في العقد السادس من القرن الثالث الهجري.

  

 المعتصم بالله (مواقع التواصل)

    

وحين أتم الخليفة المعتصم بالله بن هارون الرشيد بناء مدينة سامراء (سُر من رأى) وجعلها عاصمة إدارية وعسكرية جديدة للدولة العباسية بدلا من بغداد لفترة امتدت من سنة 221هـ وهي السنة التي وُلد فيها ابن الرومي حتى سنة 279هـ/892م، أي ظلت عاصمة أكثر من نصف قرن، وكان علية القوم من الوزراء والكُتّاب فضلا عن العسكريين ومعهم الخلفاء يسكنونها، كان من الطبيعي أن يتوجه الشعراء بأبصارهم إليها؛ رغبة في سكناها، أو قربًا من الطبقة الأرستقراطية الحاكمة، وطمعا في نوالهم وجوائزهم وهداياهم السخية.

 

وفي سنوات العقد السادس من القرن الثالث الهجري زار ابن الرومي سامراء، ومدح وزير الخليفة المعتز، أحمد بن إسرائيل (الذي تولى الوزارة من 253 إلى 255هـ)؛ وقد كافأه الوزير على هذا المديح مكافأة سخية[8]، ولم يكن ابن إسرائيل أول هؤلاء الذين تقرب منهم ابن الرومي، فقد تقرب أيضا من أبي الصقر إسماعيل بن بُلبُل، الذي كان قد عُين رئيسا لديوان الضِّياع في سامراء سنة 255هـ، وهنأه بهذه التولية، فما كان من ابن بلبل إلا أن أرسل يدعو ابن الرومي لزيارته في سامراء مرة أخرى، لكن الأخير اعتذر، طالبا منه أن يُرسل مكافأته، فهي أفضل من مشقة السفر، قائلا:

أزرني نوالَك آنَسُ به *** وأعتَد عتادي للُقيانِكا

فلستُ بأولِ من زاره *** من الأبعدين وجيرانكا[9]

 

وكثر مديح ابن الرومي لابن بُلبل في عدة من قصائده، وظهر فيها دور ابن بُلبُل المشرف على ديوان الضِّياع في تهيئة الظروف لوصول الخليفة المعتمد إلى الحكم العباسي، حتى إن ابن الرومي يقول فيه:

ليُهنئ المـُلك أن أصلحتَ فاسدَه *** وأن حرستَ من الإفساد ما صلُحا

رددته جعفريّ الرأيّ بعد هوىً *** في الواثقيّة لو لم تثنه جمَحا

 

ابن الرومي رجل العلاقات العامة

  

إمما نرى من شعر ابن الرومي رجلا متشعب العلاقات كصحفيّ عصرنا هذا، لا يحب أن يقتصر على بغداد أو سامراء فحسب، ولا يرضى أن يتقيد برجال الحكومة العباسية أو الوزراء والأتراك، وإنما يتجه بشعره إلى العوائل الفارسية التي سكنت أنحاء متفرقة من العراق حينذاك، مثل أسرة بني فياض في دير العاقول، وأسرة بني نوبخت في النعمانية، والأسر العربية التي ارتقت إلى المناصب العليا مثل آل وهب المنحدرين من واسط.

 

وفي ظل بني وهب، رجال السلطة والوزارة الجدد، نَعِم ابن الرومي بما لم ينعم به سابقا طوال عُمره، لذا فقد مدح أبرزهم القاسم بن عبيد الله بن وهب بما لم يمدح به غيره، وكان القاسم قد تقلّد مناصب على درجة كبيرة من الأهمية في الإدارة العباسية، وأجرى على ابن الرومي راتبا شهريا، وبقي ابن الرومي فترة من الزمن مقربا من القاسم، لكن هذا الأخير كان يبتعد عنه رويدًا رويدًا، ويبدو أن الإبعاد كان تدريجيًا، ومع ذلك كان ابن الرومي يُبالغ في مدح القاسم في قصيدة مؤرخة سنة 279هـ جاء فيها:

أجزلَ البدءَ لي فأغنَى عن العود *** فما بي إلا اختلالُ الودودِ

غثّني سيبُه فجاءَ مجيءَ القَطْرِ*** والسيل مُقبلا من صعودِ

لستُ أشكوه غيرَ أنَّ لَهاه *** كلَّفَني إحصاءَ رمل زرودِ

    

وطوال ثلاثة أعوام بين عامي 278 إلى 281هـ كثرت جوائز وهدايا وأموال القاسم لابن الرومي، وهو ما يُعبر عنه ممتنا بقوله:

كم زارني معروفُه *** من قبل وعدٍ بالتقاءِ

ويقول:

ما انفكّ يرفعني وينفعني *** حتى أضرّ بحاسدي حسدُه

فأيُّ أموالكَ لم تُعطنا *** وأي أنوارِكَ لم تُقتبس[10]

 

أخلاق متقلبة

اشتُهر ابن الرومي بأنه كان على الدوام متطيرًا متشائمًا، وفي كتاب "العُمدة في محاسن الشعر" يقول ابن رشيق القيرواني في حق ابن الرومي: "كان ابن الرومي كثير الطيرة، ربما أقام المدة الطويلة لا يتصرّف تطيرًا بسوء ما يراه ويسمعه، حتى إن بعض إخوانه من الأمراء افتقده، فأعلم بحاله في الطِّيَرة، فبعثَ إليه خادمًا اسمه إقبال ليتفاءل به، فلما أخذ أهبته للركوب قال للخادم: انصرف إلى مولاك! فأنت ناقص، ومعكوس اسمك: لابقًا. وابن الرومي القائل: الفأل لسان الزمان، والطيرة عنوان الحدثان، وله فيه احتجاجات وشعر كثير"[11].

  

  

سُئل ابن الرومي مرار: لم لا تتخفّف بين أصدقائك، والعمامة ليست لأهل طبقتك من الأدباء والشعراء، إنما هي لباس الفقهاء والعلماء؟ فكان يغضب للسؤال

مواقع التواصل

    

وهو مع تطيره، كان يُحب الأكل والطعام بصنوفه وأنواعه، مُغرم به، وهي سبب بلائه وشقوته، يقول صاحب "زهر الآداب": "كان ابن الرومي منهومًا في المآكل، وهي التي قتلته، وكان مُعجبًا بالسمك، فوعده أبو العباس المرثدي أن يبعث إليه كل يوم بوظيفة (وليمة من السمك) لا تنقطع، فبعث إليه يوم سبت ثم قَطَعَه".

  

وبسبب انقطاع هذه الملذات من قِبل أبي العباس عن ابن الرومي أنشد[12] يقول:

ما لحِيتانِنا جَفتْنا وأنّى *** أخلفَ الزائرون منتظريهم

جاء في السبت زوّرهم فأتينا *** من حِفَاظ عليه ما يكفيهم

وجعلناه يوم عيدٍ عظيمٍ *** فكأنا اليهود أو نحكيهمُ

وأراهم مصممين على الهجر *** فلمَ يُسخِطون من يرضيهم؟

قد سَبَتْنَا وما أتتنا وكانوا *** يوم لا يسبِتُون لا تأتيهم؟

 

اشتهر ابن الرومي بلبس "العمامة" أينما حل وارتحل، حتى بين أصدقائه المقربين، وصنوه الأدنين، وقد سُئل عن ذلك مرار، لم لا تتخفّف بين أصدقائك، والعمامة ليست لأهل طبقتك من الأدباء والشعراء، إنما هي لباس الفقهاء والعلماء، فكان يغضب للسؤال، حتى اضطر في نهاية المطاف إلى الاعتراف بسرّه الذي طالما كتمه أسفل عمامته[13] قائلاً:

تعمّمتُ إحصانًا لرأسي برهة *** من القرّ يومًا والحرور إذا سفع

فلما دهى طول التعمّم لمّتي *** وأودى بها بعد الإطالة والفرعْ

عزمتُ على لبس العمامة حيلةً *** لتستُر ما جرت عليّ من الصلَعْ

فيا لك من جانٍ عليّ جنايةً *** جعلت إليه من جنايتِه الفزَعْ

وأعجبُ شيءٍ كان دائي جعلتُه *** دوائي على عمدٍ، وأعجب بأن نفعْ!

 

جزالة شعر ابن الرومي

وفي شعر ابن الرومي تتبدى الجزالة والفخامة، فخامة اللغة العربية، ودقة مراميها في شعره، بيد أن الرجل فوق ذلك يبدو في كثير من الأحيان من المفكرين المتأملين في محيطهم، وليس من المتكسّبين بشعرهم فقط، رجل يرى الدنيا بعين الرضيع كما يراها بعين الكبير العاقل، يقول في شعره[14]:

لما تؤذن الدّنيا به من صروفها ... يكونُ بكاء الطّفل ساعة يُوضع

علامَ بكى لمّا رآها وإنها ... لأرحبُ مما كان فيه وأوسعُ!

  

   

ثم هو يتأمل في الكون حوله، فيرى في غروب الشمس لوحة بديعة تستوقفه، ومعنى ظريفا لا يكاد يلتفت إليه أحد إلا النودار من الرجال، يقول بجزالة يُحسد عليها[15]:

كأنّ حنوَّ الشمس ثم غروبها ... وقد جُعلت في مجنح الليل تمرضُ

تخاوصُ عينٍ مَنَّ أجفانها الكَرى ... يُرنَّقُ فيها النوم ثمَّ تغمِّضُ

 

وقد أُعجب كثير من رجال الأدب، وجمّاعي الشعر بابن الرومي ومكانته التي رأوها عالية في جزالة شعره، وكثافة معانيه، ودقة أوصافه، وقد أُعجب الخالديان الموصليان بشعر ابن الرومي، وهما من رجال الأدب في القرن الرابع الهجري، وعدّا هذه الأبيات الآتية التي قالها ابن الرومي مدحا في رجل اسمه عليّ من أرفع وأجود وأجمل ما قيل في المدح حتى عصرهم[16]، يقول:

يقول عليٌّ مرَّة وأنالني ... وكان عليّاً في معانيه كاسْمهِ

أرى فضلَ مال المرءِ داء لعِرضه ... كما فضل طعم المرء داء لجسمهِ

فرحتُ برفدَيهِ وما زلتُ رابحاً ... برِفدَين من شتّى نداه وعلمِهِ

 

وتتجلى عاطفة ابن الرومي، وقوة شعره في حادثة وفاة ابنه محمد إثر مرض داهمه، وهو في هذا الشعر ينتقي الكلمات بعناية لتعبّر عمّا في مكنونه من الألم والضيق والحسرة، ومن الفقد والوجع بعد وفاة فلذة كبده، يقول[17]:

بُكاؤكُما يشفي وإن كانَ لا يُجدي ... فجُودا فقد أودَي نظيركمَا عِندي

توفَّى حمامُ الموتِ أوسطَ صبيتي ... فللَّه كيفَ اختارَ واسطةَ العِقْدِ

طواهُ الرّدَى عني فأضحَى مَزَارهُ ... بعيداً على قربٍ قريباً على البُعدِ

عجبتُ لقلْبي كيفَ لم ينفطِرْ له ... ولو أنه أقسى من الحجر الصَّلدِ

وما سرَّني أن بعتهُ بثوابهِ ... ولو أنه التخلِّيد في جنةِ الخلدِ

ولا بعتهُ طوعاً ولكنْ غُصِبتُه ... وليسَ على ظلمِ الحوادثِ من مُعدي

  

مأساة ابن الرومي كمأساة خاشقجي!

  

والرجل الذي تجلت موهبته طوال حياته في شعره الذي كان يدور في الغالب بين المدح والهجاء، المدح الذي كان يرفع ممدوحه من رجال السلطة إلى عنان السماء، والهجو الذي كان يهوي بهم إلى أسفل الدركات في أعين الخاصة والعامة، ذلك الذي أودى به في نهاية المطاف.

 

 فقد خاف الوزير القاسم بن عبيد الله بن وهب من ابن الرومي بعدما أعرض عنه، وانقطعت صلاته به، وتقطعت علائق الود بينهما، فخاف أن يهجوه فينزع عنه هيبة الوزارة التي كان متقلدا إياها للخليفة العباسي المعتضد بالله، وتسقط شهرته بين مجتمعه وناسه، فسلّط عليه من دسّ له السّم، ودعاه لزيارته وذلك في شهور سنة 283هـ/896م، وابن الرومي في الثانية والستين من عُمره.

 

فلما أحس ابن الرومي بسريان أثر السم في جسده وقت طعامه، وهو عشقه الأول، قام من منزله على الفور، فقال له الوزير القاسم بن وهب: إلى أين تذهب؟ قال: إلى الموضع الذي بعثتني إليه. فقال له: سلّم على والدي. فقال: ما طريقي إلى النار، فأقام أياما ومات[18]!

 

وهكذا تتجلى أزمة المثقف والأديب ورجل العلاقات العامة في ظاهرة متواترة على مدار التاريخ، إن طبّل للسلطة ومدحها رفعته إلى عنان السماء، ونال ما لم ينله أحد من الآخرين، وإن هجاها ورأى فيها منقصة تستوجب الفضح، لم تتركه حتى تجعله في السجن أو في القبر، فليس ابن الرومي يختلف عن خاشقجي في شيء من هذه المأساة!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار